أضواء
أ.د. عبد الله سعيد بن جسار الجعيدي
منشور عام رقم (1)
نعلن بهذا لشعبنا في كافة أنحاء السلطنة القعيطية عن الحادث الذي حصل في المكلا يوم الأربعاء 18 ربيع الأول 1370هجرية /27 ديسمبر 1950ميلادي ليكونوا على علم بما حصل وليفهموا على من تقع تبعة هذا الحادث المشئوم. منذ عشرين يوما على – وجه التقريب – تقدم بعض أعضاء الحزب الوطني بالمكلا لولي العهد بمطالب منها – تعيين سكرتيرا وطني- بعد سفر السكرتير السابق الشيخ سيف بن علي وقد وعدهم صاحب السمو بأن الأمر في ذلك يرجع لعظمة السلطان وهو غائب بالهند وعند وصوله يصلكم رده. وعند وصول عظمة السلطان قدم الحزب الوطني عريضة أخري وقبل أن يحصل على رد حضروا رؤسائه ومعه عدد من الناس أمام القصر مطالبين بالقوة فبدأوا بالضجيج وكسروا أبواب القصر واعتدوا على الجنود ونزعوا ثلاثة بنادق وضربوا بعض الجند بالأحجار وطعنوا بعضا من الجنود أيضا وإزاء هذه الفوضى دافع الجنود عن انفسهم فاطلقوا النار فجرح عدد قليل ومات ستة عشر 16 شخص.ان هذه الحادث المشئوم تقع مسؤوليته وتبعته على أولئك الأشرار الذين حرضوا الرعايا المساكين الذين ليس لديهم دخل للشر وعرضوهم للجرح والقتل ثم هربوا دون أن يمسهم سوء وهذه الحقيقة التي يجب أن يفهمها جميع الناس لقد كان من تحريضهم للرعايا أن حصلوهم يتجمهرون أمام القصر مع قلة أدب وقد كان هذا القصر دائما محل الاحترام من جميع الرعايا.
إن الحكومة ستتخذ الإجراءات الصارمة للغاية لكي تقف هذه الفوضى وستضرب على ايدي المحرضين المغرضين الذين يلعبون بالنار واني اطلب من جميع الرعايا ان يلزموا الهدوء ويوحدوا كلمتهم نحو محو الباطل.
صاحب العظمة السلطان [توقيع]
القصر السلطاني بالمكلا
التاريخ 19 ربيع الاول 1379هـ الموافق 28 ديسمبر 1959م
التعليق:
حصلنا على هذه الوثيقة من ضمن الوثائق المصورة بالماسح الضوئي، التي تكرّم الدكتور عادل اليماني بإهدائها إلى مكتبة مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر. وسيكون تعليقنا على هذه الوثيقة من داخلها، وفقًا للمنهج التاريخي التحليلي، دون الخوض في أبعاد الحادثة وحيثياتها ونتائجها، باستثناء ما له علاقة مباشرة بالوثيقة نفسها.
تعود هذه الوثيقة إلى مرحلة حكم السلطنة القعيطية، التي انتهت في سبتمبر 1967م، وتكمن أهميتها التاريخية في كونها أول خطاب موجه للشعب الحضرمي يسجل الموقف الرسمي للسلطنة، لا سيما موقف السلطان صالح بن غالب القعيطي من الأحداث الأليمة التي شهدتها مدينة المكلا في 27 ديسمبر 1950م، المعروفة بحادثة القصر التي أسفرت عن مقتل 16 شخصًا في يومها الأول، بالإضافة إلى عدد من الجرحى.
كُتب البيان بأسلوب يخدم الرسالة التي أرادت السلطنة إيصالها للأهالي، إذ خلا من تفاصيل ما قبل الحادثة، ولا سيما تحركات الزعامات الشعبية، كما لم يذكر تفهّمهم لمطلب تعيين الشيخ سعيد القدال سكرتيرًا للسلطنة (الوزير) بعد خطبته البليغة أمامهم، بحضور السلطان صالح القعيطي والمستشار البريطاني بوستيد. وبدلًا من ذلك، ركّز البيان على تحميل الزعامات الشعبية مسؤولية تحريض الناس، وتصوير الحادثة بوصفها نتيجة طبيعية لتحريضهم، مما أدى إلى اشتباك المتظاهرين مع الجنود و”موت” 16 شخصًا، وفق نص الوثيقة.
استخدم البيان لفظة “مات” التي تحمل دلالة محايدة، وتجنب استخدام لفظتي “استشهد” أو “قُتل”؛ إذ تحيل الأولى إلى عمل بطولي ضمنيًا، وتمنح الضحايا شرعية أخلاقية، وبطولية ،بينما تشير الثانية إلى وجود قاتل ومقتول، وهو ما يتضمن اعترافًا ضمنيًا بأن جنود السلطنة القعيطية قد أقدموا على القتل. ومن اللافت أن هؤلاء الضحايا حصلوا بعد سقوط السلطنة القعيطية على لقب “الشهداء”، في كثير من الأدبيات المكتوبة ،كما أصدر الصحفي أحمد عوض باوزير كتابًا بعنوان (شهداء القصر) متماهيًا بذلك مع موقف السلطة الثورية الجديدة التي كانت معادية للعهد السلاطيني ومؤيدة للمطالب الشعبية قبل مرحلة حكمها.
نظرًا لفداحة الحادثة، من حيث عدد القتلى بين المتظاهرين، وغرابتها في مجتمع سكان المدن (الحضر) الذين عُرفوا بميلهم إلى السلم واحترام مؤسسات الحكم القائمة، لم يتأخر القصر السلطاني في إصدار بيان يوضّح ملابسات الحادثة، ويدفع عن نفسه المسؤولية، محمّلًا قيادة الحزب الوطني كامل التبعات. ولهذا السبب، وصف البيان تلك القيادات بـ”الأشرار”، بينما وصف المتظاهرين أحيانًا بـ”المساكين”، وأحيانًا أخرى بـ”الرعايا”، وهي لفظة تتسق مع سياقها التاريخي، حيث لم يكن الوعي الاجتماعي قد تطور بعد إلى مستوى مفهوم “المواطنة”، الذي يعني الشراكة في الوطن، واعتبار الشعب مصدر السيادة. ومع ذلك، تحمل هذه الحادثة في مضمونها ملامح أولية لتحول مجتمعي تجاه الشعور بالشراكة في الوطن، ولو من خلال المطالبات السياسية والمجتمعية المتواضعة.
اتسم البيان بلهجة شديدة الانفعال وغير متوازنة، إذ لم يشر – ولو من بعيد – إلى حق التعبير، أو إلى مشروعية مطلب المتظاهرين في تعيين سكرتير للسلطنة من أبناء حضرموت، بدلًا من الأجانب، سواء أكان عمانيا أو سودانيا. كان بالإمكان تهدئة الموقف عبر الإشارة إلى هذه المطالب وامتصاص الغضب الشعبي، لكن البيان جعل المحور الأساسي هو تحميل الزعامات الشعبية المسؤولية، والتوعد باتخاذ إجراءات صارمة ضدهم، وهو ما حدث بالفعل لاحقًاً، حيث جاءت الأحكام الصادرة بحقهم ترجمة عملية لوعيد البيان.