مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

حضرموت، جنوب الجزيرة العربية. القبيلة والمجتمع في ظل التمدن (التحضر) – (الجزء الأول)

ترجمة

د. مراد محمد باعلوي

سيرجي نيكولايفيتش سيريبروف

ترجمة د. مراد محمد باعلوي

معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية

معهد الدراسات الإسرائيلية والشرق الأوسط

في عام ١٩٨٤ – ١٩٩١م وكجزء من مشروع البعثة السوفيتية اليمنية الشاملة أجرينا بحثًا ميدانيًا عن التطور الاجتماعي لمحافظة حضرموت اليمنية. تم استخدام طرق مختلفة لجمع المعلومات، مثل المقابلات، واستبيان سكان المدن، والمحادثات مع السكان من خلال عدد من التنقلات في أودية حضرموت وهضابها. أحد المواضيع المميزة لأبحاثنا كانت قضية نزوح القبلية (المصطلح المحلي للانتماء للقبيلة – “قبيلي”)، وفي رأينا أنَّ هذا الموضوع يمكن أن يكون ذا أهمية علمية وعملية كبيرة؛ للتنبؤ بتطور مثل هذه المجتمعات.

١. المجتمع الحضرمي في السياق التاريخي لعلاقات الجماعة القبلية

أشار ل. أي. ريزنر إلى الدور الأساسي لتوازن القوى للجماعة القبلية فيما يتعلق بطبيعة تطور المجتمع الشرقي بأكمله(١). على وجه الخصوص لفت الانتباه إلى تكرار التطور التاريخي في تلك المجتمعات التي يكون فيها تناسب القوى بين المجمعات العرقية الثقافية، والمُعبّر عنها بمفاهيم الجماعة القبلية، يكون في حالة شبه توازن (أو ذو نزعة نحو الهيمنة القبلية). إن الفترات التاريخية للتطور الناجح للمجتمع نحو تشكيل دولة مركزية، في مثل هذه الحالات لمْ تؤدِّ في نهاية المطاف إلى التغلب على الإرث القديم، بل على العكس من ذلك، فقد حقق هذا الإرث نجاحًا بدرجة أو بأخرى، وحال دون نضوج الدولة بالمعنى الكامل للكلمة، وبكل ما تحمله الدولة من سمات السلطات والهيئات الحاكمة.

تعد حضرموت مثالًا فريدًا في هذا الصدد؛ ففي القرن الخامس والسادس تسببت الهجرات الجماعية والمتكررة للقبائل الحربية من داخل الصحاري العربية إلى مناطق “الجزيرة العربية السعيدة” بالإضرار بالوضع الاجتماعي والسياسي للمحافظة، لكنها لم تستطع تدمير الحضارة العليا لحضرموت، التي لها خبرة تمتد لأكثر من ألف عام لمثل هذه الأحداث. ربما من هنا يجب بدء العد نحو تشكيل نموذج التطور الحضرمي القادم. فبعد الكوارث المرتبطة بالهجرات القبلية، لم تكن أسلمة مجتمع حضرموت في القرن السابع مصحوبة حتى بتغيير جذري في النخب(٢). وهناك سبب للاعتقاد بأن بعض عشائر المشائخ (من هنا جاء مصطلح – “الشيخ” – عضو العشيرة) اليوم في حضرموت هم أحفاد مباشرون لطبقة ارستقراطية محلية مثقفة من قبل الإسلام. إن الوصول من البصرة في القرن العاشر وترسيخ أحفاد النبي محمد (السادة) كنخبة أرستقراطية للمجتمع في القرنين الثاني عشر والثالث عشر كان حدثًا مهمًّا في التاريخ الاجتماعي لمحافظة حضرموت. وإلى يومنا هذا لم تهدأ نقاشات المؤرخون الحضارم ويضعون سؤالًا مفاده هل أسهم تشكيل الطبقة الأرستقراطية العلوية في شخص السادة في تعزيز موقف المجتمع في سياق مواجهة القبائل؟ كان نطاق الأدوار الاجتماعية للسادة واسعًا جدًا – بدءًا من الانغماس في عالم التصوف والنظر باشمئزاز تجاه كل ما هو دنيوي، إلى التفوق المسلح في الحروب القبلية، وإنشاء مجموعاتهم المالية الخاصة بهم في الخارج. إن أهم محاولة حتى القرن الحالي لتحويل حضرموت إلى دولة على غرار النموذج “العثماني” كان قد قام بها سلطان حضرموت الكثيري الملقب ببدر بوطويرق(٣) في القرن السادس عشر، لكنها باءت بفشل ذريع، وصاحب الفكرة إنهاء مسيرته السياسية الاستثنائية في سجن سيئون. وفي ثلاثينيات القرن العشرين وبمساعدة من المستشار البريطاني هارولد إنجرامس، الذي كتب حلقة في تاريخ حضرموت تحت مسمى “سلام إنجرامس”، وأصبح مؤلفًا لواحدة من أولى الدراسات الجادة عن حضرموت(٤)، بدأت مرحلة الإصلاحات في اتجاه بناء الدولة، والتي لم تكتمل، وانتهت بحلول انتصار حركة التحرير في أواخر الستينيات من القرن الماضي.

لا يزال المجتمع في حضرموت حتى وقت قريب يحتفظ بعدد من سمات النظام الطبقي الهرمي الطائفي(٥)، والذي إلى وقت قريب أذهل المستشرقين الغربيين برموزه اللغوية المتميزة والفريدة من نوعها. رسم البروفسور ر.ب. سارجنت من جامعة لندن في خطابه الباهر عام ١٩٥٦م، رسم صورة رائعة للسيد في حضرموت، ووصفه بصفاتٍ عدَّةٍ، كـ”محافظ، ولكن ليس متعصبًا، يدرك جيدًا أهمية التعليم، دائمًا ما يكون زعيمًا بطبيعته، قويًا في وعيه بحقه العالي بالفطرة”(٦).

إن المكانة الرفيعة للسيد أو الشيخ في المجتمع الحضرمي اقترنت بالاعتراف بالقوة العسكرية والسياسية والمكانة العالية للقبائل. وحُقَّ للقبائل استخدام كلمة “رفيقي” (هذه الكلمة تمنع الاستمرار أو عمل أي فعل أو حتى الحديث، تشبه كلمة “تجمّد” في لغتنا الروسية، عند نطقها بصيغة “أنت مرفوق”) تجاه بعض أفراد المجتمع العاديين – “الضعفاء” واستخدمت كذلك في الفلكلور الشعري. إن غطرسة القبيلي تجاه “الضعفاء” العُزّل (كان حق حمل السلاح حكرًا على القبيلي) وقلة الحيلة من جانب الضعيف في الحفاظ على الشرف والكرامة كانت جزء من الحكايات المتكررة في حضرموت.

نجد في حضرموت ترسانة كاملة من التقاليد الثقافية، التي سمحت للمجتمع بالحفاظ على نوع من الاستقرار دون مشاركة الدولة في هذا الاستقرار، سواء في فترة السلم أو أثناء الحروب، والتي تتجاوز بشكل كبيرمدة فترات الهدوء السلمي.

إن القواعد السلوكية المتأصلة في طوائف حضرموت، والتي هي عبارة عن أداة قديمة للسيطرة الاجتماعية، لم تكن فعّالة دائمًا في التنبؤ بظهور صراعات قائمة على أساس الاختلافات بين الطبقات، فضلًا عن الاختلافات بين القبائل نفسها. ومع ذلك فإنها تحمل في طياتها عددًا من الخصائص الأساسية للمجتمع الحضرمي. ولا شك أن قاعدة الزواج المتوافق (الكفاءة) تعد إحدى هذه الخصائص. ويكون الانتماء الطبقي لطائفة ما فقط عن طريق اسم الأب، لكن لا يمكن للمرأة أن تصبح زوجة لشخص من أصل أدنى منها. لذلك فإن الغالبية العظمى من حالات الزواج في حضرموت تتم في داخل طبقة واحدة، وعادةً داخل العشيرة أو القبيلة. ومن بين المجموعات السكانية لا يزال البعض يفضل زواج أبناء العمومة. ومن علامات الانتماء لطبقة ما هي الملابس، والسلوك في الشارع وحتى الأسماء(٨). إن وجود الفواصل بين الطبقات في ظل النزاعات الداخلية القبلية غالبًا ما تتسبب في حدوث صراعات، وفي هذه الحالات تتدخل عدد من مؤسسات الوساطة لحل مثل هذه النزاعات، مدنيةً كانت أو قبلية. سنقدم أدناه المرجعية التقليدية “التحكيم” الأكثر نموذجية في المجتمع الحضرمي.

على مستوى التجارة فإن “بضائع البدو” (مثل الماشية، وأغصان النخيل، والبخور، والفحم الخشبي، وغيرها) تكون الوساطة بين الجماعة القبلية وسكان البلدة عن طريق الدلل (الدلَّال) – وهم مشاركون لا غنى عنهم في الأسواق الرئيسة لحضرموت. وعلى الرغم من أن الدلل كانوا يمثلون طبقة “الضعفاء” لكنَّهم مُنِحُوا الحقَّ في حل الخلافات بين البدو الذين يُوجَدُون في المدينة خلال فترة الأسواق المتنقلة (البازار). وفي الماضي لم تتمَّ أي بيعة دون مشاركة الدلل، لقد كان الدلل يتمتعون بثقة البدو، وكانوا يعرفون عاداتهم وأخلاقهم واستخدموا هذه المعرفة بمهارة للتسوية (أو العكس – التحريض) لأنواع مختلفة من الخلافات مع سكان المدينة.

وعلى مستوى العلاقات بين القبائل، كانت الوساطة تتم بعناية فائقة؛ لأن الحروب بين القبائل تسببت في الخراب والدمار والمعاناة في جميع أنحاء المحافظة. المقادمة – هم زعماء القبيلة على كافة المستويات ويتقلدون زمام القضاء في الخلافات والصراعات بين أبناء القبائل. الحَكم – هو وسيطٌ مُحكّم معترف به (بتعبير أدق – محكم) لمجموعة أو لأخرى من القبائل، ويكون قد برز من بين عدد من زعماء القبائل، ويتمتع بسلطة، وله مكانة بين القبائل المجاورة. ويُجرِي إجراءات التحكيم وفقًا للقانون العرفي. كذلك زعماء السادة والمشائخ من أصحاب النفوذ كانوا كذلك حكَّامًا للقبائل، وكقاعدة عامة هم كانوا مناصب (أي قادة رسميون) للعشائر الأكثر تأثيرًا في الطبقة الارستقراطية. وحكموا المناصب على أساس الشريعة الإسلامية إذا تعرضت للضرر مصالح السكان، أو بالعرف إذا كان الأمر متعلقًا بالقبائل فقط. وكان السادة والمشائخ على معرفة ودراسة تامة بالقواعد الإسلامية والعُرفية.

وعلى مستوى العلاقات داخل العشائر في أوساط السادة والمشائخ يكون إجراء الوساطة من قبل مجالس العشائر (النقابة)(٩) ورؤسائها – المناصب. ويبلغ عدد بعض عشائر السادة عشرات الآلآف من الأشخاص وعشرات الفروع العائلية، والتي دائمًا ما يكون بينها تنافس مستمر. ويعد الحِفَاظُ على الوحدة والتضامن في مثل هذه الجماعة، وفي الوقت نفسه تعزيز مكانة العشيرة في المجتمع من المهام الرئيسة للنقباء الحضارم. وبفضل هذه المؤسسات التقليدية لا تزال طقوس الزيارات للأسواق (البازارات) القريبة من هود والأماكن المقدَّسة التي توجد بها أضرحة الأولياء (أسلاف السادة والمشائخ) تجتذب أعدادًا كبيرة من الزُّوَّار. وتؤدي هذه الهيئات العشائرية دورًا مهمًا في الحياة الروحية والاجتماعية السياسية للمجتمع. فهم يسيطرون على المساجد، ويجمعون التبرُّعات، ويُشرِفُون على توزيع المساعدات، ويُدِيرُون عددًا من الشؤون المدنية. غالبًا ما يتم ترتيب زيارات للمناصب إلى الجاليات في الخارج وتحظى الزيارة بالقدر نفسه من المهابة تشبه إلى حد بعيد زيارة رؤساء الدول.

ومن المستحيل إنكارها، فإنه خلال أكثر من ثلاثين عامًا([1]) من وجود حضرموت كجزء من الدولة اليمنية، قامت هيئات سلطات الدولة ومؤسساتها بالتضييق وبشكل ملحوظ على الآليات التقليدية للتنظيم الاجتماعي في حضرموت. وفي الوقت ذاته من الصعب عدم ملاحظة أن السنوات الثلاثين الماضية لا يوجد فيها شيء ممكن أن يُقارن مع تجربة الاستخلاف أو الاستمرارية التي راكمتها حضرموت على مدى قرون، بدءًا من العصور القديمة عندما تشكلت دولة سبأ وقتبان وحضرموت، التي كوَّنتْ أمثلة على الحضارة المتطورة للغاية في جنوب الجزيرة العربية، والتي تظل ذات أهمية في تاريخ الحضارة العالمية. ليس فقط النصوص التوراتية أو القرآنية ما جلبت لنا أنفاس حضرموت في ذلك العصر؛ إذ يشير علم الآثار الحديث إلى وجود ارتباط، لا يمكن تفسيره أوصل إلينا الثقافة المادية لحضرموت مع ثقافة تبعد عنا ألفي ونصف عام.

references

1. Evolution of Eastern Societies: Synthesis of Traditional and Modern, Moscow, 1984.

2. M.B. Piotrovsky. South Arabia in the Early Middle Ages. Moscow, 1985.

3. In 1520, the change of Tahirid rulers in Aden contributed to the transfer of power in Shihr, which was then the capital of Hadhramaut and Dhofar, into the hands of the younger brother of the current sultan, Badr bin Abduldell al-Kathiri, nicknamed Bu Tuwayrak. This ruler is credited with major victories in subjugating tribes and attempts to reform the entire society in line with Ottomanism.

4. Ingrams H., Arabia and the Isles, London, 1952.

5. For more information on the castes of South Arabia, see the article by S.N. Serebrov, ‘Traditional Social Stratification in Hadhramaut’ in the collection “Islam and Traditional Social Structures of the Countries of the Middle and Middle East”, Moscow, 1990, and also M. Rodionov “Is It Possible to Abolish Social Strata? Lessons of Hadramawt” in the collection “Early Forms of Social Stratification. Genesis, Historical Dynamics, Potential and Political Functions.” Moscow, 1993.

6. R.B. Serjeant. The Saiyids of Hadramawt. Univ. of London, 1957, p.28–29.

7. M.A. Rodionov. The Tribes of al-Mishkas: al-Humum and Sa’in. In the collection “Kunstkamera”, Issue 1, St. Petersburg, 1993, p.64.

8. Sargent cites a popular saying: “Sometimes they give names without meaning: daifu – Alawi, and seidu – Awad”, 0р. cit. р. 10.

9. The term “niqaba”, which in modern Arabic means “trade union”, was even interpreted in the works of M.A. Sabban, a Seiyun scholar and regional historian, precisely in the sense of drawing an analogy with modern trade union organizations.

10. The settlement of Raybun. (Excavations 1983–1987) Proceedings of the Soviet–Yemeni Complex Expedition, Volume 2, Moscow, 1996.


[1] فترة الثلاثين عام يقصد بها من عام ١٩٦٧ إلى تاريخ كتابة المقال عام ١٩٩٨م