ترجمة
د. خالد عوض بن مخاشن
محاضرة في ذكرى رحيل بيرتون
هارولد إنجرامز
مجلة الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وأيرلندا 1945 العدد الثاني من صفحة 169 -185
الناشر: مطابع جامعة كامبردج
ترجمة:
أ.د. خالد عوض بن مخاشن
محمد عوض باظفر
عوض محمد بن ماضي
عبد الحكيم صالح بن بدر
سالم محمد باسلوم
xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx
في أحد الأيام من عام 1921 كنت قاعدًا تحت ظل شجرة مانجو، على قمة شامخة، تطل على جدول تشاك – تشاك(1)، المليء بأشجار المانغروف في بمبا(2)، التي يُطلِقُ عليها العربُ الجزيرة الخضراء. كنت ضيفًا عند شيخ قبيلة معولة(3) الشيخ سالم بن خليف، في مزرعة القرنفل الخاصة به في منطقة كاول(4)، كان هناك الكثير من أفراد هذه القبيلة الذين جاءوا من وادي المعاول في عمان، والآن يتبوَّأُون مناصب عالية في بيمبا، وجلس معي الشيخ عبد الله مبروك المعولي، حاكم ما يسمى بتشاك- تشاك. كنا نشاهد السفينة الصغيرة (خليفة)، الراسية على مسافة بعيدة منا، وفي هذه الأثناء صعد أحد رفاقي التلَّ وناولني حقيبة بريدية كبيرة، تمَّ إحضارها من السفينة. كان داخلها طردٌ، قمتُ بفتحه، فأخرجت منه كتابًا من مجلَّدَيْنِ كبيرين، بعنوان: (زنجبار، المدينة، الجزيرة والساحل) للسير ريتشارد بيرتون(5) وقدمته له.
نظرنا أنا والشيخ عبد الله في الصُّوَر، وقرأت له ما قاله بيرتون عن تشاك- تشاك قبل حوالي سبعين إلى ثمانين عامًا. من غير المرجح أن يكون هناك أي شخص على قيد الحياة ممن رأوا بيرتون في بيمبا، ولكن في وقت لاحق أخذني الشيخ عبد الله لرؤية الشيخ علي محمد ربحي، الذي يتذكر وصول بيرتون جيدًا، وأخبرنا أنَّ بيرتون كان أول رجل إنجليزي يزور الجزيرة، وأخبرنا أنَّه قد سبقه في المجيء بعضُ البرتغاليين الباحثين عن الكنوز. وقد توفي هذا الرجل المُسِنُّ بعد فترة وجيزة عن عمر ناهز 104 أعوام.
عندما وصلنا إلى عدن في عام 1934 كنت مرةً أخرى في أرض مألوفة جدًا لبيرتون، حينئذ جمعْتُ غالبَ كُتُبِ بيرتون وما قد كُتِب عنه، وقمْتُ بزيارة عددٍ من الأماكن التي زارها، بل قد عشْتُ في بعضٍ منها. وعندما ذهبْتُ أنا وزوجتي إلى هرر(6) في عام 1942 استخدمْنا كتابه (خطى أولى في شرق أفريقيا واستكشاف هرر) دليلًا لنا، والذي يتضمَّن دخول *هرر* من البوابة الجنوبية، في حين أن المدخل الرئيس اليوم يقع في الشمال، ومع حدوث تغييرات طفيفة في هرر، غير أن وصف بيرتون ما زال يُعَدُّ دليلًا جيدًا. في أثناء التجوُّل في تريستا(7)، فكرْتُ في السنوات السبع عشرة الأخيرة لبيرتون هناك، *وفي أثناء إجازاتي كنت دائمًا ما أقوم بزيارة قبره في مورتليك(8).
ذات مرة ضللْتُ الطريقَ، ووجدْتُ نفسي خارج الكنيسة الأنجليكانية، فسألْتُ أحد السكان المحليين إذا كان بإمكانه إخباري بالطريق إلى الكاثوليكية. فقال: “أخشى أنني لا أعرفها جيدًا، إنها ليست تلك التي هناك، إنما تلك هي الكنيسة المسيحية”، حينئذ لم يسعني إلا أن أفكر كمْ كان سيضحك بيرتون من هذا الشيء.
يمكنني القول، إنني كنْتُ مهتمًا ببيرتون لسنوات عديدة، ولكنني لم أتخيَّلْ أبدًا أنه في يوم من الأيام ستتمُّ دعوتي لإلقاء محاضرة في ذكرى رحيله، ويجب أن أقول: إنَّ معرفتي به تجعلُني أشعر أنَّني غير مناسب بشكل خاص للقيام بذلك. ولشعوري بعدم القدرة على إلقاء محاضرة عن هذا المستكشف العظيم ورحلاته، فقد اخترْتُ أنْ أقدِّمَ – كبديل عن المحاضرة – وصفًا لرحلةٍ قُمْتُ بها، مُشَابِهَةٍ لرحلات بيرتون.
لم يتمكَّنْ بيرتون أبدًا من الوصول إلى حضرموت، على الرغم من أن السيد برترام توماس(9) في محاضرة له عن بيرتون، أشار إلى أنَّ أحد مخططات بيرتون كان السفر من مكة المكرمة إلى المكلا. تلك الرحلة قام بها السيد فيلبي في عام 1936، وقام هو والسيد توماس بإزالة “(هذا العار المُلقَى على عاتق المغامرين)، ألَا وهو عدم استكشاف تلك البقعة البيضاء الضخمة، التي لا تزال تُشِيرُ إليها خرائِطُنا، والتي تمثِّـلُ المناطق الشرقية الوسطى من شبه الجزيرة العربية”. يقول بيرتون عن البلد الذي كان سيقطعه في طريقه إلى المكلا:
“سمعت عن الربع الخالي بما فيه الكفاية، من ناقلين موثوقين، لأستنتج أن أعماقها الرهيبة تعجُّ بعدد كبير من السكان الذين يتضوَّرون جوعًا؛ * إنها منطقة تكثر فيها الوديان الكبيرة والوديان الصغيرة ومجاري مياه الأمطار والوديان الضيقة، الخصبة جزئيًا بمياه السيول المتقطعة“.
وأنا أرى أن هذا الوصف أقرب لوصف أراضي السهول في حضرموت، وليستْ أراضي الربع الخالي. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة ليس بها كثافة سكانية بأي حال من الأحوال، لكنَّها أكثر كثافة سكانية من الربع الخالي، وسكَّانُها دائمًا ما يتضوَّرُون جوعًا، وهي بالتأكيد ملأى بالوديان الكبيرة ومجاري مياه الأمطار والوديان الضيقة، ولكنْ لا أظن أن هذا وصف جيد للربع الخالي. وفي رحلة السيد فيلبي من مكة المكرمة إلى المكلا، أجرى أول دراسة أولية شاملة لشبوة، وشبوة هي الهدف الرئيس للرحلة القصيرة، التي سأقوم بوصفها في هذه المحاضرة. ولا يسعني إلا التفكير فيما كان سيفعله بيرتون لو أن الفرصة سنحتْ له للقيام برحلة كهذه، فلن يكون لديه الكثير ليقوله عن البدو فقط، بل إنه أيضًا سيُعطِي علم الآثار ما يكفي من المعلومات الكافية لملء مجلَّدٍ كبير آخر أو اثنين. وفي الوقت الذي قام فيه بيرتون برحلاته، كان ويلستيد قد اكتشف بالفعل أول النقوش الحميرية، بما في ذلك واحد رأيْتُهُ في رحلتي، ووجد فون وريد(10) نقشًا آخرَ طويلًا في خط رحلتي نفسه، ولكن هذا النقش لمْ تتمَّ رؤيته مرة أخرى إلا بعد ما يقارب مائة عام، وقد أعادتْ زوجتي اكتشاف هذا النقش. تعهَّد السيد فيلبي بالتعليق على بعض النقوش التي رأيْتُها بالفعل في طريقي، حيث يتم تزويد القارئ في النهاية بمادة أثرية شيقة في أثناء هذا الجهد المتواضع والبسيط. (انظر الصورة رقم 2).
كل ما عرفناه تقريبًا عن طريق البخور حتى السنوات الأخيرة يأتي من الكُتَّاب الكلاسيكيين، وغالبه من كتابات بلينيوس(11)، الذي أعطى تفاصيل عن تمويل هذه التجارة (تجارة البخور)، وعن أخذ الكهنة عُشْرَ البخور في شبوة، وذهاب الأسهم الأخرى لأمناء الملك، وحارس البخور، وحُرَّاس البوَّابات، وغيرهم من الموظفين. ربما كانت هذه رشاوى عادية أو عمولة غير شرعية تؤخذ في الجنوب العربي. يأخذُ ملك مملكة الجنابيين(12) ضريبة عند مرور تلك القوافل في بلده، وعلى امتداد كل الطريق كان يوجد مكان واحد فقط، يُبَاعُ فيه الماء، ومكان آخر للمسكن، وهناك أيضًا تُدفَعُ مختلف التكاليف والضرائب. كما يأخذ المعينيّون في الشمال حِصَّتَهُمْ من ذلك، وفي البتراء يَفرِضُ الأنباطُ ضريبةً كبيرة، وحين وصول البخور إلى البحر الأبيض المتوسط، تكونُ نفقات حمولة الجمل الواحد من البخور قد وصلتْ إلى 688 دينارًا. وكانت المعلومات التفصيلية لدى بليني وبطليموس (13) دقيقة جدًا، مما يجعل المرء يعتقد أنهما ربَّما استطاعا الوصول إلى كشوفات حسابات المسافرين الإسكندرانيين الحقيقيين، الذين كانوا يشقُّون طريقهم من قنا إلى البحر الأبيض المتوسط. يا لَهُ من اكتشاف رائع، سيكون اكتشاف حسابات كتلك.
في السنوات الأخيرة، أحيتْ فريا ستارك الاهتمام بطريق البخور إلى حد كبير؛ إذ قدَّمَتْ في كتابها (البوابات الجنوبية للجزيرة العربية)، مُلخَّصًا ممتازًا لما كان معروفًا.
وفي شتاء 1937-1938 جاءت فريا ستارك مرة أخرى إلى حضرموت، برفقة عالمة الآثار الآنسة كاتون طومسون(14)، وعالمة الجيولوجيا الآنسة غاردنر(15)، وكانت وجهتهن حريضة. وقد نُشِرَ ما تمَّ التوصل إليه واكتشافه في هذه الرحلة في كتابي فريا ستارك(16) (شتاء في شبه الجزيرة العربية رحلة عبر اليمن)، وكذا في كتاب الآنسة كاتون طومسون (القبور ومعبد إله القمر))17) في حريضة. وفي نهاية رحلتهن، سافرت الآنسة ستارك من حريضة(18) عبر طريق “وادي عمد” و”بلاد الديّن” ومن “عزَّان إلى بلحاف”. وكانت تميل إلى الاعتقاد أنَّ طريق البخور يمرُّ عبر وادي عمد ووادي جردان والمنطقة التي عبرتْها.
إن دراسة الآنسة كاتون طومسون المثيرة للإعجاب تسهم أكثر من أي دراسة أخرى في إثراء معرفتنا بعرب الجنوب القدامى، فلدينا الآن صورة لمجتمع زراعي صغير، يقع في الضواحي الشرقية لحضارة حضرموت القديمة تمامًا كما تقع الآن في الغرب. صحيحٌ أنَّ بحثها لم يتمَّ على إحدى المواقع القديمة الكبرى، ولكن هذه المواقع الكبرى ستحظى بلا شك بالكثير من الاهتمام في المستقبل؛ إذ أجرتْ دراستها في قرية ريفية، قد لا تلقى اهتمامًا ويتمُّ إهمالها.
ربما كنتُ أكثر جرأة في تسمية محاضرتي “طريق البخور“، إذا أخذنا في الحسبان ما تقول الآنسة كاتون طومسون:
“لا يمكننا اكتشاف حقائق ثابتة عن طريق محاولة تطبيق منهجيات الحفريات التي اتبعها رُوَّادنا على طريق لا يزال طريقًا افتراضيًا، ألا وهو طريق البخور، ذلك الطريق الذي أثار الكثير من التكهُّنات والحدس، والذي حاول عدد من البحَّاثين المتحفّزين مؤخرًا وبحماس شديد استكشافه، دون الأخذ في الحسبانِ المتطلبات الأساسية لخريطة التوزيع الأثري، وجنوحهم نحو التبسيط المفرط من خلال افتراض تزامن الأطلال السطحية القليلة، التي تظهر في الممسوحات الطبوغرافية غير المكتملة أصلًا حتى الآن لجنوب شبه الجزيرة العربية“.
لذا يجب أنْ أقدِّم بعض المبرِّرات، التي تؤكّد اعتقادي أنَّ الطريق الذي أنا بصدد وصفه يُعَدُّ بداية طريق البخور الرئيس من جنوب الجزيرة العربية إلى البحر الأبيض المتوسط. وأنا لا أرغب في الاستدلال على أن البخور لم يكنْ يُحمَلْ عبر طرق أخرى أيضًا. ولم تكن شبه الجزيرة العربية القديمة أقلَّ عُرضَةً للمشكلات الداخلية من شبه الجزيرة العربية اليوم، فلا يُوجَدُ شَكٌّ في أنه كان يتمُّ تحويل حركة السير في كثير من الأحيان.
يُخبِرُنَا الدَّلِيلُ المِلَاحِيُّ المُسمَّى رحماني (19) بالآتي:
“بعد مدينة عمون- العربية السعيدة(20) يوجد هناك ساحل طويل ممتدٌّ، وخليج يمتد بحوالي 2000 ستاديون(21) أو أكثر، وعلى طول الطريق الذي يوجد فيه الكثير من البدو الرُحَّل وآكلُوا الأسماك، الذين يعيشون في القرى (تمامًا كما هو الحال اليوم)، خلفَ الرأسِ الذي يبرز من هذا الخليج (كما هو واضح جدًا على الخريطة)، توجد هناك مدينة أخرى فيها سوق مركزيٌّ على الشاطئ، قنا، من مملكة العزيلط(22)، بلد اللبان؛ وتواجهها جزيرتان صحراويتان، إحداهما تسمى جزيرة الطيور، والأخرى تسمى جزيرة القبة، وتبعد بمقدار مائة وعشرين ستاديون من قنا(23) (يمكن التعرف بسهولة على هاتين الجزيرتين حاليًا، الأولى لأنها مأوى عددٍ لا يحصى من الطيور البحرية التي توفر ذرق الطائر الثمين، والأخرى لأنها على شكل القبة. ونحو الأراضي الداخلية في هذا المكان تقع شبوت(24)، الحاضرة والعاصمة التي يعيش فيها المَلِك. ويتمُّ جلب جميع اللبان المُنتَجُ من كافة البلاد بوساطة الجمال إلى ذلك المكان ليتمَّ تخزينُه، ويُنقل إلى قنا على طوَّافات بحرية، محمولة على جلود منتفخة، وهذه العبارات كانت سائدة في ذلك البلد، ومن ثم يُحمَلُ في المراكب. “خلف منطقة قنا تنخفض الأرض بشكل كبير، ويتبعُها خليج عميق جدًّا، يمتدُّ على طريق رائع عبر بلد اللبان الجبلية والوعرة… على هذا الخليج هناك صخور ساحلية تقابل الشرق تسمى سياغروس(25) الذي هو… مرفأ ومخزن للبخور الذي يتم جمعه“.
يُستنتج من هذا الوصف أمرانِ واضحانِ: أولًا، أنَّ البخور الذي يتمُّ جمعه في حضرموت نفسها يتمُّ جَلبُهُ بوساطة الجِمَال إلى شبّاتا؛ أو شبوت كما يصفها بليني (شبوة حاليًا)، ليتمَّ تخزينه هناك، ثانيًا، البخور الآتي من بلد اللُّبَان (ظفار الآن) يتمُّ تخزينُه في فرتك، ويتمُّ نقلُه عن طريق البحر إلى قنا، (حصن الغراب الآن) أو قلعة رافين، ويتمُّ نقلُه عبر القوافل إلى شبوة. ومن شبوة، ينقل عبر البتراء إلى البحر الأبيض المتوسط. وضَّح بليني أنَّ البخور كان أهمَّ ما يتمُّ نقلُه عبر هذا الطريق، لهذا يبدو لي أنه لا جدوى من تخيُّل أن أولئك الذين نقلوا البخور قاموا بنقله عبر طرق ملتوية وغير مباشرة. حتى البخور الذي يتمُّ حملُهُ في المراكب الشراعية من ظفار إلى عدن حاليًا يتطلَّب قوافلَ كاملةً إذا تمَّ نقلُه بَـرًّا، ولا يُوجَدُ سبب لافتراض أنَّ القوافل القديمة اتَّبعتْ أيَّ طريق آخر غير ذلك الطريق الأقصر بين حصن الغراب وشبوة. وعندما اتَّبَعْتُ هذا الطريق وجدتُ أن هناك الكثير من الأدلَّة على استخدام هذا الطريق قديمًا، على الرغم من أنه مهجور عمليًّا في الوقت الحاضر. على الأرجح كان هذا هو الطريق الرئيس، كما أنَّني وجدْتُ أيضًا أدلةً تُشِيرُ إلى أنَّ منطقة إنتاج البخور في حضرموت، كانت أصغر بكثير من منطقه إنتاجه في محافظة ظفار المجاورة.
تمَّ ترتيبُ رحلتي في الفور، ونحن الآن في شهر أبريل من العام 1939م، وكان من المقرَّر أنْ أبدأ بجولة في مالايا وجاوة وحيدر آباد في يونيو. لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ منذ أنْ أمضيتُ نُزهَةً رائعةً على ظُهُورِ الجِمَال، وكانت حينها الحرارة في أَشُدِّها في المكلا، وكان هناك الكثير من الأعمال الإدارية في مقرِّ المستشار المُقِيم؛ إذ كان مساعدي في جولة، وكانت زوجتي قد عادتْ في توِّها من رحلةٍ مثيرةٍ من منطقة حجر. وذات صباح في الخامس عشر من أبريل كنتُ أفكِّرُ مَلِيًّا في ملفٍّ خاصٍّ بشؤون بئرِ علي، التي تحتاج إلى اهتمامٍ أكبرَ مِمَّا كانتْ تحصلُ عليه. وعندما أحضر الساعي برقيَّةً عبر اللاسلكي – في اليوم العاشر من أيام الاضطرابات التي كانت تدور في منطقة شبوة ومنطقة العبر، فقُلتُ في نفسي لماذا لا أذهبُ وأرى ذلك بنفسي؟ لماذا لا أسافر من بئر علي إلى شبوة وأرى طريق البخور في الوقت نفسه؟
في اليوم السابع عشر، صعدْتُ مع شخصين مرافقين على مركبٍ شراعيٍّ صغير، وكان ذلك المركبُ يُدعَى فينوس. أحد هذين الشخصين كان صالح علي الخلاقي، صديقي اليافعي، الذي تعرَّفْتُ إليه من خلال رحلات سابقة، وكان قد عاد في تَـوِّهِ مع زوجتي من رحلة الى حجر، ولكنَّه كان مستعدًا تمامًا للبدء من جديد في رحلة أخرى، والآخر يُدعَى عمر محيريز، أحد مساعديَّ السياسيين. وكان القبطان واثقًا من أننا يجب أن نصل بئر علي في صباح اليوم التالي، ولكن كانت هناك بعض الرياح ونكادُ كنا نتحرَّك، وبعد ثلاث ساعات وعند انتصاف الليل أطفئت أضواء المكلا، وحينئذ خلدتُ إلى النوم.
استيقظتُ عند الفجر لأجد أننا لسنا قريبين من بئر علي، ولكننا بالقرب من بروم، التي هي على بُعد أربعة عشر ميلًا من المكلا. أخذتْ نسمات الريح في التجدُّد، حتَّى وصلنا ميناء بئر علي قبيل الغروب. ولمَّا لمْ يكنْ أحدٌ على علم بأننا قادمون؛ أطلق صالح طلقتين بالبندقية ليعلمهم بقدومنا. ولكن النتيجة كانت غير مشجِّعة، فقد رأينا بواباتِ سُورِ المدينة تُغلَقُ، وسارع جميعُ مَنْ في الشاطئ بالدخول إلى البوابات الصغيرة.
السلاطين وأمثالهم فقط هم الذين يطلقون طلقات نارية عند الوصول، وبما أن جميع السلاطين كانوا موجودين، ولم يكن أحدٌ منهم خارج بئر علي؛ فقد ظنُّوا أنَّ القادم إليهم ليس بصديق؛ لذلك اتخذوا احتياطاتهم. وعلى الرغم من ذلك جاء إلينا صَبِيٌّ في الحال على متن زورق للتحقُّق من الأمر، ثم عاد إلى الشاطئ، لتنفتح بعدَها البوَّاباتُ مرة أخرى، وانطلق قاربٌ مُتَّجِهًا إلينا، وعندما وصلنا إلى الشاطئ كان هناك السلطان ناصر بن طالب، أمام صفٍّ طويل من رجال القبائل، يُرَحِّبُونَ بنا، ويُطلِقُونَ نيران البنادق، التي أضاءتِ الليلَ بومضاتٍ من الضوء.
وكُنَّا في رحلتنا هذه لم نأكل سوى السمك منذ الليلة السابقة، لذلك كُنَّا مُقدَّرِينَ حَقَّ التقدير، كل تلك الأكوام من لحمِ الضأن وكعكِ القمح وعسلِ جردان، التي قُدِّمَت لنا حوالي الساعة العاشرة، بعد ان استيقظْنا من النوم على سطح القصر.
في صباح اليوم التالي، وبعد وجبة الإفطار التي شربْنا فيها القهوة، وأكلْنا كعك القمح والعسل، ركبْنا في الزوارق، وزُرْنا حصن الغراب والمناطق المجاورة له، والتي هي بقايا أثرية لشبوة. ولو كُنتُ أعلم بما كُنَّا سنلاقيه في ذلك الصباح من مشقَّةٍ عند تسلُّقِ التَّـلِّ، ما كنتُ فعلتُ هذا الشيء أبدًا، فقد كانتِ الطريقُ شديدةَ الانحدارِ، والأمطارُ الأخيرةُ قد جعلت الأمر أكثرَ صعوبةً من المعتاد، مع وجود ثلاثةِ أماكنَ مُدَلَّاةٍ أكادُ أستطيعُ الزحفَ تحتَها وتخطِّيها.
كان موقع القلعة رائعًا، فالجزء العلوي مُغَطًّى بحُطَامِ المنازل والصهاريج والأنقاض، كما أنَّ العُمقَ الرَّملِيَّ في الأسفل يربطُ القلعة بالبرِّ الرئيس، وتُوجَدُ به آثارٌ لمبنًى قديم. لقد رأيتُ النَّـقْـشَ الذي سجَّله وليستد في حوالي عام 1838م، وليس هناك مِنْ شكٍّ في أنَّ هذه كانت (قنا)، التي ذُكِرَتْ في كتاب روحاني (الملاحة البحرية)، ولكنَّها أيضًا ربما تكون (كنّه) التي ذُكِرَت في سفر حزقيال(26).
عندما عُدْنَا إلى بئر علي، لمْ تكنِ الجِمَالُ التي ستُقِلُّنا في رحلتنا قد أتتْ بعدُ، ولكنْ أثناء الغداء أتى كينيدي من بلحاف في طريقِ عودته إلى المكلا مع ثلاثة جِمالٍ بائسةٍ تمشي خلفَه. تسلَّمْنا تلك الجِمال، فغادرْنا بئر علي في حوالي الساعة الثانية، مُصطَحِبِينَ جَمَلَيْنِ من تلك الجِمَال، وبدويًّا مُسَلَّحًا. إنه لأمر مثيرٌ للاهتمام أنِ استطعنا السفرَ في حضرموت هذه الأيام دُونَ سِلَاحٍ لتعبر بلاد الذيبي. ولكن هذا ما حدث حقًا؛ إذْ لمْ نلقَ أيَّ شخصٍ طوال الطريق حتَّى اقتربْنا من وادي حجر بعد يومٍ ونصف. وتُعَدُّ حجرٌ من أكثر المناطق عُزْلَةً، ويبدأ وادي حجر بالرَّملِ وبعض الأحجار البركانية، ومن ثم تأتي صخور فقط. وقد أشار البدو الذين كانوا معنا إلى أنه الربع الخالي، وقالوا إن الكثير من الناس يعرفونه على هذا النحو منذُ زمن، ثُمَّ وصلْنا إلى السور في (بنا) ظهر اليوم التالي.
في عددٍ من الأماكن من الطريق مررْنا ببعض المنحوتات الحميرية وبعض الأحرف الغريبة، والكلمات المحفورة على الصخور، وقد تبيَّن لنا من ذلك أنَّنا نسير في طريقٍ مُوغِلٍ في القِـدَم. إن أهمية هذا الطريق لا ترقى إلى الشك أبدًا؛ ذلك لأننا عندما اقتربْنا من وادي بنا، وهو مجرى صغير للماء يمكن أن يوفِّـر طريقًا بديلًا، كان الطريق قد أغلِقَ بجدار صخري، ولا يُوجَدُ إلا مَمَرٌّ وحيد بِعَرْضِ 7 أقدام يمرُّ عبرَ هذا الجدار المثير للإعجاب، والبالغ طوله حوالي 200 ياردة، ويمتدُّ من جانب الجبل إلى حافَّة الوادي شديدة الانحدار. تمَّ بناء الجدار من أحجار متشكّلة، وسُمْكُهُ حوالي 4 أقدام أو 5، وربما كان ارتفاعه حوالي 20 قدمًا، على الرغم من أنَّ مساراته العلوية قد تضرَّرتْ كثيرًا. في هذا الممر البالغ طوله 17 قدمًا يُوجَدُ النقشُ الذي نسخه فون وريد قبل حوالي مائة عام، والذي نسختْهُ زوجتي قبل بضعة أسابيع، ولمْ يرَهُ أحد من الأوربيين. (انظر الصورة رقم 1)
وقد تمَّ اختيارُ ذلك المكان بدقَّـةٍ عالية، وقد أكَّد لنا البدويُّ المرافق لنا (علي) بالحرفِ الواحدِ أنه لا يُوجَدُ طريق آخر يمكن أنْ نسلُكَه. ووادي بنا هنا يكون عميقًا جدًّا، وبأسفله مياه، وأنَّ حوافَّهُ غير قابلة للتوسُّع، وشديدة الانحدار، وهو ضيِّق جدًّا لدرجةٍ تذكِّرُني بمنطقة السيق(27)، أو كما يسمى وادي موسى في البتراء، وينفتح على مساحة أوسع مثل تلك المساحة التي تقع فيها البتراء. كان هناك عدد قليل من الكهوف، ولكن لا يوجد شيء يوكِّدُ أنه كانت هناك مستوطنة بشرية. وأنا أميلُ إلى الاعتقاد أنَّ هذه هي بنا التي ذكرَها بطليموس، وليستْ وادي بنا، الذي يبعد حوالي 150 ميلًا غربًا في أبين، في بلد الفضلي. وهناك تقليدٌ في حضرموت مفادُه أنَّ الموطن الأصليَّ لأبناء عاد كان في بنا، ونظرًا لعدم معرفة المؤرِّخين المحليِّين به؛ اعتقدوا خطأً أنَّه وادي بنا الموجود في أبين. ولكنْ لا توجد آثارٌ تاريخية في وادي بنا أبين، ومن المحتمل أن يكون بطليموس قد وضعَ على خريطته مراحل طريق البخور، التي يجب أن تكون إحدى أشهر الطرق المعروفة في تلك الأيام الغابرة. زيادةً على ذلك، يُشِيرُ كلُّ شيء إلى حقيقة رواية بليني، التي تقولُ إنَّ هناك مسارًا واحدًا لتجارة البخور، وأنَّ الانحراف عنه جريمة يُعَاقَبُ عليها بالإعدام. وقد أطلقَ فون وريد على هذا المكان أوبني أو لبني، وقد أدى هذا الخطأ إلى تجاهل الاسم الحقيقي لذلك الوادي.
تُخبِرُنَا النقوشُ أنَّ بنا كانت حدًّا فاصلًا بين الممالك، ومن المثير للاهتمام مقارنة الوضع في المنطقة حاليًّا بما نعرفه عن الماضي. فلا تزال بنا حدًّا بين مملكتَيْنِ، هما سلطنة الواحدي ودولة القعيطي، ولكنْ لمْ يسيطر القعيطي على حجر إلا في الثلاثين عامًا الماضية.
وفي الماضي، كانت مملكة حمير تسيطر على الساحل، والسبأيون الذين كانوا مجتمعًا حضرميًّا حينها تابعون لهم، يسيطرون على الداخل، قد يكون من العدل أن نفترض أنَّ نقب حجر، مدينة ميفع التي ذكرها بطليموس، كانت عاصمتهم.
لا يزال الاسم ميفع باقيًا، حيث إن الوادي الذي توجد فيه النقوش يسمَّى ميفعة. وكانت تلك تُعد بالنسبة لهم بريتوريا(28) الخاصة بهم، وكانت كيب تاون الخاصة بهم هي قنا – حصن الغراب. في الوقت الحاضر تقسَّمت بلد الواحدي على سلطنتَيْنِ، تُهَيمِنُ عليهما فروعٌ من العائلة نفسها. فرع بئر علي ويسكنون منطقة بئر علي، على بُعد ميل من حصن الغراب، ويستخدمون المرفأ نفسه، وفرع بلحاف في عزان، على بُعدِ أميالٍ قليلةٍ من نقب الحجر، لقد قاموا بإنشاء ميناء جديد في بلحاف، وهو ميناء أصغر بكثير من ذلك الذي في بئر علي. وبغض النظر عن هذا الانقسام الأخير، فإنه لايزال لديك بريتوريا وكيب تاون في المواقع القديمة تقريبًا. زيادة على ذلك، لا يزال هناك فصيلٌ من قبيلة الواحدي يُطلَقُ عليهم حِمْيَرَ، وما حدث اليوم هو أنَّ فصيلًا آخَرَ أصبح هو المهيمن، كما يحدث غالبًا في التاريخ العربي.
وجِدَارُ بنا هو أيضًا حدٌّ قبليٌّ، يفصلُ بين قبائل الواحدي وقبائل حجر، وأعتقدُ أنها كانت قبائل تحت حكم مملكة حضرموت، وعاصمتُها شبوت أو شبوة.
وبمرور الزمن سيطرتْ حِمْيَرُ على سبأ، وعندما كنتُ سائرًا في طريقي بعد أنْ تعدَّيْتُ بَنَا سألتُ لأسباب سياسية، كل القبائل المختلفة بما في ذلك كونفدرالية قبائل بلعبيد، ما إذا كانت مستقلة، أو خاضعة لسيادة أي دولة، فأخبرني الجميع، بما في ذلك الحاكم في معبر، أنهم كانوا مستقلِّـين، ولكن سلطان بئر علي القديم كان بمنزلة دولة لهم. ويبدو لي أن هناك أثرًا لغزو حمير لسبأ، وكما نعلم جيدًا في المكلا في وقتنا الحالي، أنَّ سلطان بئر علي القديم كان يدَّعي دائمًا تبعيَّة شبوة وقبائل حجر، الخاضعة الآن للحكم القعيطي واتحاد قبائل بلعبيد، له، كما ادَّعى أيضًا أنَّ وادي جردان الذي ذكره بطلميوس باسم (جوردا) يتبعُ له.
ويذكر بليني أن فصيل السبأيين الذين كانوا يعيشون في شبوة نفسها هم الحضارم، كما يخبرنا أيضًا أن المعينيِّين هم من ينقلون البخور من شبوة عبر بلادهم، مارِّين بهِ عبر أراضي مملكة الجنابيين والكرني والأنباط. ووصلتْ حملة إليوس غاليوس(29) ضد السبأيين إلى وادي المعينيِّين، الذي ربما كان وادي بيحان. وكان أبعد مكان وصلوا إليه هو المرسيبي، الذي ربما كان بلدَ قبيلة المصعبي. وهناك قصةٌّ مفادُها أنَّ الإمبراطورة هيلينا(30) الباحثة التي لا تعرفُ الكللَ، والتي تتبع مواقع مرتبطة بقصة العهد الجديد، أرسلتْ مبعوثين إلى جنوب شبه الجزيرة العربية لاكتشاف عظام الجاي، وقالوا إنهم عثروا عليهم في سيسانيا أدروميتوريوم، وعادوا بالعظام في حينها إلى القسطنطينية، وظلُّوا هناك حتى تمَّ نقلها إلى ميلانو. وفي عام 1164 تم نقلها إلى كاتدرائية كولونيا(31). والمكان الوحيد في حضرموت الذي يحمل اسمًا مقاربًا لسيسانيا هو عزان، المدينة التي أخذتْ مكانة مدينة ميفع. ومن المحتمل أن تكون القِـدِّيسة هيلينا قد توصَّلتْ إلى كتابات الجغرافيين الكلاسيكيين عن بلد البخور، وإذا كان الأمر كذلك، فإن تلك المدينة، سواءٌ في موقعها القديم أو الجديد، ستكون مكانًا مثاليًّا للبحث والتنقيب، ولرُبَّما كانت تُعرَفُ باسم سيسانيا الحضارم، حاضرة وادي ميفعة.
في تلك الليلة، وبعد نزولنا عبر طريق مُتعِبٍ في النقوب، صِرْنَا على بعد أميال قليلة من نهر وادي حجر، ومررْنا بعددٍ من النقوش، التي لمْ أَقُمْ بنسخها، إلا أنَّ زوجتي وصالحًا قاما بنسخها بالفعل. وكان هناك عدد كبير من النقوش غير المرتبة على جانب الطريق، وهذه وحدَها تشير إلى أهمية الطريق. كما هو الحال في يومنا هذا، لا شك في أن غالب سكان البلاد حينئذٍ كانوا أُميِّينَ، ولمْ يكنْ سوى “الكتبة” والتُّجَّار المرافقين للقوافل هم الذين نحتوا أسماءهم أو حروفهم الغريبة على جانب الطريق عند توقُّفهم هناك للراحة. وبالفعل أشار ابن خلكان(32) في إحدى سيره الذاتية إلى أن الطبقات العليا فقط هي التي سُمِحَ لها بتعلم خط المسند الحميري. وهناك تجد أحيانًا خربشات على غالب الطرق الرئيسة في حضرموت، ولكنني لم أرَ الكثير من تلك الخربشات.
كُنتُ مهتمًا برؤية نوع من الحجر المنقوش، الذي اكتشفتْهُ زوجتي في منطقة حجر، وجلبَتْ معها عيِّنةً منها للمتحف في المكلا. وكانت تلك أحجارًا منتصبة، ومنحوتة في بعض الأحيان في شكلِ وُجُوهٍ مُلتَحِيَة، وتحتها أشياء تُشبِهُ إلى حدٍّ ما الرموز المصريَّة. على جوانب الحجر كان هناك أحجار أخرى وُضِعَتْ حجرةٌ مسطَّحةٌ أمامها، بحيث بدأ المهد وكأنَّه كُرسِيٌّ. وربما كانت هذه أماكن للصلاة على جانب الطريق، وكانت بعض الأحجار مكتملة، وبعضها غير مكتملة وغير منحوتة.
في صباح اليوم التالي قُمْنَا بتغيير الإبل، وارتحلْنا راكبين الإبلَ لِمُدَّةِ يومين بمحاذاةِ النهر، حيث نقوم بالاستحمام والسباحة، وغسل أنفسنا وثيابنا في مياه النهر الخضراء الصافية (انظر الصورة 2). وقد كان هذان اليومان ممتعَينِ، وكان يشاركُنا ضيوفٌ في وجبات الطعام في الغداء، عادةً ما نجعلُ زُوَّارَنَا يُعِدُّون الخُبزَ على الجمر والرَّماد، من العجينِ المُحَلَّى بالشاي، وعادةً ما يكون عمر متعبًا أو بالأحرى كسولًا في الليل، وكنتُ أنا وصالح معتادَيْنِ على طبخ العشاء بالتناوُبِ. والعشاء دائما ما يكون الأرزَ والسَّمكَ المجفَّفَ المطبوخَ بالبهارات، وعلبة صغيرة من الطماطم، وهذا يُعَدُّ طعامًا جيِّدًا جدًّا، وإذا كُنَّا وحدَنا نقومُ بقَلْيِ السمكِ والطماطم مع السمن والأرز، ولكنْ إذا كان لدينا ضيوف كان علينا أن نقتصد؛ لذا نقومُ بطهو الأرز بشكلٍ منفصل، ومن ثمَّ نصنعُ حساءَ السَّمكِ والطماطم لِنَسْكُبَهُ فوق الأرز.
في هذين اليومين شاهدْنا نقوشًا مرة أخرى على جانبي الطريق، التي أوصلتْنا إلى منطقة الصدارة، وعلى قمم الأماكن العالية والحاكمة تُوجَدُ أنقاضٌ وبقايا القلاع القديمة المنسوبة إلى أبناء عادٍ، وعلى المرتفعات المحيطة بالصدارة يُوجَدُ المزيد من هذه القلاع التي تُسمَّى بالمصانع، وشعرْتُ بالثقةِ في أن هذا المكان الحاكم هو منطقة الصدارة التي ذكرها بطليموس.
هنا في منطقة الصدارة تناولتُ مشروبي الأول من النبيذ، وهو الخمر الذي يتمُّ استخراجه من نخيل النارجيل، وكان ذلك في فترة ما بعد الظهيرة عندما تمَّ إحضارُه إلينا، على أساس أنه طازجٌ، ولذيذٌ ومنعش. وبعد الشعور بالانتعاش الناتج من شرب ثلاثة أكواب كبيرة منه أدركْتُ أنه بدأ يتخمَّر ولمْ يعُدْ طازجًا، ولكننا أقسمْنا جميعًا أنه كان طازجًا تمامًا، حيث إنه محرَّم على المسلمين تناول الشراب المخمَّر.
من المؤكد أنَّ وادي حجر هو نهر بريون، الذي أشار إليه بطليموس؛ والسبب الأول في تأكيد هذا الاعتقاد أن الخرائط تشير إلى أنَّ مجرى ذلك النهر هو مجرى وادي حجر نفسه، والسبب الآخر هو أن حجر تقع على طريق البخور من قنا إلى شبوة، ولا بد أنْ يكون لها نهرٌ أكثرُ شهرةً من نهر المسيلة في حضرموت، الذي أشار إليه هوغارث(33). ومثل نهر المسيلة فإن نهر حجر يتدفق بشكل دائم، ويصل إلى البحر. أمَّا لماذا أطلق عليه بطليموس اسم منشار النهر؟ فهو أمر لا يزال غامضًا. وقد أشار فورستر ذات مرة إلى أن البريون هو جدول، تمتدُّ على جانبَيْهِ جبال عالية مسنَّنة، وعلى نحو مثير للإعجاب كذلك هو الحال بالنسبة لحجر؛ إذ توجد جبال عالية مسنَّنة تحدّد مجراه، في حينِ أنَّ المسيلة تجري في الجول، وهو مسطَّحُ القمَّةِ، ولا يعطي الانطباع نفسَه عندما يمرُّ المرء عبر واديها. وقد سألت أهالي منطقة الصدارة عما إذا كان بإمكانهم تقديم تفسير لهذه التسمية الغريبة (منشار النهر)، فقَـدَّمُوا لي تفسيرًا بارعًا، وذلك أنَّ النهر سُمِّيَ هكذا لوجود أشجار النخيل المسنَّنة، التي يُنتَجُ منها النبيذ، وتسمَّى النخلة (النشار)، وكلمة المنشار أتت من الجذر العربي نفسه.
وقد رأت زوجتي في رحلتها إلى حجر عددًا كبيرًا من الثعابين، التي لمْ تشهدْها من قبل في جميع أنحاء حضرموت، وكانت تجربتي مماثلة لها، فحينما كنتُ راكبًا ذاتَ صباحٍ إذ قطعَ ثعبانٌ أخضرُ الطريقَ، وسألْتُ عما إذا كان سامًّا، فقيل لي إنه كذلك، ولكن ليس بالقدر الكافي، ولكن كان هناك في المنطقة ثعبانٌ أحمرُ لدغتُهُ تسبِّبُ الموت في الفور، وذلك الثعبان الذي يقفزُ عليك، كان أحمرَ اللَّون، أو أحمر أو بُنِيَّ اللون، ونادرًا ما يُوجَدُ خارج منطقة وادي حجر. ولم يُذكَرْ هذا فقط في قصة هيرودوتس(34) عن الثعابين المجنَّحة التي كانت تحرسُ أشجار البخور، ولكن أيضًا تمَّ ذكرُها في تقرير أرطميدورس(35)، نقلًا عن سترابو(36)، الذي قال إنَّ هذه الثعابين كانت طويلةً وحمراءَ اللَّون، وشُوهِدَتْ في ارتفاعٍ يصلُ إلى الفخذ، وأنَّ لدغة تلك الثعابين كانت غيرَ قابلةٍ للشفاء. وبدأتُ أتساءلُ عمَّا إذا كانت منطقه حجر ليستْ منطقة بخور حضرموت القديمة؛ لأنَّ أشجار البخور لا تزال مزدهرةً في كثير من الوديان الجافَّة والصغيرة القريبة منه، ويتمُّ جمع البخور منها بوساطة الصوماليّين.
لقد سافر أحدُ هؤلاء الصومال معنا على متن مركبنا الشراعي إلى بئر علي، فأخبرني أنَّهُ من الممكن صُنعُ أشياءَ من البخور أكثر مما يُصنع منه حاليًا، ولكن انعدام الأمن في المحافظة حتى عهد قريب حال دون ذلك. يقول بليني: إنَّ منطقة بخور حضرموت كانت لها ثماني محطات من شبوت (شبوة)، وكان يُطلَقُ عليها سبأ. وكان من الصعب الوصولُ إليها بسبب الصخور الضحمة على جنباتها، والآتي إليها من البحر، الذي يحدُّها من اليمين، ستصدُّه المنحدرات الجبليَّة الشاهقة المُشرِفة على السواحل. إنَّ وصف بليني لأرض البخور يتطابق مع خصائص منطقة حجر، وكذلك مع وادي حضرموت، لكنَّه أقرب إلى حجر؛ نظرًا لجبالها الصعبة، وممرَّاتها المُرعِبة، فهي حقًّا منطقةٌ يَصعُبُ الوصول إليها.
يقول بليني: كان السبأيُّون دون غيرهم من العرب هُمْ مَنْ كان يتعامل مع أشجار البخور، وليس كل السبأيين، إنما كان ما لا يزيد عن 3000 أسرة لها الحق في هذا الامتياز المتوارث، مقدِّمًا أسبابًا دينية لذلك. هذا الأمر يذكِّرني بوجود سلعتَيْنِ شحيحتَيْنِ في حضرموت، كُلٌّ منهما تُعَدُّ حكرًا على قبيلة معينة. في الواقع قد يكون ذلك الاحتكار لبعض عائلات تلك القبيلة وليس للقبيلة كلها. هاتان السلعتان هما: المانجو، التي تُزرَعُ في ثلة السفلى فقط، على بُعدِ اثني عشر ميلًا من مدينة المكلا، وأوراق التنبول وجوز الأريكا، التي تزرعها قبيلة بحسن، وهي بيتٌ من بيوت قبيلة الحموم في منطقة المعدي. حاول البعض في كثير من الأحيان زراعة هذه المنتجات، لكنَّ البدو المعنيين كانوا لهم بالمرصاد؛ إذ يقومون بتدمير تلك الحقول حال اكتشافها؛ حفاظًا على احتكارهم لها، فهي تدرُّ عليهم أموالًا كثيرة. لذا، ربما كان هناك احتكار سبأيٌّ لأشجار البخور.
غادرْنا منطقة الصدارة والنهر، ثُمَّ تناولْنا وجبة الغداء في يومنا الأول في منطقة المنتاق، حيث كانت هناك بعضُ أشجار النخيل من نوعٍ لمْ أرَهُ من قبل قط، وهناك الينابيع الساخنة، وجبل الملح. كان مذاق ملح ذلك الجبل ممتازة، وأظنُّ أنَّها أفضل بكثير من طعم ملح شبوة، حاولْنا أن نقتطع قطعة من عرق الملح الأبيض الضخم، والمكشوف في ذلك التل الأسود، ولكنْ لمْ نستطعْ. بِتْنَا تلك الليلة في وادٍ قاحل، وفي صباح اليوم التالي رأيْنا أشجار البخور(اللبان) المنتشرة، والكثير من النقوش على الطريق، ووصلْنا ليلًا إلى يبعث، حيث مكثْنا هناك مع الأصدقاء.
على الرغم من أن فون وريد قد زار بَنَا، لكنَّه لمْ يرسم الطريق بشكل صحيح، ولذلك فأن الطريق من بئر علي لم يسلكْهُ أحد قط من قبل. في الطريق من بئر علي إلى حجر، والتي رسمها فون ويسمان(37) بشكل جيد، قمْتُ بعملِ مسحٍ اجتيازي بالبوصلة. أمَّا الطريق من حجر إلى يبعث فكُلُّ شيء قد قام به فون وايسمان، فما كانت هناك حاجة لأشغل نفسي بالوصلة، لكن في الطريق من يبعث إلى شبوة كان عليَّ أن أرجع للبوصلة مرَّة أخرى؛ لأنه لمْ يتمَّ رسمُ أيِّ خريطة لتلك المنطقة. كانت غالبُ الاتجاهات من بئر علي إلى حجر مفتوحة، فقد كان هناك اتجاه من يبعث فصاعدًا، وآخر إلى منطقة يبعث نفسها، ومنها تمتدُّ طريق للقوافل مستخدمًا كثيرًا، ولكن قيل لي إنَّ حركة السَّيْرِ فيه كانت قليلة. تميَّزت الطريق بأكملها بوجود النقوش، وأكوام غريبة من الحجارة تُسمَّى “عروم”. والتي أيضًا لاحظْناها في بلاد الصيعر، حول منطقة العبر وفي أماكن أخرى. كان بيرترام توماس(38) Bertram Thomas قد شاهد أيضًا تلك العروم في بلاد المهرة. تلك العروم تتكوَّن عادةً من أكوام من الحجارة (اثني عشر كومًا أو أكثر من الحجارة، منها كبيرة في وضع مستقيم)، مكوِّنةً سياجًا دائريًا، إما في منتصف الصف وإمَّا في نهايته. لمْ أجدْ أبدًا تفسيرًا مقنعًا لتلك العروم. عادةً ما تكون تلك العروم على جانبَي الطرق، وفي قمم التلال المطلة على تلك الطرق. أشار البدو إلى أنَّ تلك العروم إمَّا أن تكون أماكن يختبئ فيها الصيادون لقنص الغزلان أو لحماية أنفسهم، وإمَّا أنْ تكون أماكن يتمركز فيها حُرَّاسُ الطرق.
وقد عرضتْ علينا بعض النقوش الموجودة في وادي يبعث نفسه، وتضمَّنتْ أقدامًا منحوتة على بعض الحجارة، والتي وجدْتُها أيضًا مرتبطة بالصلبان الموجودة في الأماكن التي يُزعم أنَّها أماكن للعبادة المسيحية القديمة في سقطرى. لقد رأيْتُ أيضًا صلبانًا وأقدامًا منحوتة على الرخام في متحف القاهرة، ووجدتِ الآنسة كاتون طومسون Canton Thompson قدمًا منقوشة في حريضة. ولكنني أشُكُّ في نزول قوافل البخور إلى داخل الوادي، فلمْ تكنْ هناك حاجة لنزولها إلى الوادي للتزوُّدِ بالمياه طالما كان باستطاعتها أخذُ ما تحتاجه من المياه من تلك الصهاريج، التي لا تزال مستخدمة إلى الآن في الأعلى، زيادةً على أنَّ العِقَابَ المؤدّيةَ للوديان كانت خطيرة ومُرعِبةً جِدًّا.
. في اليوم التالي غادرْنا المكان الذي يُسمَّى بالعقبة البيضاء، بعد تناول وجبة غداءٍ شهيَّة، والاستحمام في جدولٍ تحتَ ظلال النخيل في غيل. جلسْنا أيضًا هناك تحت الأشجار نُنَاقِشُ بعض الأمور والأنشطة الاجتماعية مع شيخ قبيلة نعمان، وهي القبيلة التي تسكنُ هذا الجزء من البلاد، وهو الرَّجُلُ الذي قام بمرافقتنا من قريته القونا(40)، ثم قام ذلك الشيخ بفك (الفص) – وهو عقيقٌ أحمرُ، مُرَصَّعٌ بالفِضَّةِ، يَرتَدِيهِ غالبُ رجال القبائل، ويقال إن له خصائص طبِّيَّة – من عُنُقِهِ ورَبْطِهِ في عنقي، قائلًا لي: بما أنني قد عِشتُ عِيشتَهُمْ عِيشةَ البدو فكان لزامًا عليَّ أنْ أرتدي ما يَرْتَـدُونَهُ، وبعد هذا قام بتوديعي (انظر الصور 3، و4، و7).
بدأتُ في صعود العقبة البيضاء قبل الساعة الثانية، ولمْ أصل إلى قمَّتِها إلا بعد الساعة الخامسة والنصف، بعد أنْ تقطَّعتْ أحذيتي تمامًا. بِمُجرَّدِ وصولنا إلى القمَّة، لمْ نُوَاجِهْ أيَّةَ صعوبات أخرى حتى وصولنا إلى “عقبة وادي عرما”، على بعد ثلاثة أيام. مررْنا بمناطق البدو من المشاجرة، وبينَ الفَيْنَةِ والأخرى كُنَّا نُصَادِفُ الرُّعَاةَ منهم مع قُطْعَانِهِمْ، وفي الليلة الثانية وصلْنا إلى قرية الشعبات الصغيرة، في بلاد آل بلعبيد. لمْ يرَ أيٌّ من سُكَّانِ قرية الشعبات أوروبيًا من قبل، ولكنْ بمجرد أنْ عرفوا اسمي، رحَّبُوا بنا ترحيبًا حارًّا. لقد انضمُّوا إلى صلح حضرموت، وكانوا ممتنِّين للحياة الهادئة، التي يعيشونها الآن. قاموا بتقديم العشاء من المَرَقِ السَّاخِنِ ولَحْمِ الضَّأْنِ البارد والخبز، ولكنْ أُتِيَ به متأخّرًا كالمعتاد. رغم أنني وصالحًا كُنَّا في غايةِ السعادةِ؛ لأنَّنا لمْ نكنْ مضطرِّين تلك الليلة إلى تفتيت السمك المجفَّفِ (اللّخم) لكنَّنا كنا نثمِّن عاليًا تلك الوجبات البسيطة، التي نَعُدُّها وَسْطَ أنقاضِ المباني والآثار خارج القرية؛ إذ كان علينا أن ننام بدلًا من النوم هاهنا في بيتٍ الجوُّ فيه حارٌّ، وبه الكثير من البعوض.
الشعبات قرية صغيرة وجذَّابة، حقولها وأشجارها كلُّها خضراء؛ بسبب الأمطار، التي هطلتْ عليها مؤخرًا، ولكنْ لمْ تكنْ بها آثار قديمة. قال لي رجلٌ مُسِنٌّ وهو زعيم قرية الشعبات إنَّهُ سيأخُذني الى مكانٍ، تُوجَدُ فيه بعض الآثار القديمة. لقد كان صادقًا في وَعْدِهِ، ففي وقتٍ مبكِّرٍ من صباح اليوم الثاني كُنَّا في طريقنا إلى منطقة معبر بصحبة ذلك الرجل المسن. على الرغم من أنَّ الطريق لمْ يُعَدْ مستخدمًا كثيرًا لكنَّه كان مهمًّا في يوم من الأيام، فبصرف النظر عمَّا فيه من العروم والنقوش والمنحوتات المعتادة للوعول والشمس والإبل، فقد كان عريضًا جدًا. لكن بعد ساعة أو ساعتين من المشي عبر ذلك الطريق ذهبْنا إلى طريق فرعيٍّ، يؤدي إلى منطقة معبر. نزلْنا في وادٍ، وكان طريقنا يحاذي العروم، وطريقٌ آخرُ مُعَدٌّ في شكل ممشى، يؤدي إلى مذبح معبد في الأعلى. قيل لنا إنَّه تمَّ العثورُ على تمثال رخامي في هذا المكان. في حقلٍ أخضرَ في الأسفل كانت هناك قاعدة من الرخام الأبيض، يبدو أنه كان يوجد هناك معبد صغير، مستطيل الشكل وجميل. بحثْنا بين الأنقاض الموجودة في أعلاه وحوله، لكنَّنا لمْ نعثُرْ على شيء سوى بعض القطع الخزفية.
بعد غداء خفيف وقهوة مع شيخ معبر المسن وأتباعه غادرْنا المكان تحفُّنا دعواته لنا، لمْ يرَ ذلك الشيخُ أوروبيًا من قبل، ولمْ يغادرْ معبر إطلاقًا من قبل، لكنْ كانت بيني وبينه مراسلات عن موضوع الصُّلح. عُدْنَا الى الطريق القديم بعد حوالي ساعة أوْ ساعتين، من الواضح أنَّهُ الطريق الرئيس، ونصبْنا خِيَامَنَا في جَولٍ مهجُورٍ، بالقرب من خَزَّانِ مياه، وشاهدْنا الكثيرَ من المنقوشات الأثريَّةِ على الجُدْرَانِ ورسومات الوعول والشمس وهلال القمر.
في اليوم التالي أتانا لِصَّانِ وقدَّما لنا تفسيرًا غيرَ مُقْنِعٍ بأنَّهما كانا جالسَيْنِ على تلَّةٍ ينتظران صديقًا وعدَهما بإحضار هديَّة من البير. في جميع أنحاء هذه البلد يُشَارُ إلى بئر علي باسم (البير)، وتسمَّى بلحاف (الرأس)، والمكلا تسمى بالسوق. انضمَّ إلينا هذان الرجلان، أحدُهما كان كثير الكلام والآخر أكثر هدوءًا وأكثر نفعًا، وصلْنا الآن إلى (الماجورا). قيل لنا إنه كان طريقًا للسيارات، وهو يبدو كذلك. تمَّ إزالة الصخور والحجارة من ذلك الطريق، وتمَّ تكديسُها على جانبَيْهِ، تمامًا مثلُها مثلُ الطرقات في حضرموت. سألْتُ مَنِ الذي قام بعمل ذلك الطريق؟ وكان الجواب: إنَّ أبناءَ عادٍ هم مَنْ فعلوا ذلك: وهل استخدم أبناءُ عادٍ السيَّاراتِ أيضًا؟!!. استدعى هذا التفسير رؤى جميلة لعمالقة شباب من أيام سفر التكوين وهم يركبون سيارات اوستن سيفين ويمشون بها بسرعة جنونية في الجول.
قُدِّم لنا تفسيرٌ آخرُ وهو إنها الطريق التي سارتْ عليها ناقةُ النبيِّ صالح؛ فعَرَبُ جنوب الجزيرة العربية يدَّعون أيضًا أنَّ نبيَّ ثمود كان مِنْ عندِهم. من الممكن أنَّه تمَّ تنظيفُ هذه الطرق للسَّمَاحِ بنقل كتلٍ كبيرة من الحجارة للقيام بأعمال البناء في شبوة، ونقلها على جذوع الأشجار المستخدمة كبكرات.
امتدَّتِ الماجورا إلى أميال، وبعد أنْ بدأت الفجوات مرة أخرى ووصلتْ تقريبًا إلى “عقبة فوتورا”، التي تؤدي إلى وادي عرماء. عندما كُنَّا في الطريق أَرُونَا المكان الذي تقع فيه (كلوة)، التي تعدُّ أحد محاجر شبوة، ومررْنا عبر محجر قديم يسمَّى (قضية). بعد منحدرٍ سهلٍ وطويلٍ وصلْنا إلى العقبة، بالقرب من قمة العقبة كان يوجد هناك نقشٌ حميريٌّ طويلٌ، نُحِتَ بشكلٍ جيّدٍ للغاية. قمت بنسخهِ، متسابقًا مع ما تبقى من ضوءٍ باهتٍ للشمس الآفلة، واستطعْنا قراءةَ بعضِ الكلماتِ، مثل: “الملك فلان وفلان، ابن الملك فلان وفلان”، “عرما”، “4 فهود”، وقد استنتجْنا أنَّ هذا النقش تمَّ إعدادُه لإحياء ذكرى بعثة الصيد. ولكن السيد فيلبي سيخبركم أكثر عن ذلك.
لقد بنى القدماء طريقًا حجريَّة واسعة ورائعة، اسمُها طريق العادية، ولكن للأسف قد اختفتْ تلك الطريق، وحين وصلْنا إلى أسفل ذلك الطريق كان الجزء الأسفل من جزمتي الأخرى قد انفصل عنها. لمْ يكنْ لدينا ماءٌ، ولكنْ من شدَّة ما أصابنا من التعب غَلَبَنَا النَّومُ فوق الرمال.
استيقظت بعد ذلك بساعتين على صوت أنثوي، يقول: “لبن، لبن”. جلبتْ لنا ثلاثُ فتياتٍ بدويَّاتٍ اللَّبَنَ والماء. جميعهُنَّ كُنَّ حسناواتٍ، إلا واحدةً كانتْ تفوقُهن جمالًا. لقد أعدْنَ لنا الحياةَ، فقُمْنَا نَعُدُّ العشاءَ، وانتظرْنَ ليشاركْنَنا تناول ذلك العشاء، وبعد ذلك قُمْنَ بتعليمنا ألعابًا بدوية على الرمال، مثل لعبة المتاهة، ولعبة الإغارة أو المداهمة، وعند انتصاف الليل غادرْنَ إلى بيوتهن، وأويْنَا نحن إلى ألحفتنا (بطانيَّاتنا)، ومرَّة أخرى جلبْنَ لنا اللبن الطازج في الصباح.
في اليوم التالي تجوَّلْنا في الوادي وصولًا إلى (المافود)، حيث تمَّ استقبالنا هناك بالتحيَّة، وبالطريقة القبلية المعتادة عبر إطلاق النار من البنادق. لكن هذه التحية في هذه المنطقة الواقعة بين حضرموت والمحميَّة الغربيَّة مُقْلِقَةٌ للغاية. فبدلًا من إطلاق النار عاليًا في الهواء، يقومون بإطلاق النار فوق رأسك مباشرةً، ومن المفترض أن تبدو كما لوْ كُنتَ تُحِبُّ ذلك. ونظرًا لأنني أطول من الطول المعتاد للعرب الجنوبيين فقد كُنتُ لا أحب تلك التحية على الإطلاق.
بعد الغداء افترقْنا مع الشيخ الذي جاء بنا من يبعث، وانطلقْنا مع شقيق المقدَّم على ثلاثة جِمَالٍ جيِّدة، مُتَّجِهِينَ إلى شبوة، قاصدين المبيت فيها. كان وادي عرما مليئًا بالرسومات القديمة، والمباني البسيطة، وأعمال الري، ولكن الأكثر إثارة للاهتمام من كل شيءٍ كان العقبة التي سبق وغادرناها. بقيت الكثير من أعمال البناء القديمة التي بناها الشبوانيون، وكما أشار دليلنا، كانت واسعة بما يكفي للمركبات ذات العجلات. في الواقع كان عرضها حوالي 16 قدمًا، وتعد أوسعَ بكثيرٍ من أيِّ عقبةٍ أخرى مبنيَّةٍ رأيْتُها في أي مكان آخر. هو أيضًا قام بتكرار قصة السيارات، لكنَّه قال إنه على الرغم من أنَّه لا يعتقد أنَّ القدماء كانوا يمتلكونها، لكنْ بدا واضحًا أنَّهم استخدموا المركبات ذات العجلات، بأي حال من الأحوال كانت تستخدم لجلب الأحجار الكبيرة المقطوعة إلى شبوة. حلَّ الغَسَقُ مرَّةً أخرى عندما نزلْنا من هذه العقبة، ولمْ يكنْ لديَّ الوقت إلا لنسخِ أوَّلِ ثلاثة نقوش طويلة رأيْناها، وكانت منقوشة بطريقة مذهلة.
في الصباح قطعْنا تلك الأميال المتبقية إلى شبوة، وكانت أشبهَ بجزيرة في الصحراء، ولاحظْنا العلامات والآثار الكثيرة، التي تدلُّ على مدى انتشار الزراعة في تلك الأزمنة الغابرة، والتي تؤكّدُ أنَّ شبوة في أوج عطائها كانت تقدّم مشهدًا رائعًا للمباني البيضاء، القابعة على التلال المحاطة بالحقول الخضراء.
لقد دخلْنا عبر بقايا آثار بوابة قديمة، وقُلْتُ لمرشدنا عن قصة بليني إن هذه البوابة كانت تُترَكُ دائماً مفتوحة لمرور قوافل البخور بحضور أمناء الملك، فردَّ على قائلًا: “هذا الكلام صحيح، وهناك كان يجلس أولئك الأمناء، مُشِيرًا بيده إلى قبَّةٍ مشابهة لتلك القبب الموجودة حاليًا على بوَّابات مُدُنِ حضرموت، حيثُ يجلسُ المُوَظَّفُ المسؤول عن تسلُّمِ الجمارك.
اتضح لي جليًّا أن آثار شبوة في وضعٍ بائسٍ جدًا، يتهدَّدُها الإهمال والخراب. وجدْنا أيضًا رسمًا لامرأةٍ مجنَّحةٍ تحملُ قرنَ الوفرة (إناء في شكلِ قَرْنٍ)، وبعد أنْ شربْنا الكثير من لبنِ الإبل شاهدْنا مناجم المِلح، ومررْنا عَبْرَ بوَّابةٍ أخرى تؤدِّي إلى الصحراء. ولهؤلاء البدو عاداتٌ حسنةٌ فيما يتعلق بلبن الإبل. فبإمكان أيِّ شخصٍ غريبٍ أنْ يحلبَ له لبنًا مِنْ أيِّ ناقةٍ، وإذا أتى مالك الناقة أو أيُّ شخصٍ آخر ساعده على القيام بذلك.
كُنَّا سعداء جدًا من هذه العادة الحسنة، فقد كانتْ أمامَنا رحلة ستستمر عشرين ساعة عبر الصحراء بدون قطرة ماء أو ظلٍ نستظلُّه. كان الجو ممتعًا بما فيه الكفاية في الليل، لكنَّ التسلُّقَ اللامتناهي للكثبان الرملية الصفراء التي يضاهي ارتفاعُها ارتفاع المنازل، ثُمَّ النزول منها في الأول من شهر مايو جعلني أُقِرُّ أنَّني قد نِلْتُ من صحراء الربع الخالي ما يكفيني. وبعدَ أنْ حلبْنا كُلَّ ناقة وجدْناها في طريقنا، وصلْنا أخيرًا إلى العبر في مساء اليوم التالي.
أجدُ أنَّه من المثير للاهتمام مقارنة حالة البلد قديمًا وحالها اليوم، والسؤال عما إذا كانت الحضارة في ذلك الوقت أفضل من الآن. يرى بعض الأشخاص، الذين يرونَ الفقرَ المُدقِعَ والحياة البائسة والمحفوفة بالمخاطر للبدو الذين يعيشون حاليًا في هذه الأماكن الأثرية وما حولها، أنَّ حال البلد قديمًا أفضل بكثير مما هو عليه الآن، ويميل المرء أحيانًا إلى الاعتقاد أنها كانت كذلك؛ لأن البَنَّائِينَ القدماء استخدموا الأحجار، وهي أكثرُ مقاومةً وصمودًا من الطين المستخدم حاليًا. فقد قام القدماء بتشكيل أحجارهم، ونقشوا منقوشاتهم بطريقةٍ لا يفعلُها بنَّاؤُو حضرموت اليوم. لكنْ بصرفِ النظرِ عن ذلك، ماهي الصورتان؟ في اعتقادي المقارنة الصحيحة ليستْ بين بلد حمير وسبأ القديمتَيْنِ وحالتهما الحالية، ولكنْ بين حضرموت آنذاك والآن.
قديمًا كانت هناك مملكة حمير الساحلية القائمة على مدينة ميفع أو سيسانيا وقنا، وكانت هناك مملكة حضرموت الداخلية القائمة على شاباتا أو شبوت. أخذ ملوك هذه الأماكن حصة أرباح كبيرة من البضائع المارة في البلاد، وكانت هناك حروب مستمرة وتغيير في السلطة. كانت هناك طبقة مثقَّفة تحتكر العلم، وكانت هناك قبائل بدوية، مثل قبيلة كندة، التي أنجبت شاعرًا مثل امرئ القيس. يبدو أنَّ سُكَّانَ المُدُنِ لمْ يُنْتِجُوا شيئًا ذا قيمة فنية. كانت زراعتُهم تتمُّ بعمليَّةِ الرّي والاعتماد على السدود، وللحصول على وصف عن حياة القرية يجب أن تقرأ دراسة الآنسة كاتون طومسون. كانت حريضة (حينئذ تسمى مذاب)، قرية ريفية تقع في الضواحي الشرقية لمدينة سبأ. هل كانت البلاد تعتمدُ على الزراعة؟ الجواب بالطبع لا، بلْ كانتْ تعتمدُ على تجارة البخور. في نهاية المطاف كان الناس في مصر واليونان وروما هم من دفعُوا ثمنَ معابدِ شبوت (شبوة).
حاليًا إلى الشرق من الممالك القديمة، توجد سلطنة القعيطي الساحلية، الواقعة في مدينة المكلا، والسلطنة الداخلية للكثيري الواقعة في سيئون. حكام هذه الأماكن يأخذون رسومًا ضريبية على البضائع المارَّة على مناطقهم. هناك طبقة متعلِّمة بشكل أساسي من السادة، وهناك قبائل بدوية، أحفاد القبائل البدوية القديمة، مثل قبائل الصيعر، الذين ينحدرون من قبائل كندة، أو أحفاد الحميريين والسبأيّين الذين أصبحوا بَدْوًا. كانت السُلالات الحاكمة حاليًا بدويةً بالأمس والعكس صحيح. تمارس الزراعة الآن كما كانت تمارس من قبل، لكنْ لا يمكن للبلد الاعتماد عليها الآن أكثر مما كان يعتمد عليها في ذلك الوقت. قبل الحرب كانت جاوة وسنغافورة هي التي دفعتْ تكاليف قصور سيئون وتريم.
عندما أخذ الرومان البخور عن طريق البحر هلكت حضرموت الأولى، فتعلَّمت حضرموت الجديدة الهجرة وجلب الأموال من الخارج. على الرغم من أنهم يبنون بيوتهم مستخدمين الطين، لكنَّهم يبنون بشكل جيد للغاية، بحيث لا يمكن اعتبارهم أدنى مهارة من الحرفيين الحضارم القدماء. أظهر سقوط سنغافورة وجاوة أن حضرموت الحاضر ستهلك تمامًا كما هلكت حضرموت القديمة إذا لم تستطع البلد الحصول على الأموال من الخارج.
ملاحظات المترجمين






