حوار
أ. صالح حسين الفردي
الشاعر والسياسي خالد محمد عبدالعزيز، ابن مدينة المكلا، الذي ولد في أجواء عام (1945م)، يعرفه الكثيرون في محطات حياته السياسية التي خاضها منذ مطلع ستينيات القرن الماضي؛ بوصفه واحدًا من رموز الحركة الوطنية في (حركة القوميين العرب)، ثم في (الجبهة القومية)، وعضوًا في وفد الجبهة القومية المفاوض لبريطانيا في جنيف لنيل الاستقلال في 30 نوفمبر1967م، فقد تولَّى عددًا من المناصب السياسية والحكومية؛ إذ كان المسؤول الأول في تنظيم الجبهة القومية – فرع حضرموت، ووزيرًا للعدل والأوقاف في حكومة ما بعد الاستقلال، وتعددت محطات حياته العملية الدبلوماسية، فعمل بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية في دمشق، ثم في تونس.
والشاعر خالد عبدالعزيز تعلّم في مدارس مدينة المكلا، فالابتدائية في المدرسة الغربية التي ضُمَّت اليوم إلى حرم مستشفى باشراحيل، ثم التحق بوسطى غيل باوزير، ثم سافر إلى السودان بمدرسة حنتوب – السنة الأولى من المرحلة الثانوية، ثم أكمل الثانوية بمصر، وحصل على شهادة البكالوريوس في الحقوق في جامعة بغداد، له دواوين شعر بالفصحى، منها: ديوان المكلا.
– انطلقت رائعته الغنائية (بعد المكلا شاق) في مطلع سبعينيات القرن الماضي، أي قبل نصف قرن من الزمان، ولم تزل أيقونةَ عشقٍ وكينونةَ انتماءٍ وديمومةَ هُوِيَّةٍ، رائعة كانت، وستظل عالقة في ذاكرة الفن والطرب في بلادنا، وفيها يهمس عاشق المكلا بلوعة واشتياق:
يِشْتاق لِكْ كُلّ عاشق
مِن حين لاخر وانا دُوب المدى مشتاق
ما انْسَى المكلا إلى شق
ذا يومنا في المكلا سَيّد العشاق
بُعْد المكـلا شاق
ما طِيْق في بُعْدها عالشّوق
يا النوخذه بامعاكم
لو هو على سنبوق مشعوق
***
حَيّا زَمَنْ فِيْك رايق
عَدّى وياريت ماعَـدّى الـزَّمَنْ لي راق
عالبُعْد قلبي يعانق
أصحاب في بَرْع السِّدة طُوال أعنــاق
قول في هواهم قاق
عالراس باحُطّهم من فُوق
يا النوخده بامعاكم
لو هو على سنبوق مشعوق
***
حَيّاك رَاعِدْ وبارق
يا سِيْف فُوّة ولاهلك زادَتِ الأشواق
لَوْ بالخِيَرْ ما نفارق
في الدِّيس والشرج والحارة صحاب وِرْفاق
صِيْتُهم مَلا الآفاق مِن حُبّهم قَطّ ما بافوق
ياالنوخذه بامعاكم
لوهو على سنبوق مشعوق
***
يا عَاذِلي لا تِعَالق
لا لُوْم يِنْفَع معي يِكْفِـي عِتَـاب وِعْلاق
حُبّ الوَطَن دُوب عَالق
عَلّقْت قلبي في الخِيْصَة على مِعْلاق
في بُعْدها ما لاق
قلبي وعا شُوفها محروق
يا النوخذه بامعاك
لو هو على سنبوق مشعوق
يشير الأستاذ الدكتور عبدالله حسين البار في مقدمته التي كتبها لديوان الشاعر خالد عبدالعزيز الذي اطلق عليه (المكلا)، إلى أنها ليست مجرّدَ أرضٍ يحنُّ إليها سُكَّانُها، ويَتُوقُ إلى الأوبة إليها، بعد أن نأتْ به الأيامُ عنها، وأرغمتْه كرهًا على مبارحتها إلى سواها من أصقاع الأرض، ولكنها – أي المكلا – كما يؤكّد الدكتور البار معشوقةٌ تدلّه بها قلبُ العاشق خالد عبدالعزيز، فلمْ يقوَ على الانسراب في محراب عشقه إيَّاها إلى سواه من محاريب العشق والهوى والهيام، ألم يقل:
يُصْبِحُ الشعر جُلّنارًا ودفلا ** كلما قيل في عيون المكلا
تتحلّى بالشعر كلُّ بلاد ** فإذا قيل في المكلّا تحلّى
ساحلٌ طاهرٌ وماءٌ طهور ** وبلادٌ أنّى وقفت مُصلّى
هي بنتُ المحيط، مذ كان بحرًا ** وهي بدرُ السّماء إذ كان طفلا
– بهذا الاستهلال الرقيق والرشيق، الذي بدأناه بهذا الهمس النبيل للشاعر المبدع والمناضل الوطني والسياسي والدبلوماسي خالد محمد عبدالعزيز، دفعنا إليه ما لمسناه من عشق عميق يحمله للمكان الذي ولد فيه، المدينة البيضاء، جارة الجبل، وحارسة البحر، المكلا مسقط رأسه، المدينة التي يتحلّى بها الشعرُ ويزدان، المكلا المدينة والحياة النابضة التي صاغها البحر من لآلئه هلالًا على صدره، يتماوج ويتدلّى، واحتواها الجبل سندًا ورحلة حياة وظلًّا.
– فالمكلا منذ أن جعلها السلطان صالح بن غالب القعيطي منتصف ثلاثينيات القرن الماضي عاصمة للسلطنة بحضرموت، صارت سؤول عددٍ من المبدعين والشعراء والفنانين، ولكنها مدينة البراءة الأولى، لا تبادل العشق إلا لمحبِّيها وعُشَّاقها الخُلَّص، ونحن هنا نجد متعةً عبر صفحات مجلتنا (حضرموت الثقافية) في الاقتراب بوداعةٍ وحُنْوٍ من هذه الساحرة، فبها يتكثّفُ بَوْحُنا وأحدُ عشاقها الأوفياء، إذ نجدُ روحه الشفيفة تأخذنا إلى تفاصيل التفاصيل لتلك الأمكنة المكلاوية، التي تشكّلت جبلًا وبحرًا وترابًا وإنسانًا، ولِمَا لهذا النص الغنائي من خصوصية وتفرُّد في تاريخ الأغنية الحضرمية خاصة، والمحلية في بلادنا عامّة؛ إذ تجلّت المكلا في هذه الرائعة الغنائية فاتنةً، حاك تفاصيلها أزمنتها، ورسمَ ملامح أيَّامها، وبات شاعرُها خالد عبدالعزيز لا يطيق ابتعادًا عنها، فقد تماهي فيها، وذابت كينونته الصغيرة في تفاصيل تفاصيلها الرائقة والخلابة، واستنطقها شبرًا شبرا، وحجرًا حجرا.
– لذا كان لابدّ لنا من مقاربة الأسباب الحقيقية والأشجان النابضة التي دفعت بالشاعر خالد عبدالعزيز إلى الهمسِ بهذه الرائعة المكلاوية التي افتتحها بهذه الجملة الشعرية الدالة: (يا النوخذة با معاكم لو هو على سنبوق مشعوق)، فهمس قائلًا:
– الحقيقة سُئِلْتُ أكثر من مرة عن حقيقة هذه القصيدة، وكثيرٌ من الناس كان يعتقد أنني قُلتُها عندما كنت بعيدًا عن المكلا، ألهثُ فيها حنيني وأشواقي إليها، والحقيقة أن هذه الأبيات كُتبت في أوائل السبعينيات عندما اتخذت السلطة الحاكمة آنئذٍ بعض القرارات بتغيير الأسماء التاريخية لأحياء المكلا وأبدلتْها بأسماء جديدة، فشعرتُ وكأننا سُلِبنا جزءًا من تاريخنا، وكأنَّ المكلا فقدت بعض الأسماء التي تعد من مكوّناتها الثقافية التاريخية، مثل: برّع السدّة، الحارة، الشرج، الدّيس، هذه الأسماء تاريخية لها مدلولات عميقة، وتكوّن في مجموعها المكلا التاريخية التي نعشقها جميعًا، فكان قولي لهذه القصيدة عبارة عن موقف احتجاج ورفض ضد هذه المسمَّيات الجديدة الدّخيلة، وبذلك تراني عمدت إلى ذكر هذه الأسماء في القصيدة نفسها لأؤكد على وجودها، وأوكّد على الاحتجاج على اقتطاعها من مكوِّنات المكلا، وربما كان هذا الموقف الرّافض الاحتجاجي الذي تعبّر عنه هذه القصيدة غير معروفٍ في ذلك الحين، وإلا لحُوسِبْتُ عليه، كان التفسير الغالب أنها قصيدة اشتياق للمكلا، وأنا سكتُّ ولم أحاول أن أقول ما هي مناسبة القصيدة، ولكنها في الحقيقة قيلت احتجاجًا ورفضًا لكل المسمَّيات الدّخيلة على المكلا.
– هذا البوح الموجوع الذي سكبه الشاعر العاشق خالد عبدالعزيز في منزله بفاتنته المكلا في مساء الخميس الثامن من فبراير من عام خمسةٍ وألفين من الميلاد، سهّل لنا مقاربة أجواء النص، والاقتراب من عوالمه في لحظة الخلق والإبداع، التي سبقت بأكثر من ربع قرن من الزمان، ودفعت بنا إلى تبيان تلك الأجواء التي حرّكت دواخله، ومكَّنتْهُ من استلهام رؤيته السياسية لمناضل عتيق، آثر البَوْحَ وجدانيًّا وشعريًّا في لحظة تاريخية فارقة، سكب فيها كوامن روحه، واحتفاءه بالأمكنة، وعشقه للديار، وافتتانه بالتراب والرمال، وكلّ زاوية من زوايا مكلاه الأثيرة الحائمة في خلايا روحه ووجدان الشفيف، فأجاب:
– ذكرت في البداية أن القصيدة قيلت احتجاجًا على موقف سياسي من واقع تاريخي في المكلا، ولذلك تعمَّدتُ أن أستخدم مفردات القاموس الذي كان موجودًا حينئذٍ، مثل الكلمات التي ذكرتها، والتي تكاد تكون منقرضة في هذه الأيام؛ للتأكيد على أن المكلا ليست بقعة جغرافية، وإنما هي مكوّنٌ ثقافي، يتكوّن من أسماء تاريخية، وتميُّز لهجة أهل المكلا بكلمات خاصّة، مليئة بالتدفّق الشعري، وإن كانت لم تعد تستعمل الآن، فهي جزء لا يُنْسَى من التاريخ، وحاولتُ أنْ أربطها بالأسماء القديمة، للتأكيد على حرصنا للحفاظ على المكلا التاريخية التي تسكن ذاكرتَنا، والتي يعزُّ علينا أن تطالَها يَدُ التغيير والتشويه، فالكلمات التي استخدمتُها كانت مقصودة؛ لأنها تتناسب مع تقسيمات المكلا إلى (حويف)، قديمة بأسمائها القديمة أيضًا.
– لم تزل رائعة بعد المكلا شاق، عالقةً في الوجدان الجمعي المكلاوي خاصة والحضرمي وطنًا ومهجرًا عامّة، وتستعيد ألقَها في ذاكرة الفنّ الأصيل والزمن النبيل، فمنذ انطلاقتها الأولى بصوت الفنان الكبير كرامة سعيد مرسال، وحتَّى اللحظة وهي أيقونة العشق التي ما انفكّت تجدّد الوفاء، وتعمّق الانتماء للفاتنة المكلا حاضرة حضرموت، ولكن!، كيف ترجمت هذه الكلمات الشعرية والصور الفنيَّة والتراكيب الجمالية لهديل لحني وجملٍ موسيقية بإيقاع رقصة العدّة الصاخب، همس الشاعر خالد عبدالعزيز قائلًا:
– النصّ كتب – كما قلت في بداية السبعينيات – وظلّ كما هو، وكنت بمعيَّة الفنان القدير إبراهيم الصبّان، وهو عازف على مختلف الآلات الموسيقية، وملحِّن، فكان أحيانًا يدندن على العود ويقول لي: أيش رأيك تعمل كلماتٍ على هذه الدندنة، فوضعت قصيدة المكلا، وغالب أبياتها قُلتُها في بيت الصبّان، لذلك ارتبطتْ بتلحين الصبّان.
– بعد ذلك، تردّدت هذه الرائعة بصوت الفنان المكلاوي الكبير محمد سالم بن شامخ، الذي قضى جُلّ عمره في الفاتنة عدن، وقد أضاف لهذه الرائعة نَفَسًا أدائيًا ونغميًّا خاصًّا، كَلَّله بالإنزياح في هذا الأداء عمّا عُرِفت به هذه الرائعة في شَدْوِهَا من قبل عددٍ من المبدعين المخضرمين والشباب، وهو ما حاولنا أن نستشفّه من حديث الشاعر المبدع خالد عبدالعزيز، وهو يوثّق لثائيته شعرًا ولحنًا للفنان إبراهيم الصبّان، وما أضافه محمد سالم بن شامخ الفنان.
– أنا أشعر أنَّ الصبّان عندما كان يدندن باللحن وعمل البيت الأول، كان كأنَّه مشاركٌ معي في كتابة القصيدة، اللهم إنَّه كان يكتبُها بالنغمات، وأكتُبُها بالكلمات والحروف، فهي تكوّنت مع بعض في آن واحد، الكلمات واللحن في وقت واحد، لذلك كان اللحن خير حامل لخير محمول، تماهى اللحن مع القصيدة، وهذا من أسرار انتشار القصيدة ونجاحها حتى اليوم.
– أما الأستاذ الأخ الكبير الفنان محمد سالم بن شامخ فأُعجِب بالأغنية، وكان يتمنى لو أنه غنَّاها أوَّلًا؛ لأنه هو أيضًا من أبناء المكلا، فمسقط رأسه المكلا، لذلك أخذها على الرغم من أنها مُلحَّنة من الأستاذ إبراهيم الصبّان، وأدَّاها بطريقته الخاصّة، أراد أن يعطي المكلا شيئًا من عنديَّاته، أراد أن يسهم في بناء الأغنية هذه بنفسه هو محمد سالم بن شامخ، ولذلك ظهر بعض الاختلاف، ولكن القصيدة لها لحن واحد، ولكنْ بأداءات مختفلة.
مرسال أيضًا من مواليد المكلا، لمَّا نسمع اللحن بصوت مرسال نشعر أنَّ الصوت كذلك فاعل في اللحن، وفي الأغنية، وكذلك ابن شامخ، الاثنان حاولا أن يُعطِيا اللحن دفقًا شعوريًّا خاصًّا بهما، لأن القصيدة – كما أعتقد – لقيَتْ هَوًى في نفوسهم، ولذلك كلٌّ تغنّى بمكلّاه، على طريقته المكلاوية الخاصّة.
– وعندما عاد بنا الحديث إلى مكلا الخمسينيات والستينينات ومطلع السبعينينات وهي الفترة الزمنية الباذخة بذكريات الصبا والشباب للشاعر العاشق خالد عبدالعزيز، حاولنا أن ننبش في دهاليز تلك الذاكرة العابقة بحنين الأيام المكلاوية الساحرة، ونستعيد مكلا الأمس التي تغيّر الكثير من ملامحها الإنسانية والتاريخية، فاندثرت معالمُ وبادتْ أمكنةٌ وشُوِّهَتْ آثارٌ واتسع فضاء المدينة ليشمل عددًا من المناطق والأحياء الجديدة، التي صارت اليوم منها .. وزاحمت الجبل والبحر العشق والمدى البعيد، كيف تبدو مكلا اليوم في سويداء عيون العاشق الشاعر أو سيّد عشاقها كما يصف خالد عبدالعزيز نفسه.
أنا أعتقد أن الوطن، أو مسقط الرأس هو اختزال للوطن كله، ومسقط الرأس يعد حقيبة الذكريات، نحتفظ بهذا الوطن في ذاكرتنا مهما اعتوره من مظاهر التغيير، المكلا بالنسبة لي لا تزال طفلة، كتلك المكلا التي عهدتُها عندما كنت أنا طفلًا أيضًا، المكلا – في نظري – لا تزال في نظري تلك المدينة البسيطة البيضاء، التي كانت تتمدّد بين حضن الجبل والبحر، والتي كانت تتغشّى أوديتها البساتين والنخيل، فأنا أنظر للمكلا العالقة في ذاكرتي، المكلا التي عشتُ فيها طفلًا، ولذلك ستلاحظ بعض القصائد التي أكتبُها عن المكلا صورة المكلا القديمة، إذ كانت فوّة فيها متنزَّهًا، وكانت فيها البساتين، وكانت الدّيس أيضًا عبارة عن متنزَّهٍ ومخرفٍ يُصيّف فيه الناس، خاصّة في موسم الخريف، هذه المكلا هي التي عهدتها وعرفتها في عهد الطفولة، لا تزال متشبّثة بذاكرتي، ولذلك لابد أن تتطوّر مع الزمن، غير أن ذاكرة الطفولة تحتفظ بمحيطها الذي تعوّدت عليه، لذلك لا زلتُ أنظر إلى مكلا الأربعينيات والخمسينيات، وأحتفظ بها في ذاكرتي، وإن تغيّرتْ في واقعها الحاضر.
في هذا النصّ احتفى الشاعر المبدع بالأمكنة التي عرفتْها المدينة في تشكُّلها الإنساني التاريخي، ففي برع السدّة وهو الاسم التاريخي لحي السلام، الذي بني خارج السدّة الأولى للمدينة، التي كانت تقبع في امتداد مسجد عمر باتجاه البحر، فاتسعت المكلا خارجَها فكانت برّع المكلاوية هي خارج السدّة، ويبدو أن أحبته الملهمين في هذا الحي، ألم يقل: أصحاب في برّع السدّة طوال لعناق – أي جمع العنق، وهم من وصف عشقهم قل في هواهم قاق، في لفظة موغلة في اللهجة المحلية المكلاوية وتعني الخضوع والاستسلام والانقياد دون تردّد أو تعنّت أو مقاومة تذكر.
والشاعر خالد عبدالعزيز العاشق لم يقف عند هذا الحي السكني الذي عاش وترعرع فيه، برّع السدّة بالأمس البعيد، حي السلام الماضي القريب واليوم، وإنما استعرض ما بقي من الأمكنة التي عرفتها المدينة، فالبارق والراعد يذكره بسيف أي شواطئ مدينة فوة، الامتداد الغربي لقلب المدينة المكلا، فهناك (الديس والشرج والحارة) وقد امتزجت هذه الأمكنة لتكتمل ملامح المكلا كما يعشقها سيدُ عشقاها خالد عبدالعزيز..
– ولأن الشاعر المبدع خالد عبدالعزيز هَامٍ بالمكلا تِيهًا وغرامًا فقد احتدَّ معاتبًا عاذله الذي يحاول ثنيه عن عشق فاتنته المكلا، قائلًا: (يا عاذلي لا تعالق علّقت قلبي في الخيصة على معلاق)، وهنا نجده قد استخدم هذه التراكيب الدالة، فمن فعل علّق، انبثقت لفطة معلاق، أي مكان التعليق أو خطّاف المشجب، وسبقتها لا تعالق: أي لا تكثر من العتب واللوم ورفع الصوت، فلن ينفعك ذلك بشيء، فالقلب قد تركتُه مُعلَّقًا على مشجب الرائعة الخيصة، وهو أحد الأسماء القديمة لهذه المدينة المعشوقة السامقة.
– الشاعر خالد محمد عبدالعزيز لم يُعرف إلا بهذه الرائعة الغنائية التي تجاوزت العقود الخمسة، ولم تزل قابضةً على عبق التاريخ الفنّي الغنائي لعشق المدن، وتكاد من النصوص التي سافرت إلى أرجاء المعمورة وتركت ولم تزل صدًى كبيرًا في قلوب الكثير من مُحبِّي حضرموت عامة والمكلا خاصة، ويبدو أن الشاعر خالد عبدالعزيز لم يستمر – كثيرًا – في فضاء الأغنية الحضرمية، وآثر – الفصحى – إذ لم يُعرف له بعد هذه الرائعة، إلا ثلاثة نصوص أخرى، لمْ تنلْ شُهرةَ بعد المكلا شاق، فهناك رائعته: (ع الكهر يصبر من بغى الحدّاد)، ومتنُها يغترفُ من القاموس الشعري ذاته، لرائعة بعد المكلا شاق.
مِنْ ظَبْـي عامِـدْ بَـرّع الـسِّده ** يِحْمَسْ بلا حِجِّة ونالُهْ سَاد
لا جِيْـت دِكْـدِكْ، قَفّـل الـسِّده ** حَتّى الحَمَسْ بَعْـُده رضى وِسْداد
لَكِنْ حَمَسْهُم زاد
***
يُوْمُهْ يِمُوّسْ لي وِلُهْ مُدّه ** قاعِدْ نِعِدْ عِيْـدان سَقْف الماد
لَوْ هُوْ طَلَبْنا القَلْـب بامُـدّه ** مِنْ وَقْت بِاليَدّين نابُهْ ماد
في القَلْب حُبُّهْ ماده
***
لا عْمَدْت حَدّي ماعَمَدْ حَدّه ** والقَلْب عَنْ دَرْب المحِب ماحاد
سَكّين طَرْفُهْ لا فـتِرْ حَدّه ** سَنُّه وقطّعْ في الحشا بالحاد
لي فَرّح الحُسّاد
***
ما شُفْت حَدْ يِعْنَدْ كما عِنْـدِه ** كم مِنَّهم صَالِيْت شَفْ وِعْنـاد
يِغْلَطْ ونا لي نِعْتِذِرْ عِنْدِه ** وِنْحُطّ بالقَهْوة كما نعتاد
صَابِرْ عَلَيْه مِعْتَاد
***
لَوْ كان مَرّة قـام عَا وَعْدِه ** وِصْدَقْ وِنَفّـذ شِيْ مـن الأوعاد
بَلْقَاه بالغَيّهْ وبالعِدّه ** باسِير بالمِشْعال لُهْ لَوْ عاد
مهما بَطَى الميعاد
وهناك رائعته التي قدَّمها لحنًا وأداء الفنان الكبير كرامة سعيد مرسال، وقد حصدت حضورًا في المشهد الغنائي، فلم تزلْ تتردّد بأصوات المبدعين حتَّى اليوم، ولكن لمرسال الفنّ كرامة سعيد عبقٌ خاصٌّ لحنًا وشَدْوًا:
ظَبْي مَنْ با يـصيبه ** دُوب يِمْشى خَبَبْ
بَخْت مَنْ هُوْ نصيبه ** ما ابْتَخَصْ في النصيب
لِيْه ياعِيْن تِبْكِي ** بَسْ كَفَى مِنْ نحيب
***
القِنَاصَةْ صِعِيبهْ ** والشَّبَكْ ما انْتَصَبْ
مِنْ مَسَافة قِريْبه ** مَنْ ضَرَبْ ما يصيب
لِيْه ياعِيْن تِبْكِي ** بَسْ كَفَى مِنْ نحيب
***
إيْش لي بايِجيْبه ** لا قَرَبْتِهْ هَرَبْ
كُلّ حَرْكَةْ تِريْبه ** وِايْش لي مِايِريْب
لِيْه ياعِيْن تِبْكِي ** بَسْ كَفَى مِنْ نحيــب
***
ظَبْي اللهْ يِثيْبه ** وسْط قَلْبي وَثَبْ
كلما جي كثيبه ** ضَاع بـيْن الكِثِيـب
لِيْه ياعِيْن تِبْكِي ** بِسْ كَفَى مِنْ نحيب
***
كان قَصْدِي نِهْيبه ** جا نِهَبْنِي وِهَبْ
وِايْش يِطْفِي لهِيْبه ** قَلْب يلْهَبْ لهيب
لِيْه ياعين تبكي ** بَسْ كَفَى مِنْ نحيب
***
إيْش هَذِي المـصِيبْه ** لا نَصَبْت النَّصَبْ
رَمْيتي ما تِصِيْبه ** وإنْ رَمَاني يصِيْب
لِيْه ياعِيْن تِبْكي ** بَـْس كَفَـى مِـنْ نحيــب
أما النصّ الشعري الغنائي الأخير الذي يُظهِرُ بعضًا من ملامح التجربة الشعورية للعاشق خالد محمد عبدالعزيز، فهو هذا النص الذي اتخذ فيه من حكمة المثل الشعبي منطلقًا لكل نوازع البوح الإنساني في لحظة صدق وانكسار، كقوله:
مَاحّدْ يِخَلّي ** ساس داره فوق طِين وِهْياس
والا يِعَلّي ** قَصْر لاقَدْ ماحَفَرْ للساس
البيت إلا من أساسه
ما يجي قط للخساسه **غير خس الناس
***
عَدّى مِعِلّي ** فوقنا لي كَان وَاطِي الراس
خَلّهْ يِوَلّي ** هان هُوْ ماهُنْت بين الناس
يُوْمُهْ تِبِعْ شَفّه وراسه
***
خاتمه مطلي ** غشنا خلط ذهب بنحاس
والفص لصلي ** جاب صهدود قال ألماس
مغشوش في صهده وماسه
ما يجي قط للخساسه ** غير خس الناس
– لقد استطاعت رائعة (بعد المكلا شاق)، أن تستحوذ على قلوب عُشَّاق المكلا، ولم تدع فرصة لأي رائعة أخرى أن تقترب من فضاء شهرتها وحضورها، على الرغم من تعدُّد التجارب الغنائية في عشق المكلا المدينة والناس والحياة، بما حملته من وجع البعد وانهمار الشوق في خلايا الوجدان، وهي المعاني التي وجدت صدًى نبيلًا لدى كلّ عشاق المكلا في داخل الوطن وخارجه، وأعطاها سمة البقاء والخلود حتى اللحظة.
فقرات مختارة
– كان قولي لهذه القصيدة عبارة عن موقف احتجاج ورفض ضد هذه المسمَّيات الجديدة الدّخيلة، وبذلك تراني عمدتُ إلى ذكر هذه الأسماء في القصيدة نفسها لأؤكّد على وجودها، وأؤكّد على الاحتجاج على اقتطاعها من مكونات المكلا.
– هذا الموقف الرّافض الاحتجاجي الذي تعبّر عنه هذه القصيدة لم يكن معروفًا في ذلك الحين، وإلا لحُوسِبتُ عليه، كان التفسير الغالب أنها قصيدة اشتياق للمكلا، وأنا سكتُّ ولمْ أحاول أن أقول ما هي مناسبة القصيدة، ولكنها في الحقيقة كُتِبت احتجاجًا ورفضًا لكل المسمَّيات الدّخيلة على المكلا.
– أنا اشعر أن الصبّان عندما كان يدندن باللحن وعمل البيت الأول، كان كأنه مشارك معي في كتابة القصيدة، اللهم كان يكتبها بالنغمات، واكتبها بالكلمات والحروف.
– محمد سالم بن شامخ أداها بطريقته الخاصّة، أراد أن يعطي المكلا شيئاً من عندياته، أراد أن يسهم في بناء الأغنية هذه بنفسه هو ، ولذلك ظهر بعض الاختلاف، ولكن القصيدة لها لحن واحد، ولكن! أداءات مختفلة.
– لما نسمع اللحن بصوت مرسال نشعر بأن الصوت كذلك فاعل في اللحن، وفي الأغنية، وكذلك بن شامخ، الاثنان حاولا أن يعطيا اللحن دفقاً شعوريّاً خاصّاً بهما، لأن القصيدة – كما اعتقد – لاقت هوى في نفوسهم، ولذلك كلٌّ تغنّى بمكلّاه، على طريقته المكلاوية الخاصّة.
– أنا اعتقد أن الوطن، او مسقط الراس هو اختزال للوطن كله، ومسقط الراس يعتبر حقيبة الذكريات، نحتفظ بهذا الوطن في ذاكرتنا مهما اعتوره من مظاهر التغيير، المكلا بالنسبة لي لا زالت طفلة، كتلك المكلا التي عهدتها عندما كنت أنا طفلًا أيضًا.