الشاعر السوداني الهادي آدم في رحاب مدينة العلم والمعرفة – غيل باوزير ( وقصة ميلاد كلمات أغدًا ألقاك)
دراسات
أ.د. محمد بن هاوي باوزير
السودان وغيل باوزير:
ارتبطت علاقة غيل باوزير بالسودان من خلال جاليتها من المعلمين السودانيين في مدارس الغيل، وطلابها المبعوثين للدراسة في السودان، ومن خلال معهد التربية بخت الرضا ومناهجه وأنظمته التعليمية وعلاقاتها بالمؤسسات التعليمية والتربوية في الغيل وحضرموت عامةً. وقد كان معهد بخت الرضا في السودان أبرز منارٍ للعلم، وحقلًا خصبًا للتجارب العلمية، التحق به غالب أبناء السودان، وقد أنشئ المعهد في عام 1934م في قرية بخت الرضا الزراعية الريفية بالقرب من الدويم على النيل الأبيض، وكان ذلك في فترة السيادة البريطانية على السودان، لتدريب معلمي المرحلة الابتدائية في هذا الموقع الريفي ذي البيئة النظيفة الزراعية والهادئة.
أما مؤسس المعهد فهو البريطاني المستر (قريفس) وعميدها الأول، وقد ساعد في تأسيس المعهد وتطويره نخبة من التربويين السودانيين والبريطانيين، منهم عبد الرحمن علي طه نائب العميد، وكان يتم اختيار الطلاب المتفوقين من مراحل التعليم الأساسي للالتحاق بالمعهد، وقد تخرج في معهد بخت الرضا عدد من طلاب البلاد العربية بما فيها أبناء حضرموت.
بالإضافة إلى ذلك مدرسة حنتوب الثانوية التي افتتحت رسميًا في مارس 1947م في موقع ريفي أيضًا (قرية حنتوب) بعيدًا عن مؤثرات الخرطوم السياسية والاجتماعية، وقد أنشئت في أيام الحكم البريطاني لتخدم جامعة الخرطوم، وكان لحنتوب الدور الرائد لترفد السودان والكثير من البلاد العربية كل عام بما يحتاجونه من كتائب خرّجيها، وقد تخرَّج فيها الكثير من أبناء حضرموت، كان أبرزهم الأستاذ فرج بن غانم رئيس الوزراء الأسبق وغيره، وهكذا كانت أيقونات التعليم الثانوي السودانية بحنتوب خالدة في ذاكرة خرّجيها السودانيين والعرب، والحضارم على وجه الخصوص، فهي أيام عزِّ التعليم السوداني .
كل ما تقدم كان من أسباب ارتباط حضرموت بالسودان، بل انتقلت إليها تلك التجارب التعليمية التربوية السودانية، واختيرت غيل باوزير لتلك التجارب لتمثل المنطقة التعليمية لحضرموت فترة حكم السلطنتين القعيطية والكثيرية، لتصبح الغيل قبلة للعلم والمعرفة بمدارسها كالمدراس الابتدائية والوسطى ودور المعلمين والمعهد الديني.
وعلى هذا الأساس وَفَد إلى حضرموت وخاصة غيل باوزير عددٌ كبيرٌ من المعلمين السودانيين منذ عام 1944م، وكذا المشرفون التربويون الذين زاروا غيل باوزير وحضرموت عامة ومنهم الأستاذ الشاعر الهادي آدم.
من هو الهادي آدم؟
الشاعر الهادي آدم من مواليد قرية الهلالية بالسودان (1927-2006م) ولا شك في أنه بدأ تعليمه مبكّرًا عبر خلوة من خلوات مدينته، أي عبر الزوايا والكتاتيب (العُلمه كما ينطقها الحضارم)، ومن ثم انتقل إلى التعليم النظامي في مدارس السودان، ولعل معهد التربية بخت الرضا أحد المحطات التعليمية للهادي آدم.
كما التحق بكلية دار العلوم بالجامعة المصرية، فحصل على درجة الليسانس في اللغة وآدابها، وحصل على دبلوم عالٍ في التربية من جامعة عين شمس، ثم حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة الزعيم الأزهري بالسودان، وعمل معلّمًا بوزارة التعليم بالمرحلة الثانوية بمدينة رفاعة، ومن ثم مشرفًا تربويًا.
أبرز أعماله الشعرية:
له عدد من الأعمال الأدبية الشعرية منها:
- ديوان كوخ الأشواق، صدر في عام 1962م، وجاءت أشعاره على أسلوب أهل التصوف ونمطه بالغزل في الذات الإلهية والتشوق للحياة الآخرة. ومن أعماله أيضًا، نوافذ العدم، ومسرحية سعاد.
- مرثية للرئيس العربي الراحل جمال عبد الناصر، وتعد من القصائد الجميلة بعنوان: (أكذا تفارقنا)، من مطبوعات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، القاهرة 1973م:
أكذا تفارقنا بغير وداع يا قبلة الأبصار والأسمــــــــــــــاع
ماد الوجود وزلزلت أركانه لما نعاك إلى العروبة ناع
- أغدًا ألقاك:
وهي من روائع الشاعر الهادي قصديته البارزة التي ذاع صيته وشهرته من خلالها، ولقاؤه بسيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم التي أبدعت في غنائها، بل (أغدًا ألقاك)، من الأغاني التي ما زال يتغنى بها الأجيال إلى اليوم، وقد وردت القصيدة الأصل بعنوان (الغد) في ديوان كوخ الأشواق، وكانت هذه القصيدة من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب بعد تعديل عنوانها إلى (أغدًا ألقاك) وكذا تعديل عبد الوهاب لمطلع القصيدة، وقد ألحق هذا التعديل ضررًا ملحوظًا بالمعاني العاطفية الرقيقة التي أراد الهادي أدم التعبير عنها في مطلع القصيدة الأصل بقوله:
أغدًا ألقاك وا..لهف فؤادي من غدِ
وأحيــيــك ولكــــن بفـــــــؤادي أم بيدي؟
وهذا المطلع الجميل يدل على عاطفته ومدى شوقه وحنينه عندما يلتقي بالمحبوب بعد طول فرقةٍ واحتجاب. وأما التعديل الذي فرضه وأقحمه الموسيقار عبد الوهاب على مطلع القصيدة قد ألحق أبلغ الضرر بالمعاني العاطفية الرقيقة.. بحذفه لعبارة:
(وا..لهف فؤادي) واختياره لعبارة (ياخوف فؤادي من غدي)، وشتان ما بين (اللهفة) و(الخوف) في حياة الإنسان من معاني وأبعاد.
كلمات الغد أو أغدًا ألقاك:
أغدًا ألقاك يا خوف فؤادي من غدِ
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعدِ
آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اغترابا
كنت أستدنيه لكن هبته لما أنابَ
وأهلت فرحة القرب به حين استجابا
هكذا احتمل العمر نعيمًا وعذابا
مهجة حرة وقلبًا مسه الشوق فذابا
أغدًا ألقاك
أنتيا جنة حبي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وإنطلاقي وشجوني
أغدًا تشرق أضواؤك في ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني
كم أناديك وفي لحني حنين ودعاء
يا رجائي أنا كم عذّبني طول الرجاء
أنا لو لا أنت لم أحفل بمن راح وجاء
أنا أحيا لغدٍ الآن بأحلام اللقاء
فأت أو لا تأتي أو فافعل بقلبي ما تشاء
أغدًا ألقاك
هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر
هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها العمر
هذه الدنيا عيونٌ أنت فيها البصر
هذه الدنيا سماءٌ أنت فيها القمر
فارحم القلب الذي يصبو إليك
فغدًا تملكه بين يديك
وغدًا تأتلق الجنة أنهارًا وظلا
وغدًا ننسى فلا تأسَ على ماضٍ تولَّى
وغدًا نزهو فلا نعرف للغيب محلا
وغدًا للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا
قد يكون الغيب حلوًا .. إنما الحاضر أحلى
أغدًا ألقاك
قصة ميلاد كلمات (أغدًا ألقاك):
تناولت بعض الصحف المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي (جوجل) قصة ميلاد كلمات هذه الأغنية، وأن ميلادها من على سطح سكن المعلمين السودانيين في الغيل (باللهجة الحضرمية من فوق الريم) في أمسية سودانية بنكهة غيلية، وبحسب المتداول أن الهادي آدم كان مدرِّسًا في المدرسة الوسطى بغيل باوزير، وعلى هذا الأساس ارتبطت قصة ميلاد (أغدًا ألقاك) بالغيل.. ولكن ذلك غير صحيح، ولا علاقة لميلادها بغيل باوزير، بل التبس الأمر على البعض بين ميلاد (أغدًا ألقاك) وبين زيارة الهادي آدم لغيل باوزير وقصديته ليالي الغيل.
الأستاذ والشاعر الهادي آدم في غيل باوزير:
امتدادًا لجسور العلاقات السودانية الحضرمية قام الشاعر الهادي آدم بزيارة عمل لحضرموت (المكلا)، وبدعوة من زملائه المعلمين في غيل باوزير قام بزيارتها، واستقبلته الغيل في زمن كانت فيه روضة تُسِرُّ الناظرين، وقبلة يؤُمُّها الدارسون من أنحاء حضرموت وخارجها في مدارسها الحكومية وخاصة المدرسة الوسطى (1944-1969م)، والثانوية الصغرى ومدرسة المعلمين (1949-1969م)، والمعهد الديني المرتبط بالأزهر وأساتذته في مصر (1949-1969م)، بالإضافة إلى رباط غيل أبي وزير (1910-1969م) المتخصص في علوم الدين وتعلّم القضاء الشرعي، الذي تخرَّجت فيه أفواج متعلمة مبادئ اللغة والدين، وكذلك القضاة الشرعيون الذين تقلدوا مناصب قضائية في أنحاء واسعة من ألوية السلطنة القعيطية.
وقد أثارت زيارة الشاعر الهادي آدم لغيل باوزير كثيرًا من اللغط، فهناك من يعتقد أن الهادي كان معلمًا ضمن الطاقم التعليمي السوداني في المدرسة الوسطى بالغيل، وعلى أنه في إحدى ليالي الغيل وأمسيات المعلمين فيها، على سطح (ريم) سكن المعلمين بمنطقة الصالحية بالغيل كان ميلاد كلمات (أغدًا ألقاك)، وكما سبق أن أشرنا أن هذا غير صحيح لأسباب عدَّةٍ، منها أن الهادي لم يكن ضمن قوائم المعلمين السودانيين منذ تأسيس المدرسة الوسطى (1944-1969م)، بل جاء إلى حضرموت في زيارة عمل كمشرف ومفتش امتحان الشهادة الثانوية في ستينيات القرن العشرين، وكانت توجد حينها ثانوية واحدة في المكلا عاصمة السلطنة القعيطية (تأسست 1962م)، إذن الهادي آدم لم يكن معلمًا في حضرموت وخاصة غيل باوزير، بل جاءها زائرًا لفترة قصيرة كمشرف ومفتش تربوي؛ لأن حقل التربية والتعليم كان مرتبطًا بكل مراحله بنظام التعليم بالسودان حتى عام 1967م.
أما علاقة الشاعر الهادي آدم بغيل باوزير فقد جاءها زائرًا بدعوة من أحد زملائه المعلّمين السودانيين، وقد تم تقديمه أمام الحضور كأديبٍ وشاعرٍ. تجوَّل الهادي آدم في المدينة عندما كانت روضة تسر الناظرين، وزار مدرستها الوسطى. وفي أمسية سودانية أبدى إعجابه بالغيل وجمالها الريفي الزراعي، وحفاوة الاستقبال، وما تشهده من نهضة تعليمية، وقد عَبر عن ذلك في بعض الأبيات الشعرية التي سنوردها لاحقًا.
غيل باوزير في عيون الشاعر الهادي آدم:
عند زيارته للغيل وإعجابه بها نجده يصف المنطقة الزراعية ومعايينها (بساتينها)، كما يصف الصالحية كمنطقة تعليمية حافلة بمؤسساتها التعليمية والثقافية، كمنطقة حيوية تعليمية لحضرموت، وعرفت بالصالحية نسبة للسلطان صالح بن غالب القعيطي منذ العام 1936م، وفي عهده شهدت حضرموت نهضة تعليمية وثقافية، بل عُرف عهده بعهد المعرفة والإصلاح الشامل، وكان الأستاذ محمد عبد القادر بافقيه عميدًا لتلك المنطقة التعليمية.. لذلك حظيت غيل باوزير بهذا البوح من الهادي آدم المعنونة بـــ (ليالي الغيل):
ليــــالي الغــــيل:
يا ليالٍ بالغيل أثريــــن إحســــاسي
وهيــــــجن من كـــوامن وجـــــــدي
حين مالت بي الركاب على (الريان)
استـــــــــــــنجد الــــــــــتنايف وحـــــــدِي
أسال الناس عن ديار أمرئ القيس
وأبـــــكي علـــى مضــــارب سعــــدِ
ما وقوفي هنا على جبل بالغيل
مستــــحصد الشكيــــــــــمة جــــــــلد؟
أكبـــــــــرت صبره الليالي وملَــت
صمته البيد بـــــــين غـــــــور ونجــــدِ
ترتمي الواحة الحزينة حســـــري
تــــحت أقــــدامه أســــيــرة وجــــــــد
وهو يـــنأى بــــــجانب مــنه تـــياه
ويـــــــزهـــــو بهــــــــامه المــــــــــتحدي
واليــنابيـــع لم تــزل من قـــــرون
عـــبـــر وادي تبـــــــــــــاله المـــمــــتــــــدِ
طــالمـــا نـــضرت يداهــا لجيد الشعر
عـــــقــــــــــــدًا مـــــــــنضــــــددا أي عـقـــــدِ
ألبســـــته هـــنـــا غـــلالـــة مــــرط
وحـــبـــته هـــــنـــاك جـــنــــة خـــــلـــــــــد
وأرى الســـاحـــل اليـــمانـــي مـــازالــت
تـــوالــيـــه بــيـــن جـــــزر ومــــــد
يـــرســل المـــوج كالجــــبال فـــتفـــنى
فـــي جـــــبال على الشـــواطئ صلد
شـــامخـــات لـــولا تمـــاسكـــها مادت
بــنــا الأرض تحـــت خـــصم ألــــد
مســـحت ذكريـــات سيف بن ذي يزن
ومــــا قــــــاد مـــــن رجــــال وجـنـــد
وتــــناســت أمجـــاد عمرو بن كلثوم
واعـــــصـــافــــــه بــــعمرو بن هــــــند
حــــينــما عاد بالمــــلـــوك اســـاري
تـــجـــتـــلـــي قبائــــــل مــــن مــــــعد
أيهـــا البحر كـــم بجـــوفــك من كـــون
عجيــــب يـــعطـــي الـــحيــاة ويـــردي
قــد وعــتـــه الجــبـــال عــــنك زمانـــًا
لـــــو تـــعيـــد الجـــبـــال يومـــًا وتــبدي
وختامًا. فالهادي آدم تربويٌّ وأديبٌ وشاعرٌ، اشتهر برائعته الغنائية (أغدًا ألقاك) التي تغنت بها سيدة الطرب والغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم، أمَّا غيل باوزير فقد حظيت بزيارة هذا الشاعر السوداني وبأمسية أدبية ليقذفها بذلك البوح وتلك الأبيات الشعرية الرائعة المعبِّرة عن إعجابه بمدينة العرفان- غيل باوزير. مدينة العلم والمعرفة (ياليالٍ بالغيل..)
المراجع:
- علوي سالم مدهر: التربوي المدرب الرياضي محمد طه الدقيل (1935-2014م)، مكتبة الصالحية للنشر والتوزيع، 2019م.
- مجلة الفكر، العدد(24)، الصادر في غيل باوزير 2004م.
- محمد سعيد القدال: الشيخ القدال باشا (معلم سوداني في حضرموت، ومضات من سيرته 1953-1975م، دار جامعة عدن 1997م.
- محمد سعيد مديحج: المدرسة الوسطى الأم، ط1، العربية السعودية، جدة.
بالإضافة بعض المعلومات المآخوذة من قوقل.