شخصيات
محسن علوي أبو بكر باعلوي

مقدمة
الحَمْدُ للهِ ناشرِ الثَّناء عَلَى مَن يشَاءُ مِن عِبادِهِ العُلمَاء، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خَاتَمِ الأنْبيَاء، وإمامِ الأتقيَاء، وعلى آلهِ أهْلِ الفَخْرِ والاصْطِفَاء، وأصْحَابِهِ نُجومِ الاهتِداء، وبُدورِ الاقتِداء.
وبَعْدُ: فهذهِ تَرْجمَةٌ للعَلَّامة النَّبيه، والشَّيْخ الفَقِيه: عُمَر بن حَاج باقُمْري، قَيَّدتُها مِن لفظِ فِيْهِ، ورقمتُها من دُرر لآليْه، وهي خُلاصة أكثر من عشر جلسات مع جَنابهِ ومَعَاليه، وقد زدتُ فيها ما يتعلق بتراجم شُيوخِهِ ومُعلِّمِيه، [وسميتها بـ(النَفْح العِطْري في ترجمة العلامة الفقيه عمر بن حاج باقمري]، ونسألُ اللهَ أنْ يُزيِّنَ بإفادَةِ الأنامِ أيامَهُ وليَالِيه، ويجعلَ ما كتبناه ممَّا يُبتغَى به وجْهُه ومَراضِيه؛ إنَّه جوادٌ كريمٌ حكيمٌ فيْمَا يُقدِّره ويقْضِيه.
[وبحكم أن الشيخ اطلع على الترجمة وقرَّظ لها، فقد أبقيتها كما هي، وجعلت الزيادات التي زدتها بعد وفاته بين قوسين معقوفين].
وهذا أوانُ الشّرُوع في المقْصُود.
اسْمُهُ:
هو الشَّيْخ الفَاضل: عُمَر بن حَاج بن مُبَارك بن مُحمَّد باقُمْري.
وَالِدُهُ:
حَاج بن مُبارك باقُمْري، كان يعمل في الزراعة، وهو من أهل بلدة (غَفِّيْت): بفتح الغين، فكسر الفاء المُشدَّدة، وسكون الياء، آخرها تاء مفتوحة: قرية قرب بلدة العُيون [تشرف على وادي حويرة، بها ماء ونخل]، وتقع ضمن مديرية غيل باوزير.
[وجده: مبارك بن محمد باقمري كان مزارعًا كذلك، وكان يملك نحو نصف مزارع بلدة (زِمَن)].
أُمُّهُ:
مِن آل باقُمرْي من أهل بلدة (زِمَن باهِبري)، وهي (زِمَن السُّفْلى)، وهي تابعة لأرياف المُكلَّا، وتقع في وادي حِمَم: بكسر الحاء.
إخْوَتُهُ:
له من الأخوة خمسة: أربعة ذكور، وأخت واحدة توفِّيت وهي صغيرة.
مَوْلدُهُ ونشْأتُهُ وبِدايَةُ طَلَبِهِ للعِلْم:
وُلِد -[رحمه الله]- في بلدة (زِمَن باهِبري) بتاريخ: (2/5/1944م) على ما دُوِّن في بطاقتهِ الشَّخصيَّة، ثُمَّ نُقِل وهو ابن الأشهر إلى قرية (غَفِّيْت)، ثُمَّ انتقل وهو صغير إلى السَّكن في بلدة (كَثِيبَة) القريبة من (غَفِّيْت)، وقد انتقل إلى كثيبة جميع آل باقُمْري السَّاكنين بغفِّيت.
[و(كثيبة): بلدة بقرب العيون تتبع غيل باوزير].
وبداية طَلَبِهِ للعِلم كانت برباط غيل باوزير، فقد كان يذهب مع صديقِهِ ونسيبه أحمد بن سالمين باقُمري من بلدة (كثيبة) إلى رباط الغيل مشياً على الأقدام، فيُصلِّيان في الرباط صلاة العصر، ثُمَّ يحضران درس البخاري للشَّيخ أحمد باغوزة شيخ الرباط في حينه، وكان يقرأ «البخاري» مع الشَّيخ باغوزة جملة من الشّيُوخ منهم: الشَّيخ سَعِيد بن عبدالصَّمد ابن قُويرة باوزير، والشَّيخ عَوَض بن خميس بارادم، والشَّيخ مُحمَّد عَتْعُوت باوزير، والشَّيْخ أحْمَد بارَفْعة، ودرَسَ عند الشيخ أحمد باغوزة بعض المتُون الفقهيَّة المُختصرة بعد درس «البخاري» كما سيأتي بيانه.
وحَضَر في هذه المُدَّة دروس قاضي الغيل الشَّيخ علي بن سعيد بامَخْرَمة في رمضان بعد عصر كل ليلة في المسجد الجامع.
ثم انتقل بعد ذلك إلى المُكلا بقصد طلب العِلم، وقَصَد الشَّيخ سعيد بن عمر باوزير، وسكن عنده في غُرفة في بيته الكائن بالحارة جعلها الشَّيخ باوزير لطلبة العِلم، وهي في الأصل غُرفة الضّيُوف، وسَكَن معه من طلبة العِلم: مُحمَّد باعِبْيَة العَكْبري، وسيول عمر من حَجَر(1)، ومُحمَّد سعيد باغِييل.
[وكان في هذا الوقت يشتغل ببيع اللخم في خلف بالمكلا، وكان الشيخ سعيد باوزير يعينهم في نقله].
مَنْ عُرِفَ بِطَلَبِ العِلْمِ مِن آل بَاقُمْري:
1-صَالِح بن يِسْلَم باقُمْري:
من طلبة رباط غيل باوزير، أخَذَ به عن السَّيد محسن أبي نُمَي، والشَّيخ أحْمَد باغوْزة، والشَّيخ مُحمَّد بلَّحَيْد باوزير، وكان ضمن طلبة الرباط سنة (1357هـ)، و(1358هـ) في دَفعة سعيد بن عُميران، وأبي بكر بن الشَّيخ مُحمَّد بلَّحَيْد، ثم أصبح في الدرجة السَّابعة سنة (1359هـ) في دَفعة يسلم رَجَب، ومحفوظ باسواقي، وكذا سنة (1360هـ)، وفي الدرجة الثانية سنة (1361هـ) في دَفعة إبراهيم مُشمَّع باوزير، ومُحمَّد عَتْعُوت باوزير، وقد ذكرناه في كتابنا: «مُعجم تلامذة السَّيد محسن أبي نُمَي».
2-أحْمَد بن سَالمِين باقُمْري:
صديق الشَّيخ عُمر باقُمري في طلب العِلم، وهو في الأصل من سُكَّان المُكلا، وكان ينزل أيام الخريف إلى بلدة (كَثِيْبة)، وقد طلب العِلم في رباط الغيل بصحبة صديقه الشَّيخ عُمر باقُمري، وفي الغيل حضر دروس الشَّيخ أحْمَد باغوزة في البخاري، وحضر عنده أيضاً في بعض المُختصرات الفقهية كـ«السَّفينة»، أو «المُخْتصَر اللَّطيف».
وفي المُكلَّا أخذ عن الشَّيخ سَعِيد باوزير، وعن الشَّيخ عبدالقادر بن سعيد بن علي الحَاج في مسجد (ورْسَمَا)، وعن الشَّيخ سعيد الرباكي، وعن القاضي مُحمَّد باجُنَيد قرأ عليه «المُقدِّمة الحَضْرميَّة» في مسجد (عُمر).
ثمَّ اشتغلَ بالتِّجارة، وانقطع عن مُدارسة العِلم، وقد ذكرناه ضمن تلامذة الشَّيخ مُحمَّد باجُنيد في ترجمتنا للشَّيخ باجُنيد المُسمَّاة بـ«حُلَل الأيد»(2)، وكذا ضمن تلامذة الشَّيخ عبدالقادر ابن علي الحَاج في ترجمتنا المُسمَّاة بـ«الابتهاج بترجمة الشَّيخ الفَقِيه القَاضِي عَبْدالقَادر ابن عَلي الحَاج»(3).
زَوَاجُهُ:
1-تزوَّج وهو في سن أربع عشرة سنة، أرغمه والده على أن يتزوج بابنة عمِّه، وكانت تكبره سناً، ولم يكن الشَّيخ راضياً بذلك، فذهب إلى أخواله في بلدة (زِمَن) وكلَّم جدَّه ليتوسط له في فراقها، فتمَّ له ذلك، وقد رُزقَ منها بابن وبنت تُوفيا.
ثُم ذهب إلى بلدة (ثِلَة العُليا) من أرياف المكلا وهو أعزب للإمامة في مسجدها، [وسكن في بيت الفضلي قريباً من مسجد باراجح]، ومكث مُدة يسيرة وهو كذلك.
2-ثم تزوج وهو في ثلة بامرأة من آل باحِشْوان من المُكلا، وجلس معها نحو سنتين، ولم تنجب له، فأخبرها بأنه يريد أولاداً، ويريد أن يتزوج، فرفضت البقاء معه، وفضَّلت الفراق على أن يتزوج عليها، ففارقها.
وقد مكثت معه أغلب مُدة مكوثه في ثِلة العُليا، ونحو شهر في الشَّرج بعد رجوعه من ثلة، ومكوث الشَّيخ بثلة يقرب من السنتين.
[وأخبرني أنه أدرك في ثلة منصب آل باعلوي وثله العليا جدنا الحبيب عمر بن محمود بن عبدالله باعلوي، قال: أدركته وهو شيخ كبير].
3-ثُم تزوَّج بامرأة أخرى من آل باحِشْوان من المُكلا، وأصولها من بلدة (الهُوْته): بلدة بأرياف المكلا، [وهي أم أولاده الكبار].
وسكن الشَّيخ عُمر في باعبود بالشَّرج في بيت استأجره [ويقع في الجهة البحرية لمسجد باعبود] وتعود ملكيته للسَّيد هاشم بن محمُود بن علي باعلوي كان وزيراً في دولة الواحدي، وهو من آل باعلوي أصحاب فوَّة، ثم بعد مُدة بنى الشيخ باقمري له بيتاً في حافة باعبود قريباً من مسجد باعبود.
4-[ولما انتقل إلى المهرة لم توافق زوجته على الانتقال معه، فتزوج عليها، وقد انجبت له هذه الأخيرة أولادا](4).
أوْلادُهُ:
له ستة ذكور، وثلاث بنات، والذكور هم:
1-سامي.
2-ومحمد.
3-وحسين.
4-وفهمي.
5-وصلاح الدين.
وله من زوجته الأولى ولدان: ابن وبنت توفيا صغاراً.
شُيُوخُ الشَّيخِ عُمَر باقُمْري:
1-الشَّيْخ العَلَّامَة المُرَبِّي أبو مُحَمَّد أحْمَد بن مُحَمَّد باغوْزَة (1309-1398هـ):
وُلِد بغيل باوزير سنة (1309هـ)، وتخرَّج بالفقيهِ الأزهري مُحمَّد ابن سِلم (ت:1329هـ)، ثم رَحَل إلى سيون بعد وفاة ابن سِلم، وأخذ عن الإمام السَّيد علي بن مُحمَّد الحبشي (ت1333هـ)، وقرأ كذلك على الشَّيخ عُمر بادُبَّاه (ت1367هـ) بالصداع، وله إجازة من الشَّيخ المُحدِّث عُمر المحْرَسي (ت1368هـ)، ومن الفقيه ابن سِلم، وتولى مشيخة الرباط بعد وفاة زميله السَّيد محسن أبي نُمَي (ت1379هـ)، واستمر عليها حتى وفاته سنة (1398هـ)(5).
ويُعدُّ الشَّيخ أحْمَد باغوزة أوَّل شيخٍ فَتقَ قلبَ الشَّيخ عُمر باقُمري بالعِلم، دَرَسَ عليه أكثر من سنة، كان يذهب إلى الرباط من بلدة (كثيبة) مشياً على الأقدام مع صديقه أحمد بن سالمين باقُمري، ويصليان العصر في الرباط ويحضران درس الشَّيخ أحمد باغوزة في «صحيح البخاري»، وأخذ عنه أيضاً بعد درس البخاري بعض المتون الفقهيَّة المُختصرة كـ«أبي شُجاع»، أو(6) «المُختصَر اللطيف»، إضافة إلى المناقشات والأسئلة العلميَّة، وكل ذلك بعد العصر، وكان الشَّيخ أحمد باغوزة يجلس بالقُرب من الباب البحري للرباط بعد درس البخاري.
قال الشَّيخ عُمر باقُمري: «وكان الشَّيخ باغوزة شديد الحياء والوَرَع، وله عمامة يسدُلها حتى لا يَرى بعينيه شيئاً آخر».
وقال: «ما رأيتُ في الوَرَع مثل الجُوهي في المُكلا، ولا باغوْزة في الغيل».
وقال: «وممَّا عَلَقَ بدهني أنه سُئل –يعني باغوزة- عن الأوضاع في البلد، وذلك في بداية عهد الجبهة القوميَّة، فقال: دعِ الاعتراضَ فما الأمرُ لك، ولا الأمرُ في حَرَكاتِ الفَلَك، الأمرُ للهِ عزَّ وجل، وما شاءَ الإلهُ فَعَل».
2-قَاضِي الغَيْل الشَّيْخ عَلِي بن سَعِيْد بن أحْمَد بامَخْرَمَة (1314-1389هـ):
وُلِد بغيل باوزير سنة (1314هـ)، وأخذ عن الشَّيخ مُبارك بن أحمد باحِمْدان (ت:1344هـ) أحد طلبة الفقيه ابن سِلم (ت:1329هـ)، ثم رحل إلى سيون، وأخذ بها عن الإمام السَّيد علي الحبشي (ت1333هـ)، ووُلِّي بعد ذلك قضاء غيل باوزير سنة (1345هـ)، ولم يستمر فيه طويلاً، ثم وُلِّيه مرة أخرى سنة (1357هـ)، واستمر فيه إلى أن تقاعد سنة (1376هـ)، ورحل إلى عدن بقصد العلاج، وتوفي بها سنة (1389هـ)(7).
والشَّيخ باقُمري حضر دروس الشَّيخ علي بامخرمة التي كان يلقيها في رمضان بعد صلاة العصر مباشرة في المسجد الجامع –جامع عبد الرحيم بن عمر باوزير-، وكان يقرأ في كتاب في فضائل الصَّلاة على النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام.
قال الشَّيخ عُمر باقُمري: «ودرْسه جميلٌ جداً، وصوتُه واضحٌ جميل ما تريده أن يقف، ولا أحد يقوم من الحاضرين، ولا زالتْ بعض مسائل الدرس عالقة بدهني إلى الآن، منها قصة المُرْبي الذي تحوَّل رأسُهُ عند موتهِ إلى رأس حِمار، ومن ذلك الوقت وأنا أُحب الصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلَّم».
3-الشَّيْخ سَعِيْد بن عُمَر بن عَوَض ابن طَاهِر باوزير (1357-1426هـ):
وُلِد بالمُكلا سنة (1357هـ)، وأخذ العِلم عن السَّيد القاضي حُسين بن مُحمَّد بن الشَّيخ أبي بكر (ت1425هـ)، وعن الشَّيخ القاضي عبدالله بن عَوَض بُكير (ت1399هـ)، والشَّيخ مُبارك الجُوهي (ت1394هـ)، والشَّيخ القاضي مُحمَّد بن عبدالله باجُنيد (ت1395هـ)، والعلامة السَّيد عبدالله بن محفوظ الحداد (ت1417هـ).
توفي الشَّيخ سعيد باوزير رحمه الله في (18 ربيع أول سنة 1426هـ) = (27/4/2005م)(8).
ويُعدُّ الشَّيخ سعيد باوزير أوَّل شَيْخٍ للشَّيخ باقُمري عند قدومه إلى بلدة المُكلا، وأعظم شيخٍ له في بدايات الطَّلب، وفَتْحِ الأبواب، فإنَّ الشَّيخ باقُمري أول ما نزل المُكلا سكن عند الشَّيخ سعيد باوزير في غُرفة في بيته الكائن بالحارة، وهي غرفة الضيوف جعلها الشَّيخ باوزير لسكن طلبة العلم الغرباء، وسكن معه في هذه الغرفة مُحمَّد باعِبْيَة العَكْبري، وسيول عمر باحسن من بلدة حَجَر، ومُحمَّد سعيد باغِييل.
[وفي هذه المدة كان يشتغل ببيع اللخم في خلف، وكان الشيخ سعيد باوزير يعينهم في نقله].
ومكث عند الشَّيخ باوزير أربع سنوات دَرَس عنده كتباً عدَّة: كـ«تنوير القلوب» للكُردي، و«سفينة النَّجَاء»، و«نَيْل الرَّجَاء»، و«المُقدمة الحَضْرَميَّة»، و«شرح ابن قاسِم»، و«فَتْح المُعين»، ودرس عنده كذلك التَّوحيد والتَّصوف.
4-الشَّيْخُ القَاضِي عَبْداللهِ بن عَوَض بن مُبَارَك بُكَيْر رَئِيس مَجْلس القَضَاء العَالي (1314-1399هـ):
وُلِد بغيل باوزير سنة (1314هـ)، واشتغل على الشَّيخ عُمر بادُباه (ت1367هـ)، ولازمه نحو خمسة عشر عاماً، وأخذ عن الشَّيخ عُمر بن يعقوب باوزير (ت1360هـ)، ورحل إلى سيون وأخذ عن الإمام السَّيد علي الحبشي (ت1333هـ)، ووُلِّي القضَاء بالمُكلا سنة (1351هـ)، ثم وُلِّي رئاسة المجلس العالي، وتوفي سنة (1399هـ)(9).
والشَّيخ باقُمري حَضَر دروسَ الشَّيخ عبدالله بكير التي كان يلقيها في مسجد الرَّوضة بالمُكلا بعد صلاة العصر في شهر رمضان، وكانت هذه الدروس التي حضرها الشَّيخ باقُمري هي آخر دروس الشَّيخ بكير في مسجد الرَّوضة، إذ ضعُفتْ صحتُهُ بعدها؛ فلم يستطع إقامتها، فأقامها بدلاً عنه ابنه الشَّيخ عبدالرَّحْمَن.
وقد حَضَر الشَّيخ باقُمري جميع هذه الدُّروس –أي دروس الشيخ عبدالله-من أوَّل شهر رمضان إلى آخره، وكان الشَّيخ بكير يشرح حديثَ عُمر في أركان الإسلام، واستغرق ذلك منه جميع الشهر.
يقول الشَّيخ باقُمري: «وشرْحُه جميلٌ، ما تود أن تقوم منه، وصوتُهُ جهوري، وكلامه مُرتَّب، لا تمل من مجالستِهِ».
5-الشَّيْخ أحْمَد بن العلَّامَة عَبْداللهِ بن مُحمَّد ابن طاهِر باوزير (1341-1419هـ):
وُلِد بالغيل سنة (1341هـ)، ونشأ بمدينة المُكلا، واشتغل بالتَّدريس، وعَمِل مُدرساً في كثيرٍ من المدارس في المُكلا والغيل وغيرهما، ودرَّس بالمدرسة الشَّرقية بالمُكلا ومن طلبته بها الأستاذ سعيد بن العلامة عبدالله بكير، وعُين مديراً للمدرسة الوسطى بالغيل، وقام بالخطابة في مسجدي عمر والشُهداء بالمُكلا، وارتحل إلى الحجاز وعَمِل إماماً وخطيباً لمسجد المشورة بجدة، وله إجازة من العلامة المحدِّث عُمر المَحْرسي، وتوفي سنة (1419هـ) .
والشَّيخ عُمر باقُمري درَسَ على الشَّيخ أحْمَد ابن طاهر في بلدة (ثلة العُليا) كتاب «قَطر النَّدى»، وكان للشَّيخ أحْمَد ابن طاهر بيت في (ثلة) ينزل فيه أيام الخريف، وقد التقاه الشَّيخ باقُمري عندما تولى إمامة مسجد باراجح بـ(ثلة)
[قال لي الشيخ عمر: (عندما كنت في ثلة قلت للشيخ أحمد ابن طاهر: أريد أن أدرس النحو عندك، وكان هذا في أيام الخريف، ففتح لي قطر الندى، وكنت مبتدئاً، فلم أفهم شيئاً.].
6- الشَّيْخ عَبْداللهِ بن أحْمَد النَّاخبي (1317-1428هـ):
وُلد سنة (1317هـ) بجبل يافِع, وانتقل إلى (حضرموت)، واشتغل بتحصيل العلم سنة (1333هـ) على الشَّيخ سالم الكلالي (ت1362هـ) ببلد (تَبَالَة) من قرى الشِّحر, ثم انتقل إلى (المكلا) وقرأ على السَّيد محسن بن جعفر أبي نُمي (ت1379هـ) في الحديث: البخاري ومسلم، وفي التفسير، وفي علم المنطق، والبلاغة، والبيان، وعلم الأصول، وهو صاحب فِطنة وذكاء، وشهامة، وله معرفة بالتاريخ والأدب والأنساب, وُلي نظارة المكتبة السُّلطانية، وشَغَل سكرتير لجنة الشُّؤون الدينية وعَمِل مفتشاً عاماً في المعارف ثم نائباً عن مدير المعارف, ثم رحل إلى (الحِجاز) وأقام (بجِدَّة) وتديَّرها، ووُلِّي إمامة وخطابة مسجد بابيضان, توفي سنة (1428هـ)(10).
والشَّيخ باقُمري دَرَس على الشَّيخ عبدالله النَّاخبي في مسجد بازرعة بحي السلام بالمكلا في غرفة خاصة بالإمام في الصَّباح، وذلك عندما تقاعد الشَّيخ النَّاخبي، دَرَس عليه: «المُلحة»، و«شرح ابن عقيل على الألفية».
7-الشَّيْخ مُبَارك بن سَالِم بن مُحَمَّد الصَّدَفي الجُوْهي (1318-1394هـ):
وُلِد ببلدة (رَيْدَة الجُوهِيين) سنة (1318هـ)، وطلبَ العِلمَ برباط تريم، أخذ به عن العلامة السَّيد عبدالله الشَّاطري (ت1361هـ)، وارتحل إلى الحِجاز وأخذ بها عن السَّيد علوي المالكي، والشَّيخ عُمر المَحْرسي (ت1368هـ)، واشتغل بالإمامة في مساجد عدة بالمُكلا منها مسجد بازرعة، ومسجد بايعشوت، ثم انتقل إلى مسجد النُّور بعد وفاة إمامِهِ الشَّيخ عَوَض بن سالم بِلَّقْدي (ت1354هـ)، واستمر على إمامة المسجد نحو (35) سنة، وتوفي في (28 صفر 1394هـ) بمدينة الخُبَر بالسُّعودية(11).
والشَّيخ عُمر باقُمري أخذ عن الشَّيخ مُبارك الجُوهي بمفردهِ بعد صلاة الفجر في مسجد النُّور بالحارة دَرَس عليه «الآجروميَّة» بشرح دحلان مرتين أو ثلاث مرات، وأخذ عنه كذلك ببيته الكائن في المنقد بالشَّرج في الصَّباح في حدود السَّاعة التاسعة والنصف.
ودرس عليه كُتباً عدة مثل «منهاج النووي» درسه عليه مرتين، في المرة الأولى لم يكمله، وفي المرة الثانية افتتحه وأكمله، ودرس عليه كذلك «مُتمِّمَة الآجروميَّة»، و«المُلحة»، وكتاب «قَطْر النَّدى» مرتين ولم يكمله، و«الرَّحبية» في الفرائض.
[وقال لي في بعض جلساته: (ثم ذهبت إلى الشيخ مبارك الجوهي، ودرست عليه الآجرومية، ثم شرح دحلان عليها، ثم حاشية الكفراوي، ثم الكواكب الذرية، ثم القطر، والشيخ الجوهي أكثر من استفدت منه في النحو].
وذكر لي أن أخذه عن الشَّيخ مُبارك الجُوهي كان بعد سفر الشَّيخ النَّاخبي إلى الحجاز.
[قلت: ولعله نسيان من الشيخ؛ فإنه أخذ عن الشيخ الجوهي بدايات النحو إلى أن وصل إلى القطر، بينما أخذ عن الشيخ الناخبي شرح ابن عقيل، وهذا يقتضي أن يكون أخذه عن الناخبي متأخراً، ويمكن أن يحمل كلامه على دراسة الكتب الفقهية، يعني أن دراسته للكتب الفقهية عند الجوهي كانت بعد سفر الشيخ الناخبي، بخلاف كتب النحو، والله أعلم].
ويصفه الشَّيخ باقُمري بالوَرَع، قال: «ما رأيتُ في الوَرَع مثل الجُوهي في المُكلا، ولا مثل باغوزة في الغيل».
8-الشَّيْخ القَاضِي عَبْدالقَادِر بن سَعِيْد ابن عَلِي الحَاج اليَافعِي (1335-1420هـ):
وُلِد سنة (1335هـ) في ساحة ابن علي الحَاج بالقَطن، وتلقى العِلم بتريم، وأخذ بها عن العلامة عبدالله الشَّاطري، ثم انتقل إلى غيل باوزير، وأخذ برباطِها عن السَّيد محسن أبي نُمَي (ت:1379هـ)، وعن الشَّيخ أحْمَد باغوزة (ت:1398هـ)، ثُمَّ دَرَس القَضَاء عند السَّيد محسن أبي نُمَي في كورس القضَاء الثاني، ووُلِّي القضَاء بحَجَر، وعَمِد والمُكلا، ودوعن، ووُلِّي الإمامة بمسجد ورْسَما بشرج المكلا، ثم بجامع الشَّرج، ثم رحل إلى الحِجاز ووُلِّي الإمامة ببعض مساجدها، وتوفي بمدينة رسول الله في (7/12/1420هـ)، ودُفن بالبقيع(12).
درَسَ عليه الشَّيخ باقُمري «المُقَدّمَة الحَضْرَميَّة»، و«متن أبي شُجَاع»، و «ابن قاسِم على أبي شُجاع»، و«الزُّبَد»؛ لكنه لم يكمله أي الزُّبد، وكل ذلك بعد العصر في مسجد (ورسَما)، في الوقت الذي كان يُدرِّس فيه طلبة كورس القضَاء في الصَّباح.
قال الشَّيخ عُمر: «وفي الفترة التي كنتُ أدرس عنده كان يُدرِّس –أي الشَّيخ عبدالقادر- في كُرس القضَاء دَفعة سعد باشُكيل، وعبدالرَّحمن باعبَّاد (بالرَّصع)، وآخرين، طلبَ مني أن التحقَ بكرس القَضاء، فقلتُ له: لا أرغب في القضاء».
قلتُ: وأخبرني الشَّيخ عُمر سابقاً أنَّ الشَّيخ عبدالقادر قال له: أدخل الكُرس عندنا وستحصل على راتب قدره (200) شلن -أي في أثناء الدراسة- وإذا رسبتَ فلن تكون قاضياً –لأنَّ الشَّيخ عمر كان يخاف من وظيفة القَضَاء- قال الشَّيخ عُمر: فاستشرتُ شيخي الشَّيخ سعيد باوزير فنصحني بعدم الدخول، وقال لي: حتى لو رسبت ستوظف قاضياً، فامتنعتُ من الدخول مع أني كنت حينها في أشد الحاجة للقُمة العيش.
قال الشَّيخ عُمر باقُمْري في شيخه ابن علي الحاج: «العلَّامة عبدالقادر بن سَعِيد بن علي الحَاج النَّحوي، الأُصُولي، المُحقِّق المُدقِّق، الشُّجاع البَطَل، لا يخافُ في اللهِ لومَةَ لائِم، يقولُ الحقَّ، ولو كان مُرَّاً».
9-الشَّيْخ عَبْدالرَّحْمَن بن الشَّيْخ عَبْداللهِ بُكَيْر (1342-1437هـ):
وُلد سنة (1342هـ) بالصداع من أعمال الغيل، واشتغل على يد والده الشَّيخ عبدالله بكير، وأخذ عن غيره من علماء عصره، منهم السَّيد محسن أبو نُمي، والشَّيخ عوض بِلِّقدي، ورحل إلى السُّودان ودرس بجامعة الخرطوم، واشتغل بالتدريس، وعمل مساعداً إدارياً بالمجلس العالي، ثُمَّ مفتشاً قضائياً، وتوفي يوم الاثنين (15 ربيع الثاني 1437هـ)(13).
وقد جالسه الشَّيخ باقمري في بيته كثيراً واستفاد منه، ومن المناقشات معه.
وللشَّيخ عُمر ترجمةٌ مختصرة عن الشَّيخ عبدالرَّحمن بكير ضاعت عليه.
10-الشَّيْخ القَاضِي سَعِيْد بن مُحمَّد بَرْعيَّة (1340-1434هـ):
وُلِد بغيل باوزير سنة (1340هـ)، والتحق بالرباط سنة (1347هـ)، وأخذ به عن السَّيد محسن أبي نُمي، والشَّيخ أحْمَد باغوزة، وغيرهما، وبعد تخرجه من الرباط عمل مدرساً، ثم التحق بكورس القضاء الرابع عند السَّيد محسن أبي نمي، ووُلِّي القضاء بالغيل، وحورة، والقطن، ودوعن، وسيون، والشِّحر، والمُكلا، توفي يوم الاثنين (25 صفر 1434هـ)(14).
أخذ عنه الشَّيخ باقمري عندما كان قاضياً بالمكلا، وكان الشَّيخ برعية يسكن في بيت قريب من مسجد عمر في جهته القبلية، وكان الشَّيخ باقمري يسكن في الشَّرج، وبعد صلاة العصر كان الشَّيخ برعية ينتظر الشَّيخ باقمري في مسجد عمر، [وقد درس عليه النحو في العصر من كل أيام الأسبوع ما عدا الخميس والجمعة، ففيهما ينزل الشيخ سعيد إلى بلده الغيل]، والكتاب الذي درسه في هذه المدة هو كتاب «قطر الندى»، ولم يكمله، ثم درسه عنده مرة أخرى على الشيخ سعيد في الغيل، كان الشَّيخ باقمري ينزل من المُكلا في حدود الساعة السابعة صباحاً، ويصل الغيل في حدود الساعة الثامنة، ويجلس مع الشَّيخ في بيته إلى حدود الساعة التاسعة، ثم يرجع، ويصلي الظهر في المكلا، يفعل هذا في الأسبوع مرتين، ودرس معه هذه المرة الكتاب نفسه «قطر الندى» كما سبق، وقد أراد الشَّيخ أن يكمله؛ لكن الشَّيخ برعية قال له: نبدأ من جديد، واستمر فيه، ولم يكمله أيضاً، وكان للشَّيخ باقمري في هذا الوقت دكان في الشَّرج.
ومن الكتب التي درسها أيضاً على الشَّيخ برعية كتاب «تكملة زُبدة الحديث» للسَّيد محمد بن حفيظ.
[قال شيخنا عمر باقمري في أحد دروس (عمدة السالك لابن النقيب): كان الشيخ سعيد برعية دائماً يتمثل لنا بهذا البيت:
العلمُ صيدٌ والكتابةُ قيدهُ قيِّد صيُودكَ بالحبالِ الواثقَة
فمن الحماقةِ أن تصيدَ غزالةً وتتركها بينَ الخلائقِ طالقَة
قال لي شيخنا عمر: قال هذا –يعني الشيخ سعيداً- لما رآني أقيد بعض الفوائد عنه].
[وقال أيضاً في بعض دروس عمدة السالك: (الشيخ سعيد متمكن في النحو، وكذلك الشيخ مبارك الجوهي].
11-الشَّيْخ القَاضِي سعيد بن عَبْدالصَّمَد بن عُمَر ابن قُوَيْرة باوَزير (1335-1414هـ):
وُلِد بالغيل سنة (1335هـ)، وتخرَّج برباط ابن سِلم، أخذ به عن السَّيد محسن أبي نُمَي، وعن الشَّيخ أحْمَد باغوزة، ووُلِّي القضَاء بالمكلا، والغيل، وحريضة، والهجرين، ودوعن، والقطن، وله إجازة من السَّيد محمَّد سالم بن حفيظ، توفي سنة (1414هـ)(15).
والشَّيخ باقُمري درَسَ على الشَّيخ سعيد عبدالصَّمد عندما كان قاضياً بالمُكلا، وكان الشَّيخ سعيد عبدالصَّمد ساكناً بالقرب من مسجد عمر، دَرَسَ عليه بعد العصر في ضاحية مسجد عُمر البحرية كتاب «المنهاج للنووي»، وكذا «شرح ابن عقيل على الألفية»، [قال: وإذا كانت موجة البحر قوية فإنها ترش في جدار المسجد] .
12-الشَّيْخ القَاضِي مُحمَّد بن عَبْدِاللهِ باجُنَيْد (1320-1395هـ):
وُلِد سنة (1320هـ) ببلدة جحي الخنابشة من وادي دوعن الأيسر، وطلب العلم على يد والده القاضي عبدالله بن سعيد باجنيد، ثم رحل إلى مصر، والتحق بالأزهر الشَّريف، وتخرَّج منه سنة (1344هـ)، ثم درس به مرة أخرى من سنة (1347هـ) إلى سنة (1351هـ)، ووُلِّي القضاء بالمُكلا سنة (1352هـ)، ثم وُلِّي رئاسة الاستئناف سنة (1376هـ)، وعين رئيساً للأوقاف والتركات، وتولى خطابة جامع عمر بالمُكلا، وتوفي بمدينة جدة سنة (1395هـ)(16).
والشَّيخ باقمري حضر درس الشَّيخ مُحمَّد باجُنيد في مسجد عمر في كتاب «فتح المُعين» بعد أذان العشاء، وحضر عنده أيضاً بعد العصر، وبعد الفجر في كتاب في «رياض الصالحين» للنووي في مسجد عمر.
وحضر عنده أيضاً بعض دروسه التي كان يقيمها في جامع الشَّرج عصر الجمعة، وكان إمام جامع الشرج حينها السَّيد مُحمَّد بافَقِيه.
قال الشَّيخ عُمر باقُمري: «وكان الشَّيخ مُحمَّد باجُنيد يلقي درساً جميلاً –يعني الذي بجامع الشَّرج، وكان الشَّيخ باجُنيد يأتي بنُكتة بعد كل درس، وكنتُ أدوِّن جميع نكتهِ في دفتر؛ لكنه ضاع مني، [وكان بعض الشباب] يُقدِّم له بعد الدرس أسئلة عن المسائل الشَّائكة التي فيها منازعة، فكان الشَّيخ يُجيب فيها بجواب وسط يتحرَّى رِضا الجميع، وسألوه مرةً عن لمس المرأة هل ينقض الوضوء؟ فأجاب بأنه ينقض، فقال بعضهم: ولا قدك با تقلد، فقال له الشَّيخ: ومَن سيفتح لك؟».
قال الشَّيخ عُمر باقُمري عن شيخه باجُنيد: «وله اتساع في الفقه، ومعلوماته فيه قوية؛ لكن يؤخذ عليه عدم تفرغه للتَّدريس»، وقد ذكرنا هذا في ترجمتنا لباجُنيد والمُسمَّاة بـ«حُلَل الأيْد».
13-مُفْتي حَضْرَمَوت السَّيد القاضي عَبْداللهِ بن مَحْفُوظ الحَدَّاد (1343-1417هـ):
وُلِد سنة (1343هـ) في بلدة الدِّيس الشَّرقية، وأخذ عن قاضيها أحمد باصَلْعة، ثم رحل إلى تريم، وأخذ عن جملة من علمائها كالسَّيد عبدالله الشاطري، والسَّيد محمد بن سالم بن حفيظ، ثم رحل إلى غيل باوزير، ودرس القضاء عند السيد محسن أبي نمي، وولي القضاء بالديس والحامي، ثم أكمل دراسته بجامعة الخرطوم بالسُّودان، وولي بعد ذلك القضاء بالشِّحر، ووُلِّي رئاسة محكمة الاستئناف، ثم رئاسة المجلس العالي بعد الشَّيخ عبدالله بكير، وتوفي في (13 جمادى الآخرة 1417هـ)(17).
ويعدُّ السَّيد الحداد أعظم شيوخ الشَّيخ عمر باقمري، وأكثرهم نفعاً له، استفاد منه كثيراً، وكان يسأله عن دليل كل مسألة، وملازمته له كانت بعد رجوعه من (ثلة العليا)، وقد درس على السيد الحداد في بيته بمفرده في الصباح، درس عليه مجموعة من الكتب، منها: «الورقات» لإمام الحرمين، و«لطائف الإشارات شرح نظم الورقات»، و«تفسير الجلالين» قطع فيه شوطاً عظيماً، ولم يكمله، و«شرح ابن عقيل على الألفية» ولم يكمله؛ بل وقف عند باب الصرف، و«شرح البيقونية»، و«شرح نخبة الفكر» للحافظ ابن حجر، وكتاب «المنهاج» للنووي، وكتاب «علم أصول الفقه» لعبدالوهاب خلاف، وقرأ عليه المجلد الخاص بالنكاح من كتاب «الفقه الإسلامي» للشيخ وهبة الزحيلي.
[قال شيخنا عمر: (ولما كنت أدرس عند الحداد كان دائماً يعزو إلى الكتب، فيقول والمسألة في الكتاب الفلاني، ولم تكن لدي هذه الكتب، فلما اشتريتها بعد مدة رأيتها كما قال.
وقال: كان السيد الحداد يحب القراءة والاطلاع كثيراً، وفي مرة تيسر لي كتاب (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، فشرعت في قراءة المجلد الأول، وطلب مني القراءة فيه، فأعطيته المجلد الثاني والثالث، فانتهى من قراءتهما، وأنا ما لم أزل في المجلد الأول -في أقل من نصفه-، وله تعليقات –يعني الحداد- على المباركفوري بخط يده، وهي عندي].
قال الشَّيخ عُمر باقُمري: «وقد طلبَ مني شيخي العلَّامة عبدالله بن مَحْفوظ الحَدَّاد مُفتي حَضْرَموت بعد الوحدة أن أقبلَ التَّوظيف في القَضَاء، وأنه سيُعطيني شهادة يقبلوني قاضياً من دون اختبار، فقلتُ: إني لا أرغبُ في القَضَاء، فقال: يا شيخ عُمر الحكومة سوف تعيَّن قُضَاة من الشمال يرتشون، وسوف تضيع حقوق الناس، والقَضَاء واجب عليكم، وفرض عين، فاعتذرتُ له؛ لأني غير قادر».
[وذكر لي أن شيخه الحداد رشحه للقضاء بعد حرب سنة (1994م) بسبب قلة القضاة الشرعيين، وقال له: لا أحد نعتمد عليه إلا الله ثم أنت، فاعتذرت بسبب مشاكل القضاء في ذلك الوقت، ثم قال لي شيخنا عمر: لكني ندمت اليوم على عدم تولي القضاء لما رأيت من فساد القضاة].
قلتُ: وهذا هو العرض الثاني للقضاء على الشَّيخ عُمر، والعرض الأول عَرَضَه عليه شيخه الشَّيخ عبدالقادر بن سعيد ابن علي الحاج، وقد ذكرناه في ترجمته.
وللشَّيخ عُمر ترجمة مختصرة عن شيخه العلامة السَّيد عبدالله الحداد مكتوبة بالكمبيوتر، وتقع في صفحتين [وأغلبها مكتوب من ذاكرته، وقد عرضها عليَّ للنظر فيها، وهي بحاجة إلى إصلاحات كثيرة، وقد نبهته على أكثرها].
الوَظَائِفُ والأعْمَالُ:
1-الإمَامَة والخطَابَة:
تولى الإمامة والخطابة في مساجد عدة، منها:
أ-المسجد الجامع بثَلة العُليا:
وهو أول مسجد تولى فيه الإمامة و الخطابة، وهذا المسجد بناه المحسن سعيد باراجِح العَكْبري، وقد بنى سبعة مساجد في أرياف المكلا منها مسجد المِسْنا ذو الأوقاف الكثيرة على القراءة، وعلى الإمام، وعلى الضيوف.
وقد اختار سعيد باراجح الشَّيخ عُمر باقمري للإمامة في مسجد ثلة، وهو الجامع ويقع في الجانب الأعلى بجنب المقبرة، وسكن الشَّيخ في بيت الفضلي القريب من المسجد.
[وذكر لي أن الذي حثَّه على الإمامة في ثلة رجلان: منصب آل باعلوي وثلة العليا جدنا الحبيب عمر بن محمود بن عبدالله باعلوي، ورجل من آل باقضاف من العكابرة].
وقد مكث الشَّيخ باقمري في ثلة ما يقرب من سنتين، ثُمَّ قلَّت أوقاف المسجد فتكلَّم له باراجح في أن يُصرف له (70) شلناً.
ب-إمامة وخطابة مسجد باعبود بالشَّرج:
بعد أن قضى نحو سنتين في ثلة العليا بُني مسجد باعبود بالشَّرج، وبعد بنائه أعطيت إمامة المسجد لشخص من آل باراس، إلا أن الناس لم يرغبوه بسبب عدم قنوته في صلاة الفجر، وكونه لا يجهر بالبسملة، فلم يمكث في المسجد إلا مدة قليلة نحو شهر، وأُعطي المسجد بعدها للشَّيخ عُمر باقُمري، وقد عُيِّن رسمياً من مدير الأوقاف حينها الشَّيخ عُمر بن سُهيلان، ثم في هذا الوقت جاءت قضية تأميم أوقاف المساجد، وبسببها خرج ابن سُهيلان من الأوقاف.
وقد مكث الشَّيخ باقُمري على إمامة وخطابة باعبود من سنة (1973م) إلى سنة (1994م)، وذلك نحو (21) سنة.
ج-[الخطابة في مسجد ورسما بالشرج:
تولى خطابة مسجد ورسما بعد وفاة خطيبه صالح محسن اليافعي، وبقي على خطابته نحو شهرين، ثم انتقل إلى المهرة].
د-الإمامة والخطابة بمسجد خمسين شُقَّة بالغَيْضَة:
ثم اختير سنة (1995م) للإمامة والخطابة مسجد خمسين شقة بالغيضة عاصمة محافظة المهرة، واستمر هناك نحو (25) سنة، من سنة (1995م) إلى سنة (2020م).
2-التَّدريس:
واشتغل بالتدريس في مساجد عدة؛ منها:
أ-مسجد باعبود بالشَّرج:
درَّس كتباً عديدة، منها: «فتح المعين» درَّسه في بداية استلامه المسجد بعد صلاة الفجر، وكان يحضر درسه في هذا الكتاب العلامة القاضي السَّيد مُحمَّد رشاد البيتي، ودرَّس المواريث مرات، وهو يُدرس الآن –سنة (1443هـ)- «الياقوت النَّفيس» للشَّاطري بعد صلاة العصر، [ولم يكمله، ثم افتتح (عمدة السالك لابن النقيب) بعد صلاة المغرب في 1/ محرم/1444هـ، ثم تحول الدرس إلى بعد صلاة العصر، ثم المنهاج للنووي افتتحه في محرم سنة 1445هـ.].
ب-مسجد المنقد بالشرج:
نقل درسه في المنهاج إليه.
جوفي مَسْجد خمسين شُقَّة في الغَيْضَة بالمهرة:
كان يلقي الدروس به كل ليلة بعد أذان العشاء ما عدا ليلتي الجمعة والسبت.
د-جامع الحبيب سالم بالغَيْضة:
ويلقي دروساً في جامع الحبيب سالم بالغيضة ليلة الجمعة من كل أسبوع في كتابه: «فِقْه العِبادات في ضَوءِ الكتَاب والسُّنة».
هـ-الجامع الكبير بالغَيْضَة:
وكذلك كان يلقي دروساً في الجامع الكبير بالغيضة ليلة السبت من كل أسبوع بعد أذان العشاء.
وقد مكث في المهرة (25) سنة، والكتب التي درسها في المهرة هي: «شرح ابن قاسم» مرتين، و«عمدة السالك» ثلاث مرات، و«الياقوت النفيس» خمس مرات، و«المنهاج» للنووي ثلاث مرات.
*[واشتغل أيضاً بالتدريس في بيته، وممن أخذ عنه في بيته الشيخ العلامة الفقيه سالم بن عبدالله باقطيان لا زمه ابتداء من سنة 1993م، وكان يقرأ عليه في بيته كل يوم جمعة بعد صلاة العشاء شرح النووي على صحيح مسلم، ويحضر معه ابنه أبابكر، وكان صغيراً تارة يحضر الدرس وتارة يلعب مع أبناء الشيخ عمر سامي ومحمد وحسين](18).
3-الإفتاء:
تولى الإفتاء بإذاعة المكلا بعد العلامة الحداد في حدود سنة 1991م، واستمر نحو ثلاث سنوات إلى حدود سنة 1994م، وولي كذلك الإفتاء بإذاعة الغيضة بالمهرة سنوات طويلة تقرب من اثنتين وعشرين سنة.
4-ولايَةُ عقُودِ الأنْكحَة:
تولى عقود الأنكحة أولاً ببلدة ثلة العليا نحو سنتين.
ثم تولاها بالغيضة نحواً من (25) سنة، وهي مدة مكوثه بالغيضة.
5-المحَاضَرَات:
وله مجموعة من المحاضرات أذيعت في إذاعة المُكلا قبل الوحدة، [وكان ذلك بطلب وتنسيق من بعضهم، واستمر في إلقاء المحاضرات إلى حرب صيف 1994م، وبعدها رفض الاستمرار مع الإذاعة، وتخلى عن إمامة مسجد باعبود، وانتقل إلى المهرة]، وله محاضرات في المهرة كذلك، وقد سُجِّلت بعض هذه المحاضرات في أشرطة التسجيل (الكاسيت) محفوظة عند الشَّيخ، وبعضها مكتوب في دفاتر عنده.
ويلقي الآن –سنة (1443هـ)- محاضرات في الفقه من دفتر مكتوب بخط يده –باب العبادات فقط- في مسجدي الروضة وباعبود، في الروضة بعد العشاء من كل جمعة، وفي باعبود بعد صلاة العصر من يومي الاثنين والخميس.
مُصَنَّفُاتُ الشَّيْخِ عُمَر باقُمْري:
1-شَرحُ مِنْهَاج النَّوَوِي:
كَتَبهُ الشَّيخُ في المَهْرة، وقد طُبع في أربعة مُجلدات.
2-فِقه العِبَادات في ضَوءِ الكِتابِ والسُّنة:
وهو على مذهب الشافعي إلا في مسائل قليلة، لم يطبع، ويقع في مجلد كبير، كتبه في المهرة، وأخذه منه شخص في حدود سنة (2009م) ولم يرده، وليس مع الشَّيخ نسخة أخرى منه.
3-القُوْت بشَرْحِ الياقُوْت:
وهو شرح لكتاب (الياقوت النَّفيس) للشَّاطري، كتبه الشَّيخ في المُكلا، وفرغ منه قريباً، [وقد طبع أخيراً، وأخبرني أن فيه أخطاء في الأحاديث وغيرها، وأنه بحاجة إلى المراجعة].
4-مُرْوِي الضَّمآن بِشَرحِ زُبِد ابن رَسْلان:
كَتَبهُ الشَّيخ في المُكلَّا قبل الذهاب إلى المهرة، وقد أكمل الشَّيخ منه باب العبادات، ويقع في مجلد كبير، ولم يطبع.
5-الكَوَاكِبُ البَهيَّة بشَرحِ مَتنِ الرَّحبيَّة:
طُبع بمطابع المنار بالمكلا.
6-تَيْسِير الوُصُول إلى عِلْمِ الأصُول:
طُبع بمكتبة تريم.
7-الجهد اللطيف في جَوازِ العَمَل بالحَدِيثِ الضَّعِيف:
طبع.
8-خِتانُ الإناث المشرُوع في الدِّين والطِّب:
طُبع بدار حضرموت.
9-فَتْحُ المَجِيد ببيانِ أحْكام العِيد:
كتبه في المهرة، ولم يطبع.
10-غَايَةُ المَرَام بشَرحِ قَوَاعِد الأحْكام:
في القواعد الفقهية، لا يزال مخطوطاً، ولمَّا رآه دكتور سوداني يدرس بجامعة المهرة اقترح تدريسه بالكلية، فقُرِّر تدريسه لمدة أربع سنوات.
11-الغَيْثُُ الصَّبَّاب عَلَى مُلحَة الإعْراب.
12-الفَتَاوَى المَهْريَّة:
أذيعت في إذاعة الغيضة، وتوجد بها نسخة منها، وهي غير مُرتبة.
13-الفَتَاوَى المُكلَّاويَّة.
14-النَّفحَاتُ الإلهيَّة بالخُطب المِنْبريَّة:
غير مطبوع، ويقع في ستة أجزاء.
15-مُحَاضَرات في الفِقه:
أراني إياها في دفتر بخط يده، ولا يزال يُضيف إليها.
[16-ترجمة لشيخه عبدالرحمن بكير:
مفقودة].
[17-ترجمة لشيخة العلامة السيد عبدالله الحداد:
أشرنا إليها في ترجمة الحداد].
[توفي رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه وإيانا فسيح دار القرار في يوم الجمعة العاشر من شهر رجب سنة 1446هـ، الموافق للعاشر من شهر يناير سنة 2025م، وصُلي عليه بعد صلاة العشاء في جامع الروضة، ودفن في مقبرة يعقوب].
هذا آخر مَا يسَّره اللهُ لنا في هذهِ التَّرجمَة، ونسألُهُ القُبولَ والتَّوفيقَ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وصَلَّى اللهُ على سَيِّدنا مُحَمَّد وعلى آلهِ وصَحْبهِ وسَلَّم.
وكتبه: مُحْسِن بنُ عَلَوي بن أبي بَكْر باعَلَوي/الشَّرج/ المُكلا.
تقريظ الشَّيخ عُمر باقُمري:
بسم الله، والحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ سيِّدِنا مُحمَّد بن عبد الله.
وبعدُ: قرأتُ ما كتبه الأستاذ الفاضل المُجتهد المُثابر المُحب للعلم والعلماء: محسن بن علوي بن أبي بكر باعلوي كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً كله صحيح خال عن المبالغات، وفي الختام نختم بالصَّلاة والسَّلام على سيدنا مُحمَّد خيرِ الأنام.
عُمر حاج مُبارك مُحمد باقُمري.
الهوامش:
(1)سيول عمر باحسن كان إماماً للمسجد الجامع ببلدة باقشيم بوادي حجر، وهو ممن جالس وأخذ عن العلامة السيد عبدالله الحداد، وعن الشيخ سعيد باوزير، والشيخ سالم باقطيان، إفادة من الشيخ سالم باقطيان وابنه أبي بكر.
(2)منشورة في مجلة حضرموت الثقافية عدد (12).
(3)منشورة في مجلة حضرموت الثقافية عدد (18).
(4)وأول من نبهني على هذه الزوجة الأخيرة أخونا أبوبكر ابن الشيخ سالم باقطيان
(5)انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص329
(6)شك من الشيخ عمر باقمري.
(7)انظر ترجمته في تحقيقنا لكتاب: (البرهان الظاهر) ص18
(8)انظر ترجمته لأخينا الدكتور زين العيدروس في كتاب (القدح المعلى).
(9)انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص355
(10) انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص493
(11)انظر ترجمته لأخينا الدكتور زين العيدروس في مجلة حضرموت الثقافية عدد (16).
(12)انظر ترجمتنا له في مجلة حضرموت الثقافية عدد (18).
(13) انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص493
(14) انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص423
(15) انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص378
(16)انظر ترجمتنا له في مجلة حضرموت الثقافية عدد (12).
(17) انظر ترجمته في كتابنا مختصر الغيث الهمي ص415
(18)إفادة من الشيخ الفقيه سالم باقطيان وابنه الأخ أبي بكر.