شخصيات
شكري نصر مرسال
الحلقة الثانية
في منتصف ماضي القرن غادرت السيدة فطم العيدروس حضرموت إلى عدن متوجهة إلى دولة الكويت الشقيق، مرورًا بجمهورية مصر العربية التي أقامت بها فترة وجيزة لم تدم أكثر من أيام قليلة برفقة الأديب المفكر علي عقيل بن يحيى ونجلهما عباس، فرحلتُها هذه تعد لها الأولى خارجيًا.
فحال وصولها المقرر إلى قاهرة المعز وصولًا إلى الديار الكويتية أدهشت المرأة الحضرمية القادمة من مناطق (تاربة) و(المسيلة) بمدنية الحياة هناك, وأذهلت عقيلة علي عقيل من هندسة البنيان المعماري، ومتعجبة حقيقة من التزاحم في حركة السير والكم الهائل من السيارات التي تجوب مدينة القاهرة دون انقطاع خلال ساعات اليوم، إضافة إلى شديد إعجابها من عملية التعايش والتقارب السائد الذي التقطته فطم العيدروس ملامسة بين مختلف الثقافات, حتى ظلت تلك الرحلة عالقة بمختلف مشاهداتها في مخبأ ذاكرتها بالرغم من محدودية المدة وقليل أيامها التي تخللتها زيارات واستطلاع شائق واكتشاف لدنيا أخرى بصحبة نجلها الأستاذ عباس بن يحيى – رحمه الله – الذي كان زميلًا مرافقًا لوالدته في مسير ذلك الاكتشاف الجميل.
ومن مصر العربية وبعد انقضاء زيارتها التي كانت بمثابة استراحة المحارب، تتوجه السيدة المتميزة وعائلتها الكريمة إلى دولة الكويت التي مكثت بها عدد سنين, سكنت بدءًا من منطقة السالمية في منزل طيني قديم, كما كان يوجد في حوش مسكن إقامتها بئر عميق دائمًا، ما يشعرها بشيء من الخوف والقلق والغربة، استقرت بهذا المنزل وأسرتها، إلى أن سمحت لهم لاحقًا مستجدات الحياة الانتقال إلى بيت آخر، وجدت في جنباته الطمأنينة والراحة, وظلت الكويت بين أضلع الأم المثالية تحملها من روائع الدول البديعة.
ومعلوما أن الذهاب إلى الكويت لم يكن مفاجئًا؛ فعلي عقيل في تلك الفترة كان يعمل أستاذًا في مدارسها، ومؤسسًا في بناء بيت الطالب الحضرمي وافتتاحه، والذي أنشئ للطلبة الحضارم بأمر من الشيخ (عبدالله السالم الصباح) أمير دولة الكويت، بالتنسيق مع دار المعارف الكويتية. ولذلك نستطيع القول إن فترة الكويت، وقرار الذهاب إليها جاء مصيريًا، كما شكل منعطفًا ومتغيّرًا في حياة السيدة فطم، ومستقبل عائلتها الكريمة.
وخلال المسافة المقطوعة بين رحلة مصر إلى الكويت قصة كفاح جميلة، تحكي ما فعلته أخلاق هذه المرأة الملهمة، التي سمحت لها بسهولة وفي فترة وجيزة من سرعة إنجاز مسألة التأقلم هناك، وتمدد علاقاتها الاجتماعية، حتى حظيت هذه المرأة الاستثنائية بمحبة كبيرة لدى الكثير من العوائل الكويتية، ومثلهم عوائل أخرى من جنسيات عربية مختلفة. ومضت أم عباس في أرجاء الكويت سعيدة فاضلة عزيزة نفس موفقة, كشجرة مثمرة، تتقبل الجميع من حولها بسهولة ومرونة فائقة باختلاف عاداتهم ومزاياهم، ومتفهمة بلطف لمشاكل الآخرين، ومستمعة جيدة لمن يلجأ إليها، وعلى هذا النحو ظلت تبارح الجلوس في حديقتها الإنسانية قريبة من الناس، تسقي بذور الخير لتحيي أملًا هنا, وتسعى هناك لتقطف تطلعًا إنسانيًا نبيلًا، هكذا عاشت الحضرمية فطم روحًا من الضياء، تبحر في نبع عذب صاف، ترمّم الأنفس المنكسرة بترفٍ إنساني, حتى انها وصفت بين الناس جابرة للخواطر عندما رُزقت أخلاقًا، وقيمًا رفيعة، وقلبًا كبيرًا متسامحًا كسماحة المجتمع الكويتي الذي أحبَّتْه كثيرًا، وجعلته وطنًا ثانيًا لها… في حين أن حضرموت في الفترة نفسها دائمًا ما تحاكيها شعورًا يسكنها، وإحساسًا متجدّدًا لا يُمَلّ، وحنينًا متمدّدًا لا يفارقها كخلود أغاني المجد في ذكرى يوم الانتصار, فلم ينقطع شغفها لمناطق (تاربة), و(المسيلة), و(ثِبي), دائمًا ما تتواصل السيدة فطم مع أهلها بحضرموت، ودائمًا بلا انتهاء ما تبعث برسائلها الحميمية لوالدتها عائشة، ولأرحامها, وتنشد في خطاباتها المكتوبة عن إخوة الرضاعة وعن أناسٍ تُجِلّهم، كانوا جيرانًا لها, كلّ باسمه, أحبَّتْهُم كثيرًا كما أحبُّوها، والحال نفسه ليس ببعيد عن الرائد العلم كبير القوم المفكر الأستاذ علي عقيل، الذي لم يُثْنِهِ واقع المسؤولية ومعترك الحياة ونشاطاتها المتواصلة بدولة الكويت الذي لم ولن نحصيه استطاعةً وإن جئنا بمداد الأرض مددًا لأقلامنا, أن يزف في رسائله عبارات الوفاء والبر لوالدته الكريمة وأهله والأقارب، يُحدّثهم عن الكويت وأهلها الأخيار، يشرح لهم كيف صار وضع منزلهم ذات مرة عامرًا بالأفراح والمسرات، لاسيما عندما رزق بابنته الدكتورة (عزة)، وكيف تم الاهتمام بعائلته في أثناء الولادة وبعدها، من قِبَلِ جيرانهم من نساء الكويت, يصف لهم عن زيارات صديقات السيدة فطم من نساء فلسطين وسوريا والعراق واليمن بالكويت، وما يقدمن لها من مساعدة تسعد به العائلة، وفي ملحق إحدى رسائله للأهل بسيئون جاء بين أسطرها معتذرًا علي عقيل، بنبرة خجل الكريم، (بعدم تمكنه هذه المرة من إرسال المبلغ الذي اعتاد إرساله لهم لأنهم اشتروا ثلاجة جديدة للمنزل), ومثلهم نجلهم عباس، الطالب بعمر الثانية عشرة – رحمه الله – يبعث برسائله لجداته لأمه وأبيه ليخبرهما بأنه قد أصبح يجيد اللهجة الكويتية مثل أقرانه من الكويتيين, ويشير إليهن، بدعابة ولطف، أن والده علي عقيل بن يحيى لم يزل يخلط بين اللكنة الكويتية والحضرمية، ويؤكد في كتابه المرسل للجدة عائشة أن والدته فطم العيدروس هي هي، لم تتغير، حضرمية (قح) في لحن الصوت، لافتًا نظرها إلى أن والدته فطم العيدروس لم تزل إلى النخاع تحمل أصالة عادات وتقاليد حضرميتها المتزنة.
وكما هو معروف لدى الكثير من الناس أن أبواب منزل الأستاذ علي عقيل بن يحيى بدولة الكويت الشقيقة، التي تدير شؤونه الزوحة المثالية أم عباس، ظل مفتوحًا في مدى سنوات إقامتهم بالكويت, وعنوانًا عريضًا لمكارم الجود, وشراعًا واسعًا تستظل بظله الكثير من العوائل الحضرمية من القادمين للكويت، ومرجعًا للجميع في شؤونهم ومشاكلهم، وملاذًا آمنا لبعض الأطفال الحضارم الذين ترسلهم عوائلهم لمنزل السيد علي عقيل للمكوث به خلال فترات دراستهم في الشقيقة الكويت, فكانت تلك الأجواء الإنسانية تسمو حقيقة بإنسانية الوالدة العيدروس، المرأة الفاضلة دون شعورها بالملل والضيق, فتعمل على خدمة ضيوفها ورعاية الطلبة النزلاء بمنزل العائلة من غير نقصان، فضلاً عن استعدادها نهاية كل أسبوع لضيافة الطلبة الحضارم، إضافة إلى الزيارات الرسمية المتواصلة الذي لا يكاد منزل الأستاذ علي عقيل يخلو من توافدهم إليه, فكل ذلك تجريهِ وتقدمه السيدة فطم العيدروس بنفسية الكبار من الكرماء من غير مَنٍّ ولا أذى، وهو ليس بالسهل الهين رغم التزاماتها الأسرية ومسؤوليتها المباشرة تجاه بيتها وتربية فلدات أكبادها.
كما كانت السيدة فطم العيدروس في بعض الأحيان تقضي الكثير من إجازتها الصيفية في دمشق إن لم تتمكن من الذهاب إلى حضرموت لزيارة الأهل والأحباب, فتتجه بدلًا منها إلى سوريا لقضاء الفسحة الصيفية، فتتنقل وعائلتها في مصايف سوريا بين مناطق (الزبداني) (وبودان)، وتسر بجمال سوريا واخضرار أراضيها، وتميل بإعجاب لمنظر ثلوج الأمطار حينما تغسل جبالها الشامخة وتكسوها بالبياض، ويسرها مكارم أهلها وأسلوب ضيافتهم. وذلك كان قبل مرحلة سوريا المليئة بالأحداث الجسام، التي سنتطرق إليها في حلقة قادمة لنذوق الكثير من كؤوس تفاصيلها؛ لأنها الجزء المهم والأهم في حياة هذه المرأة الصبورة، والبعيدة النظر، كما كان يصفها الأستاذ علي عقيل.