مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

أكبر أغراض الزوجية وما يضادها عند العلامة ابن عبيد الله السقاف

قراءات

طارق بن محمد سكلوع العمودي

لقد كشف لي الكتاب القيم النافع الضخم: “بلابل التغريد فيما استفدناه أيام التجريد” لدى عكوفي على قراءته في هذه الأيام المباركة من العشر من ذي الحجة.
على عبقرية ابن عبيد اللاه السقاف؛ وأنه موسوعة في كثير من العلوم. ومن ذلك مشابهته لابن خلدون في التخصص الاجتماعي، فتجده يصرح بالمشكلة الاجتماعية، ثم يقررها، ويحللها، ويأتـــــــي بعـــــــــــــــــــدها بالحل والعلاج. وكل ذلك بقالب أدبي بليغ رفيع، ومن درر الكلام وجواهره.

ومن هذا الباب كلامه عن رباط الزوجية بين الرجل والمرأة، وأكبر أغــــــراضه التي تبقيه على عافيته، فيجنبه الملل والرتابة، وربما إلى الطلاق.

فلنصحب السيد السقاف في نثره من الدرر في هذا الموضوع؛ إذ قال – رحمه الله -: (ص 104-105): “إن أكبر أغراض الزوجية؛ التأسي في الـمُلِمَّات والتعاون على المهمَّات. فمن لم تكن له زوجة يُفضي إليها بحزنه، ويتحدث لديها بما يهمه.
فمن أين يعرف قلبه السكون، أو تطرق خاطره الراحة؟.

فأما إرضاء الشهوة المستعجلة، وابتغاء اللذة المحدودة، فأتفه مقاصد الزوجية.
ولو لم تكن كذلك لما كان أرقى الخلق حظًّا منها أدناهم منزلة وأصغرهم قدرًا، وهو الذباب؛ إذ يظل متزاوجًا مع منكوحته طيلة النهار.

وأحرى بمَنْ توفّق لزوجة صالحة، تشاطره متاعب حياته، وتفرِّج عليه كرباته: أن تنبسط روحه، ويكثر فتوحه، ويصح جسمه، ويزيد غنمه، ويطول عمره، ويدوم بهاؤه، ويشمل هناؤه، ويقل عناؤه، ويتلألأ ماءُ خدّه، وتنصع بضاضة جلده.
وقد كان ذلك موجودًا بِسَوقِ الطبيعة في الأزمنة السابقة.

وربما بقيت آثاره في القرى والبوادي إلى اليوم.

أما في الحواضر، فلن يوجد إلا بالتربية الصحيحة، البعيدة عن المصائب العصرية.
فكثير من سفهاء الأحلام، وصغار العقول، ومعدومي المروءة، يغبطــــــــــــــون الإفرنج والمتفرنجين على تعلم نسائهم ومشاركتهن لهم في بعض الأعمال. ولو كشفوا عن سرائر قلوبهم لألفوها تحترق بنار الغيرة من مفاسد السفور الفاحش، التي اضطر كثير منهم إلى إيثار العزوبية. وفرقوا لهم بدل من أن ينفسونهم؛ إذ هم ليس إلا كما قال أبو الطيب:

ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبها
                             إني بما أنا باكٍ منــــــــــــــه محســـــود

لأنه لا ينفذ إلى قلوبهم شيء من السكون الذي امتن الله به في الزوجية على عباده؛ إذ يستحيل دون أن يكون قلب المرأة خالصاً للزوج.

فأما التي تمارس الشباب، وتراقص الأحباب، فلن يبق في قلبها إلا أرذل المواضع لزوجها، وما بين العينين لا يوصف.

فالاعتناء بشأن المرأة حجر الأساس، وأول المهمات، وألزم الواجبات، والله اعلم”.
قلت: ولم يكن أعلاه كلام نظري من السيد السقاف؛ فلقد كان مترجمًا واقعًا، ولله الحمد في حياته.

فقد أورد في كتابه: “إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت” (ص 596-601) صورة اجتماعية ناصعة عن رباطه الزوجي مع زوجته رحمها الله، وأورد من الحقائق ما لا يكاد يذيعها أي أحد منا عن رباطه الزوجي الشخصي، ولكنه هو قد فعلها! فلله درُّه من مربٍّ، ينثر تجاربه بكل صدق وأريحية لجيله ولمن بعده؛ للاتعاظ وأخذ العبرة.
ويكفينا من كلامه الطويل السلسبيل البليغ عن رباطه الزوجي قوله: “وأنا وإياها – ولله الحمد – في عيش طيب، وبال رخيّ، وسكون تام، ومودة ورحمة، واسترسال ومؤازرة، لا نختلف في شيء قط من أمر الدنيا…”.

ووالله حري بكل واحد منا الوقوف على ما قاله حيال ذلك؛ ففيه ما يحلُّ الحبوة، ويحملق العيون اندهاشا.

ولذا ضممت ذلك في كتابي: “النساء الحضرميات إشراقات ونوادر من أخبارهن”، والله ولي التوفيق.