قراءات
عمر عبدالله حمدون
– ماذا يعرف الجيل الحضرمي المعاصر عن تاريخ حضرموت الحديث؟ وأقصد بالحديث هنا منذ أن بدأت تتشكل في حضرموت معالم وأسس الدولة الحديثة بأنظمتها التشريعية وقوانينها المدنية، والتي تمثلت خلال فترة ما قبل الاستقلال بدولتي السلطنتين القعيطية والكثيرية.
كم من الشباب الحضرمي المثقف اليوم يمتلك من المعلومات المعرفية عن تاريخ حضرموت السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والتشريعي في فترة السلطنتين السابقتين ؟! أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن، ويفرض طرحها ما تشهده حضرموت من أحداث وفعاليات متتالية، وخصوصا منذ العقدين الأخيرين من الألفية الثالثة ، حيث يمثل الشباب الحضرمي اليوم عماد هذه الفعاليات والأنشطة .
قد لا أجافي الحقيقة إن قلت إن الإنسان الحضرمي – وخصوصًا الشباب – هو الوحيد من بين شعوب العرب الذي تم تغييبه – ربما عمدًا – عن تاريخه الحديث والمعاصر، ومن هنا لاعجب أن نجد نسبة كبيرة من الشباب الحضرمي المثقف اليوم يعيشون حالة من الفقر المعرفي عن الأحداث التي شهدتْها حضرموت في عهد السلطنتين السابقتين، وعن مراحل التحديث في ذلك العهد في الجوانب الحياتية المختلفة، عن نشأة التعليم في حضرموت الحديثة، ورواد النهضة التعليمية الحضرمية، كالشيخ القدَّال والشيخ سعيد عوض باوزير مثلًا، عن الحياة السياسية وظهور الأحزاب…، عن تطور الأنظمة التشريعية وظهور القوانين المدنية الحديثة، ودور المجالس البلدية في ذلك العهد، ودور بعض السلاطين القعطة في التحديث والتمدُّن، عن الشخصيات الحضرمية التي كانت لها أدوار مهمة في تشكيل الوعي القومي والوطني في حضرموت، أمثال الشيخ المناضل عمر سالم باعباد وغيره في الحياة السياسية الحضرمية ما قبل الاستقلال، عن الصحافة ودور النشر… عن… عن… إلخ !!!
إنني لستُ هنا بصدد سرد الأسباب والدوافع الذاتية والموضوعية التي أوصلت الشباب الحضرمي إلى حالة من القطيعة مع تاريخه الحديث، وإلى حالة من الجهل والتجهيل بذلك التاريخ، يعاني منها اليوم بقدر ما أودُّ أنْ أوضح كم هي الحاجة ماسَّة اليوم إلى حد الضرورة في أن يستعيد الحضرمي وعيه الثقافي المفقود بذاته، وإدراكه المعرفي بتاريخ حضرموت في عقودها الحديثة ما قبل الاستقلال 1967م . من هذه الضرورة الملحة تأتي أهمية الإصدارات التي تخرجها لنا المطابع اليوم، وتبحث أو تتناول جزءًا من التاريخ الحضرمي الحديث في العهد السلاطيني القعيطي أو الكثيري، وهي تناولات بحثية تظهر بعضًا من الحقائق والوقائع التي لم يكن من السهل تناولها بالبحث والدراسة بمهنيَّةٍ عاليةٍ وبموضوعيَّةٍ وتجرُّدٍ عن الهوى الذاتي السياسي أو التعصب الأيديولوجي في مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني، وهي وقائع وحقائق إذا استعصت عملية طمسها أو إخفائها خلال تلك المرحلة فإن الكثير منها لم يسلمْ من التجاهل واللامبالاة في أحسن الأحوال، وفي أسوأها لمْ تسلمْ من التزييف والتعسُّف والتطويع والتوظيف خدمةً لأهداف مرحلة ما بعد الاستقلال.
من هذه الإصدارات الجديدة التي صدرت مؤخَّرًا في حضرموت، والتي أوَدُّ تسليط الضوء عليها، وتعريف القارئ بها في هذا الحيز المكاني كتاب حمل عنوانًا طويلًا إلى حدٍّ ما، وهو “القائم عبدالله عوض مخارش وأضواء على وثائق من الأرشيف الإداري للسلطنة القعيطية” في طبعته الأولى 1432هـ -2011م من تأليف كل من أ.د. عبدالله سعيد الجعيدي ود. عبدالله أحمد باصميدي العوبثاني، احتوى الكتاب بعد الإهداء والشكر على مقدمة عامة ذات أهمية لموضوع الكتاب ذاته كتبَها الأستاذ المرحوم عبد الرحمن عبد الكريم الملاحي، الشخصية الاجتماعية بمدينة الشحر، والباحث التاريخي بشؤون منطقة المشقاص – منطقة شرق حضرموت الساحل – بوجه خاص، أخذ هذا التقديم 30 صفحة من صفحات الكتاب البالغ عددها 235 صفحة. بعد التقديم يصل القارئ إلى الموضوع الأساسي للكتاب حيث احتوى على قسمين رئيسين وملاحق وصور بآخر الكتاب، القسم الأول حمل عنوان “القائم عبدالله بن عوض مخارش ومضات من سيرته وعصره”، أمَّا القسم الثاني فقد حمل عنوان “وثائق القائم عبدالله بن عوض مخارش”، أمَّا في الملاحق فنجد حوالي 76 وثيقة من وثائق القائم مخارش بخط يده، وكذلك مجموعة من الصور التوثيقية لمراحل الإعداد للكتاب. بالعودة إلى المقدمة فإنها – كما أشرت – ذات أهمية بالغة؛ كونها أعطت القارئ المُطَّلع على الكتاب تمهيدًا وخلفيَّة تاريخية/ اجتماعية عن هذه المنطقة – المشقاص – التي حكمها القائم عبدالله مخارش كحاكم يمثل السلطة القعيطية الحاكمة لغالب أراضي حضرموت، ويمكن القول إن المقدمة بحد ذاتها تمثل بحثًا تاريخيًّا وأنثروبولوجيًّا مهمًّا خاصًّا بمنطقة المشقاص وسكانها، فقد توسع الاستاذ الملاحي في تقديمه للكتاب، ذاكرًا معلومات مهمَّةً عن تاريخ المشقاص عبر العصور الماضية، متناولًا أيضًا تعريف الاسم ودلالته، وموقعه الجغرافي بالنسبة لخطوط الطول والعرض، وتضاريسه المختلفة، وكذلك لمحة تعريفية عن النسيج الاجتماعي – المكوّن الإنساني – لهذه المنطقة، والمشتمل على فصائل، وكل فصيل يُعرَف ببيت كذا (بيت نمور، بيت هزيل بيت مطر… إلخ: ص16)، وأيضًا التحالفات القبلية التي شهدتْها المنطقة عبر تاريخها خصوصًا بعد القرن السادس الهجري 12 الميلادي حتى اليوم، مثل التحالف الثعيني مهري، الذي انضوى تحت لواء الحلف الضني العام – حضرمي -، ويشير الأستاذ الملاحي لأسباب توسُّعه في تقديم الكتاب إذ كتب: “وكمحاولة للتعريف بها – بمنطقة المشقاص – كتبتُ هذه المقدمة، وهي خلفيَّة تاريخيَّة مبسَّطة للمشقاص المكان والسكان وللظروف السياسية والأمنية التي تولَّى فيها مخارش حُكمَه حتى تُعِينَ القارئَ على معرفة الأحداث والأعلام والمواقع عند اطلاعه على ذكرها”ص35.
تأتي أهمية المقدمة لا من كونها تعطي القارئَ تمهيدًا لفهم موضوع الكتاب فحسب، بل وأيضًا من كونها تعطينا لمحة عامة وشاملة عن تاريخ المنطقة، هذا التاريخ وتلك الأحداث التي شهدتْها منطقة المشقاص منذ ما قبل الإسلام وما بعده، والتي يكاد غالبُ أبناء حضرموت يجهلونها، والسبب في هذا الجهل كما يقول الأستاذ الملاحي أنَّه “لم يحظَ مخلاف المشقاص (الريدة وقصيعر) بالكتابة عن تاريخه وعن نشاطه الاجتماعي، فلا زال تاريخه مجهولًا، وأن الدراسات الحديثة عنه نادرة، وتتحدث عن المرويَّات الشفاهية وتراثه الشعبي… أما التنقيبات الآثارية فلا توجد، ماعدا تنقيب آثاري قامت به بعثة فرنسية عام 1995م بميناء المصينعة ص:14-15”. يكتب الأستاذ الملاحي مقدمته المهمة للكتاب واضعًا ثلاثة عناوين فرعية لها، العنوان الأول “المشقاص مخلاف أهملَهُ التاريخ”، وفيه تحدَّث عما ذكرناه آنفًا من خلفية تاريخية اجتماعية للمنطقة وسكانها، والعنوان الثاني كان “المشقاص والتطلعات القعيطية”، وفيه عرض بعضًا من أحداث الصراع الدامي الذي دار بين الكثيريين والوجود اليافعي بحضرموت، متمثّلًا هذا الوجود أساسًا في التحالف الكسادي القعيطي؛ وذلك للسيطرة على حضرموت، حيث كانت الغلبة في هذا الصراع للقعيطي عندما سيطر على الموانئ الشرقية لحضرموت، ومنها ميناء مدينة قصيعر، وهي الميناء الرئيس للمشقاص، ودحر آل كثير، واعتراف بريطانيا بالوجود القعيطي، وبالتالي تأسيس السلطنة القعيطية بحضرموت. أمَّا العنوان الثالث فكان “مخارش حاكمًا”، وتحته سرد الأستاذ الملاحي كيف ومتى تم تعيين القائم مخارش كحاكم قعيطي على الريدة (ريدة عبد الودود) وملحقاتها، إذ أوضح أن تعيينه قد تمَّ عام 1906م، أي بعد مرور تسعة وثلاثين عامًا من سيطرة القوات القعيطية على ميناء قصيعر، هذه الفترة الزمنية الطويلة تعني أن استتباب الأمر والوضع للقعيطي لم يكن سهلًا في منطقة المشقاص حيث شهدت تلك السنوات توتُّرًا شديدًا بين الوجود القعيطي والوجود السكاني لقبائل تلك المنطقة، وكان على القعيطي تلمُّس وسائل سلمية لتجنُّب المواجهات المباشرة مع تلك القبائل، وكان السبيل إلى ذلك عقد اتفاقيات مصالحة واعتراف، مثل اتفاقية صلح المسندة عام 1877م ص:29 والتي تمت فيها المصالحة والاعتراف المتبادل بين آل كثير وحلفائهم والقعيطيين وآل يماني التميميين، وترسيم الحدود بينهم، وعدم تدخل كل منهم في شؤون الآخر ص:29. غير أنَّ هذه الاتفاقيات لم تمنع نشوب صراع مؤثر في الواقع الاجتماعي بين قبائل الحموم والسلطة القعيطية، ويشير الأستاذ الملاحي إلى هذه المصاعب التي حدثت في عهد القائم مخارش، مثل اعتقال حاكم الشحر القعيطي لأفراد من الحموم وإعدام 27 زعيمًا من زعمائهم، وكانت ردة الفعل الحمومي على هذا الاعتقال والإعدام فيما سمي باحتلال الحموم لمدينة الديس الشرقية عام 1925م، هكذا تزعزعت الثقة بين السلطة القعيطية والوجود القبلي بالمشقاص، التي يسيطر عليها القعيطيون، وصولًا إلى عام 1937م.
حين دعا السلطان صالح بن غالب القعيطي، وبتأييد من بريطانيا إلى عقد صلح عام بين عموم قبائل حضرموت لمدة 3 سنوات، وإلغاء ما كان بينهم من خلافات وصراعات وثارات، وتجدد هذا الصلح العام لعشر سنوات من عام 1940-1950م، الذي أقرَّه الجميع. خلاصة الأمر أن هذه الأحداث التي يشير إليها الأستاذ الملاحي في مقدمته للكتاب والمتغيرات المدنية والأمنية التي شهدها إقليم المشقاص كانت مرهونة بحكمة الحاكم مخارش وجهوده ومساعيه، والذي لم يكن مجرد حاكمٍ منفذٍ لأوامر القيادة القعيطية وتوجيهاتها فحسب، بل كان حاكمًا مدركًا للواقع الذي يديره ويحكمه، دارسًا لعادات مواطنيه وعلاقاتهم وثقافتهم. هكذا ينهي الأستاذ الملاحي بحثه – مقدمته للكتاب – كاشفًا في دواخله عن جزء من تاريخ الدولة القعيطية وطريقة إدارتها لشؤونها ذات العلاقة بالمحكومين – المواطنين – وكيفية تعامل ممثّليها مع هؤلاء المواطنين، وما الحاكم مخارش إلا نموذجٌ لهؤلاء الحكام القعيطيين، الذين حكموا أقاليم السلطنة القعيطية، وقد كان كما كتب الأستاذ الملاحي: “حاكمًا متمتعًا بالحزم والصلابة مع حكمة ومرونة في التعامل مع الزعماء القبليين والشخصيات الاجتماعية المرموقة …
وقد اكسبته تلك العلاقة الحميمة في معظمها مكانة في قلوب المشقاصيين فأحبوه وعدّوه أخا كبيرا لهم وظلت هذه العلاقة ثابتة متينة مستمرة الى مابعد احالته للتقاعد عام 1953م ص35″. أكتفي هنا بما تم استعراضه عن مقدمة الكتاب آملًا استكمال قسمي الكتاب في حلقة قادمة بمشيئة الله.