قراءات
صالح سالم عمير
الغُصن الطري من حدائق الفكر الثري
هذا الكتاب الموسوم (الغصن الطري .. من حدائق الفكر الثري) للعلامة الشاعر الناثر حامد بن محمد بن سالم السري جمل الليل باعلوي (١٣١٠- ١٣٩٦هـ).. جَمَعَهُ الفنان المعروف حسن علي حامد السري جمل الليل ( حفيد الشاعر ) ..
يتألف هذا الكتاب أو الديوان وهو في مُجلّد أو سِفر عظيم من جزئين.. ويتضمّن حياة الشاعر السري وأدبه وشعره .. (الفصيح والعامي)
الكتاب طُبع في القاهرة بمطابع المكتب المصري الحديث في محرم ١٤٢١هـ الموافق ابريل ٢٠٠٠م..
يُشير جامع الكتاب في المقدِّمة إلى أنّ العلامة الأديب محمد بن أحمد الشاطري راجَعَ الكتاب وأشرف على تصحيحه حتى خرج في هذه الحُلّة القشيبة، وأنه لم يسبقه سابق إلى هذا الصنيع (أيّ جامع الديوان).. وأشار في الإهداء، إلى أنّ الديوان يحتوي على أشعار جَمَعَها من شَتات خلال سنوات عدَّة، إذ تراكم عليها الإهمال والنسيان ومزّقتها أيدي الضياع..
وقد تحدث الكثير من العلماء والأدباء والشعراء عن حامد السري، يقول صالح بن علي الحامد (ضمن ماقاله شعراء وأدباء آخرون):
الحامدُ الجهبَذُ النِحريرُ
مَن بَهَرَتْ
أوصافُهُ الغرُّ من وافَى يناظِرُهُ
ويقول علي أحمد باكثير:
إنّهُ حامدُ السَّريُّ حليفُ العلمِ قد سادَ بين قاصٍ..
وداني
وثمّة تقاريظ للكِتاب السِفر بأقلام أدباء وشعراء مشهورين في المُستهل في حوالى ٢٠٠ صفحة من مَتِن الديوان الذي يقع في ٩١٥ صفحة..
يكتب الأديب محمد بن أحمد الشاطري قائلًا:
(وحامد السَّري هو العالِم الذي لم يُثْنِهِ علمُه عن الشعر، كما لم يُثْنِهِ الشعرُ عن العلم)..
ويكتب في موضِعٍ آخَر قائلًا:
(وبما أنه توجد في مدينة تريم التي نشأ وشبَّ بها كثيرٌ من نجوم الأدب اللامعة ومن فحول الشعر ممن هو في مستواهم وعلى شاكلتهم كالشاعر المُفْلِق أبي بكر بن شهاب والشاعر المعروف محمد بن حسن بن شهاب، فكثيرًا ما توجد بينه وبين البعض منهم مساجلاتٌ ومطارحاتٌ سواء في الشعر الحَكَمي أو الحُميني، ومعظم شعر شيخِنا حامد السري الحكمي أو الحُميني كله جَيّد)..
ومن غُرر قصائد حامد السري الغنائية والتي ينسبها البعض أحيانا لشعراء آخرين قصيدة:
بالغواني
قلبي مولّع هايم وفاني
دايم يدير الفِكَر
كم يعاني
في حب خرعُوب سَوّسْ مباني
في القلب له دُورْ.. وحصون!!
و يعلق الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري على هذه الأغنية (بالغواني) قائلًا:
فإنها من أبدع قصائده، وقد شاعتْ في الأوساط الحضرمية.. وتغنّى بها المغنّون بنغماتٍ شَجيّة في مجالس الأنس والسمر.. وغيرها)..
***
نماذج من شعر حامد السري:
يقول في قصيدته ( دمعة رثاء) يُرثي ابنته الصغيرة:
كنتِ مثلَ الخميلةِ الغضَّةِ الغنّاءِ أنتِ
وفي يديكِ دوائي
أنتِ روحي وروح روحي
و راحي
وإذا ما مرضتُ أنتِ شفائي
وإذا مالثمتُ منكِ خدودا
كنتُ حقًا من أسعدِ السعداءِ
و يقول:
وإذا ماسمعتُ منطِقَها العذبَ وتبديل رائها.. بالياءِ
فكأنيْ سمعتُ نغمة داؤُدَ يَدِبُّ الرحيقُ في أعضائي ..
وفي قصيدته عن سيئون يقول:
بسيئونَ على تلكَ الرَّحابِ
ذكرتُ على النوى عهدَ التصابي
وأوحشني التباعُدُ عن أُهَيْلي
وأشجاني وهيَّجَ بعضَ مابي
وَبِتُّ أَحِنُّ من شوقي إليها
كما حَنَّ المَشِيبُ إلى الشبابِ
فيا سيئونَ أشكو إليكِ مابي
وَيَعْذُبُ في تَجَنِّيكِ عذابي!!
وفي الديوان أكثر من قصيدة عن تريم يقول في قصيدة (الحنين إلى تريم):
إنَّ لي في الحبيبِ خيرَ خصالٍ
باقياتٍ من الهوى صالحاتِ
يعشقُ الحُسْنَ والملاحَةَ قلبي
كيفَ لا والجميلُ من عاداتي
ليتَ شعري هل تسمحو بوصالٍ (يُحذف هنا النون لضرورة الشعر)
يا أُحبيبابُ قد ملكتمْ حياتي
وإذا ما النسيمُ هبَّ لنا يوما
ذكرتُ حميدَ تلكَ الصفاتِ
من رُبُوع الغناءْ تريمٍ وحيّا
ما مضى لي بها من الأوقاتِ
ويقول عن تريم أيضًا:
بلدةٌ تُنْبِتُ الشهامةَ والعِلمَ وفيها ترى الوجوهَ الصِباحا
كم حضرنا بها مجالسَ عِلمٍ
تَكْسِبُ النفسَ بهجةً.. وارتياحا
ويقول في قصائد أخرى:
رشأٌ من هواهُ لستُ بناجي
مَرَضِي في جفونِهِ.. وعلاجي !!
وكذلك قوله:
أَدِرْ لي أحاديثَ الصبابةِ .. والوجدِ
وعَرّضْ بذكرى منتهى السُولِ.. والقصدِ
وعَلِّلْ بمن قد مازجَ الروحَ حبَّه
وفتَّتَ أكبادَ المُحبّينَ.. بالصَّدِّ
ويقول:
إنْ غبتَ عنّي فإنّيْ
لم يَصْفُ عيشيَ .. بَعدَكْ
فإنّ شوقي شديدٌ
إذا تخيّلتُ .. خدّكْ
إنْ تنسَى عهدي فإنّيْ
واللهِ لم أنسَ عهدَكْ
قَدْ قُدَّ بالحزن قلبي
لمّا .. تخيّلَ .. قدّكْ
*
وثمّة قصائد عدَّة في ديوان الغصن الطري في الرثاء، وفي المديح ومنها قصائد عدّة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي مدح آخرين كُثر.. مثل شيخه العلامة علي بن محمد الحبشي والملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، وعلوي المالكي، والحضراني ومحمد بن عيدروس الحبشي وأعضاء جمعية الحق بتريم وغيرهم..
وثمّة قصائد قليلة أطلق عليها جامع الديوان (أرجوزات) وهي قصائد بالفصحى ولكنها متنوعة القوافي وبحورها واحدة ..
ثم (الشعر الحميني) كما أسماه الجامع للديوان ..وهي نصوص دارجة عذبة ووفيرة .. تبدأ بتقاريظ شعرية أيضًا لشعراء كبار، مثل حداد بن حسن الكاف والمِحضار وصالح بن محسن الحامد.. وجعفر السقاف.
(الجزء الثاني الشعر الحُميني)
ولا بأس أن نُلقي بعض الضوء على ديوان حامد السري الحُميني، فقد نظم كثيرًا على ألحان الدان الحضرمي وعلى ألحان أخرى متنوّعة، ويتمثّل في أشعاره الغنائية الذوق الفني العذب، حيث ترق المشاعر ويسود الانسجام والصفاء بين الشعراء وهُواة هذا الفن الجميل، ويتغنى المغنون بنغمات شجيّة في مجالس الأنس والسمر والدان!!
وقد اخترنا نماذج من أشعار (الغزل)، ونماذج من أشعار الغُربة ومعاناتها التي يُصوّرها الشعر.. ثم نختم بنماذج من أشعار التقريظ للديوان.
*
لعلّ من أجمل نصوص حامد السري الغنائية النص التالي على لحن (بايقع عُرس في ذي الليالي) وهو نص طويل وجميل، ومكتنز ومُترَع بالغنائية العذبة.. ويتبيّن لنا من خلال هذا النص أن الشعراء الغنائيين الذين أتوا بعد الشاعر الرائد.. مازالوا يكرّرون ويجترّون هذه الصُّوَر الشعرية نفسها والمعاني نفسها حتى اللحظة، وقد غُبن هذا الشاعر ولم يُنصَف ولم يُذكَر أو يُكرّم بما يليق بريادته الفنية، ونختار من النص مايأتي:
قال حامد ليالي تقلّب
سامر الجاه قلبي معذّب
ناحل الجسم والرأس شيّب
من هوى كاحل الطرف نعسان
هيّج القلب صوت الحمايم
بات يسجع ونا بِتّ هايم
ذكّر القلب حلو المباسم
باهي الخد منسوع لسيان
حاز حُسن الحضَر.. والبداوة
والروَش والترف والطراوة
والنعومة وكلّ الحلاوة
كامل الحُسن للغيد سلطان
ناعس الطرف زين الفعالي
في عيونه سَلَبْ للقتالي
والقمر في جبينه يلالي
شارقة منتصف شهر شعبان!!
عذبْ عذّبتنا بالقساوة
يارَضِي خل هذي الغباوة
لو تبا مامعي ف ارض جاوة
عاهد الله من خان لا كان
لو سمح لي حبيبي بخصلهْ
في الوجن با تمتّع بقُبلة
عَلّ يرضَى ويسعف بوصله
فضل منه مع جود وٱحسان!!
باللقا للمعنّى تكرّم
جد بلقياك في الليل لظلم
وانت ياعذب تدري وتعلم
إنني صادق الود .. حبان
والمحبة لها في فؤادي
يامُنى مُهجتي ألف وادي
بينهن صرت رايح وغادي
ذاهل العقل ولهان حيران
شِعب عيديد ياخير وادي
باكَرَتُه المزون الغوادي
للصفا فيه والأنس نادي
يجمع الشمل ما بين لاخوان
يا رعى الله زمان التهاني
حين نجني لذيذ المجاني
في حِمى اهل الوجوه الحساني
نحتسي خمرة الحب .. ألحان
قد بسطنا بساط المودة
والصفا بيننا فاح ندّه
نحمد الله في خير بلدة
تمم الله لنا القصد .. والشان
في تريم البلد ماكماها
دايم النور يعلي سماها
دايم النفس تطلب هواها .. إلخ ..
وقد نَظَمَ الشاعر السري على ألحان الدان الحضرمي القديمة المتنوعة – فحفظها من خلال المحافظة على أسمائها وأوزانها .. يكتب في مُستهل القصيدة وهي على لحن كذا وكذا .. وأحيانًا يكتفي بعبارة (قال على لحن الدان الحضرمي):
ياناس ايش الوسيلهْ
في ظبي حُلو المُقل
لي فاق ظبي الطويلهْ
قلبي أنا منّه عليل
ويقول في نص آخر:
القلب دايم يحبك
والعين دايم تراعيك
العين قط ما رأتْ في الزين يازين ثانيك
متى متى ياحبيبي اصبّحك أو أماسيك
وما تريده تفضّل حاشاي اقصّر أمانيك
سبحان رب السما كلْ مالُه الا يحلّيك
حسّيت دقات قلبي يا نور عيني تناديك
ومن رحيقك متى تسقيني إنتِه وأسقيك!!
ونظم حامد السري على بعض الألحان الصنعانية مثل لحن (أحبة رُبى صنعا عجب كيف حالكم) وعلى أصوات الدحيفة (حبيبي مولّع للوطن مشتاق)
ويقول:
يا فايق الغزلان ما مثلك ينافس
تزري بأغصان الرُّبى ذيك الموايس (أي الميّاسة)
خذني حبيبي لك انا دايم موانس
با ذوّقك طعم الهوى رابع وخامس
قد زاد شوقي والشجن هي والوساوس
لجلك سمير الليل .. يازين المجالس
إلى متى قلبك يظل بي ماهو .. حاسس
في العشق ما مثلي ولا لي حد .. ينافس!!
*
ومن الأشعار التي تعكس آلام ومعاناة الاغتراب يقول على لحن (سقى الله روضة الخلان):
إلى الغَنّاء بلادي دوب
يحن قلبي بها مشغوب
وأشواقي بليل ونهار
بجاوه طالت الغربه
حياتي كلها كُربه
علينا طالت الأسفار
بدعوَه اذكروا .. حامد
إلى الغنّا يقع وافد
على الموبيل والطيّار
ويقول على لحن (قال بن هاشم انا قلبي سلي):
لا متى حامد في الغربه سنين
غاب عن أهله وصحبه والبنين
آه ياما بي طعمت الحلو .. قار
عوّد الله من تغرّب .. للديار
يا مسيكين الذي مثلي بِلي
في فراق الزين وفراق الهَلي
كلّ شي مقبول إلا الانتظار
ضاق انا صبري وشوقي جيم ميم
جسمي في جاوه وروحي في تريم
ارحموا من فارق احبابه وسار
عوّد الله من تغرّب .. للديار
ويقول على صوت الدحيفَة:
يامروّح إلى الغنّا بلادي
قف تفضّل فضيله
برسلك لا أحيبابي وسُولي
قل لهم إنّ حامد في تناكيد
*
ولأننا قد تحدثنا في المستهل عن أغنيته الشهيرة (بالغواني) نختار لكم هنا أبياتا من قصيدته (سيئون لولا علي حبشي مابانجي) الدارجة – (وبالمناسبة كل العلماء والشعراء الكبار في حضرموت أو أغلبهم كتبوا أشعارًا باللهجة بالدارجة):
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
النُّود من حيّها لاهَب نَسّمْ علي
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
عالقرن من حين تقبل ينشرح خاطري
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
وعاد لي في أنيسهْ يوم ماينتسي
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
ونقطف أثمار من خرف الحبيب الرضي
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
ما اليوم ياغارة الله دائما نشتكي
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
غُربةْ وكربةْ ودمع العين ماينتهي !!
سيئون لوما علي حبشي مابانجي
*
نماذج من أشعار تقريظ الديوان (نختار من كل قصيدة أبيات معدودة):
يقول حداد بن حسن الكاف:
حامد سري الذي له .. في المجد أعلى مقر
في الكون قد شاع صيته عمّ بحرا .. وبر
يابن محمد يكفّي من طول هذا السفر
تريم ترقب وصالك قد استجاب القدر
ويقول أ. جعفر بن محمد السقاف:
يا نجم شارق وألحانك وشعرك نفح بالمسك والعنبري
تريم تسجع بأنغامك وذكرك وَسَط عيديد كالمِزهري
الدان يذلح تنسنس به وتنوح مع الشعّار في المسمري
ويقول حسين أبوبكر المحضار:
يكفيه ويشرّفه إنْ شيخه وصهره الشاطري
ولا قرأ مثلك على باحارثه والجابري
والشكر والتقدير لك يا جامع الغصن الطري
ويقول حسن عبدالله باحارثه:
حامد محمد السري نذكره جيلًا بعد جيل
شاعر حُميني حَكَمي في الشعر أمثاله قليل
تريم تشهد له وجاوى والمدينة .. والسحيل
*
ختامًا.. أسمى تحية لجامع الديوان الفنان حسن علي حامد السري، ولكم أحبّتنا …
*يشير جامع الكتاب المزدان بالصور حفيد المؤلف حسن السري في مستهل أغلب القصائد بقوله (وقد مزّقَتْها أيدي الضياع) أو قوله (لم أعثر عليها كاملة فقيّدتُ ما وصلني منها) !!
فشكرا له، فلو لم يتولَّ طبع هذا الكتاب الفخم، لربما ضاع كل هذا الموروث الفني الرائع والوفير.