مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

رؤية بامطرف للواقع السياسي بحضرموت قبل الاستقلال ومقارنته بواقعنا

قراءات

أحمد زين باحميد

حضور مميز مساء السبت 31أغسطس 2024 م، مجموعة من النخبة المثقفة في ساحل حضرموت تحضر إحدى أمسيات مركز حضرموت للتاريخ والتوثيق والنشر، وفي منتدى عميد الأدب بالمكلا ندوة سياسية عن رؤية المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف عن تاريخ حضرموت السياسي قبل الاستقلال عام 1967م وواقعنا اليوم.

 والأستاذ محمد عبد القادر بامطرف كان كاتبًا ومؤرّخًا يمنيًا شهيرًا، عُرف بأعماله التي تناولت تاريخ حضرموت واليمن بشكل عام؛ فقد تناول بامطرف في كتاباته الواقع السياسي في حضرموت قبل الاستقلال عام  1967م،  مسلِّطًا الضوء على التحديات التي واجهتها المنطقة في تلك الفترة، مثل الاستعمار البريطاني والصراعات القبلية والمنافسات الداخلية بين القوى السياسية والاجتماعية.

وكما يقول الدكتور أحمد هادي باحارثة أستاذ الأدب والنقد بجامعة حضرموت :لقد عاشر الأستاذ المؤرخ  محمد عبد القادربامطرف (1915- 1988) لأول مرة حياة السياسيين في أواخر سنة 1937م بسفره من الحديدة؛ إذ كان يعمل في فرع شركة البس، مترجمًا مع الأمير سيف الإسلام الحسين ولي عهد المملكة المتوكلية آنذاك، إلى عدن وهو عازم على استيطانها؛ لأنه أحبَّها وأحب أهلها، وربما عبر تلك الشركة تم اختياره ليكون مترجمًا للمستشار الإنجليزي بحضرموت بوصفه الرجل الحضرمي المؤهل والأنسب لهذه المهمة، ولم يكن ذلك عن اختيار منه أو رضا، ولعل هذا هو ما يستشف من إحدى كتاباته إذ قال: “كنت أحد المهاجرين الحضارم لعدن، وإن لهذه البلدة الطيبة ولأهلها حق الضيافة والتعليم والعمل، ولي بها إخوة وأصدقاء وزملاء دراسة وعمل أذكرهم بكل خير، ولقد غادرت عدن على كرهٍ مني إلى الساحل الحضرمي مسقط رأسي”.

   وهكذا بدأ بامطرف مشواره السياسي بحضرموت مترجمًا للمستشار البريطاني، فكان قرينه حيثما حل أو ارتحل ما بين مدن المكلا وسيئون وعدن، وذلك منذ عام 1939م، وقد شهد بحكم موقعه هذا مواقف تاريخية متعددة، لعل أبرزها مفاوضات ابن عبدات مع الإنجليز؛ إذ كان هو المترجم بينه وبينهم.

   وفي عام 1946 استقر في مدينة سيئون بوظيفة الكاتب الأول بإدارة المستشارية الإنجليزية التابعة لوزارة المستعمرات البريطانية، وبقي على ذلك حتى عام 1952 حيث انتقل للعمل في الحكومة القعيطية بالمكلا.

   كان انتقال بامطرف إلى الحكومة القعيطية على سبيل التعاقد، كل عقد مدته خمس سنوات قابلة للتمديد، ابتداء من يناير 1952م، وخلال أحد عشر عامًا قضاها في الخدمة الحكومية شغل عددًا من المناصب المهمة، فقد تقلد منصب وظيفة المفتش الإقليمي، أي مسؤولًا عن الحكم المحلي بالألوية، وقد هيَّأته خبرته تلك في إثراء تجربة المجلس البلدي في المكلا؛ إذ كان له أكبر الأثر في توجيه أعضاء ذلك المجلس وإرشادهم وتنويرهم، ثم كُلّف بمهام النائب لوزير السلطنة القعيطية، وقد جدد عقدُه مرَّةً أخرى، وعُيّن عضوًا في مجلس الدولة، وكان ينوب أحيانًا عن السلطان أو وزير السلطنة في بعض النزولات إلى مناطق السلطنة.

   وبعد انتهاء العقد الثاني ترك بامطرف منصبه هذا، وأبرم عقدًا جديدًا مدته ثلاث سنوات لغرض القيام بأعمال تتعلق بشؤون الحدود، والتطور الدستوري، وشؤون الزيت، فأدَّى دورًا مهمًا في المفاوضات التي دارت بين (شركة بان أمريكان) و)دولتي حضرموت)، وانتهت بتوقيع الاتفاق، كما أسهم في كثير من الأعمال الحيوية الأخرى المهمة.

   غير أنه كان قد تبرَّم من العمل في الحكومة القعيطية؛ إذ لم تمر سنة من تعاقده الأخير حتى قدم استقالته في يناير 1963م، وتحت الإلحاح الشديد سحب هذه الاستقالة وواصل العمل، وفي مايو من العام نفسه قدَّم استقالته الثانية وطلب إنهاء هذا العقد القائم بينه وبين الحكومة بصورة فورية، وأصر على ذلك رغم محاولات عدَّة بذلت لإثنائه عن قراره هذا، فلم تفلح، وبعد مرور شهر من تاريخ قبول الاستقالة – كما هو متفق عليه – أصبحت استقالة با مطرف من الحكومة القعيطية نافذة المفعول في 1/7/1963  وتناقلت الصحف المحلية خبر الاستقالة في صفحاتها الأولى وبعناوين عريضة.

   وبهذه الاستقالة نأى بامطرف بنفسه عن مخالطة السياسيين، ولكنه لم يُدِرْ ظهرَه تمامًا للسياسة، بل صار يتعاطاها عن طريق الكتابة في الصحف، فعمل نائبًا لرئاسة تحرير صحيفة الرائد، ولم تكن كتاباته مقتصرة على الشأن السياسي المحلي فحسب، بل كان أكثر تركيزه على نقده والدعوة إلى إصلاحه، حتى روّج البعض إلى إمكانية قيادة بامطرف لقيادة المعارضة الشعبية في حضرموت وتأسيس حزب سياسي معارض، لكن بامطرف نفى عزمه على تأسيس مثل ذلك الحزب مكتفيًا بنشاطه القلمي.

   لم يهجر بامطرف زملاءه من سياسيي السلطنة القعيطية، بل نجده يرافق وفد السلطنة إلى مؤتمر عقد في لندن بوصفه مترجمًا ومستشارًا لوزير السلطنة أحمد محمد العطاس أوائل شهر أغسطس 1965م، الأمر الذي ربما يدل على وجود بعض التواصل بينه وبين أولئك بحكم الزمالة القديمة بما يخدم توجههم نحو الإصلاح السياسي، ظهر ذلك من خلال الموقف المتشدد الذي أبداه وفد السلطنة تجاه بعض مطالب المستعمر البريطاني غير المتوافقة مع المطالب الوطنية التي ينادي بها بامطرف.

   ومن كتاباته التاريخية وكتاباته الأخرى فإن رؤيته للواقع السياسي بحضرموت قبل الاستقلال ((1967 كانت تركزت على التشتت السياسي الذي ساد حضرموت؛ نتيجة تعدد السلطانات والمشيخات المحلية، والتي كان كل منها يحاول بسط نفوذه وتعزيز قوته على حساب الآخر، فالحضارمة شأنهم شأن كل الناس كانت لهم صلاتهم الثقافية من خلال أسفارهم وتنقلاتهم في أقطار شرق آسيا حيث إن لهم بصماتهم التاريخية من خلال نشر الإسلام وثقافتهم وصحفهم السيارة التي ذاع صيتها في إندونيسيا وماليزيا وغيرها من الدول. 

   ونتيجة لما كان يتمتع به الحضارمة من إبداء الآراء واختلاف النظرات ظهرت كثير من ملامح اختلاف الرؤى والأفكار أسماه البعض تشتتًا، ويمكن أن نقول إن هذه الظاهرة من وجهة نظر المستعمر قد أسهمت في جعل حضرموت تبدو أرضًا خصبة للاستعمار البريطاني، الذي استغل الخلافات الداخلية لتعزيز سيطرته.

   المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف عندما أشار إلى أن غياب الوحدة الوطنية والشعور بالانتماء الوطني كانا من أبرز التحديات التي واجهت حضرموت في تلك الفترة. انتقد بشدة الطبقة السياسية التقليدية التي كانت تتعامل مع الاستعمار البريطاني بنوع من التبعية، الأمر الذي أدى إلى تأخير حركات التحرر الوطني، وتعقيد مساعي الاستقلال. ورأى بامطرف أنَّ الحل يكمن في تعزيز الوحدة بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية وتوحيد الصفوف لمواجهة الاستعمار.

وعند مقارنة رؤيته للواقع السياسي قبل الاستقلال بواقعنا اليوم، نجد بعض التشابهات .لا تزال اليمن تعاني من التشتت السياسي والانقسام بين مختلف الفصائل، مما يعيد إلى الأذهان واقع حضرموت قبل الاستقلال. إضافةً إلى ذلك، فإن التدخلات الخارجية لا تزال تؤدي دورًا في تحديد مسار السياسة اليمنية، كما كان الحال مع الاستعمار البريطاني.

   لكن من يمحص حالات المسارات التاريخية للدول والأمم يرَ أن الفارق الرئيس يكمن في أن الوضع الحالي أكثر تعقيدًا نتيجة التحولات الإقليمية والدولية، والصراعات الداخلية المتعددة الأوجه، والتي تشمل الجوانب الطائفية والمذهبية. في الوقت نفسه، كما أنه لابد من الإشارة إلى أن الوضع الحالي بحاجة ماسة للوحدة الوطنية والشعور بالانتماء المشترك، وهي الرسالة التي كان الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف يدعو إليها في كتاباته كما يقول الدكتور باحارثة في محاضرته.

   وبعد تغير المشهد السياسي حين سقطت السلطنة القعيطية، ووقعت البلاد تحت إسار جبهة ثورية أعلنت عداءها لكل ما يمت إلى الماضي بصلة دون تمييز، فكان بامطرف أحد ضحايا تلك العربدة الثورية، وزُجَّ به في السجن بتهمة أنه أحد أعداء الثورة، وذلك في عام  1968م.

   وبعد أن وضعت الثورة أوزارها عرف رجال الثورة لبامطرف حقه، فصار عضوًا في إحدى المؤسسات السياسية للدولة الجديدة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، فتمتع بعضوية مجلس الشعب الأعلى في سبتمبر 1968م.

الرؤية السياسية:

   كان الاتجاه السياسي هو أبرز اتجاه بدا واضحًا وجليًا في مقالات بامطرف، إذ أخذت الكتابة السياسية لديه مناحي شتى، داخلية وخارجية، وقضايا فكرية، وتجارب شخصية، غذَّتها ممارسته للسياسة ومخالطته للسياسيين، مع ثقافة غزيرة عربية وغربية في هذا المجال من مصادر قديمة وحديثة، حتى نستطيع أن نصف مقالاته السياسية بأنها تشكل تاريخًا حيًا للحقبة التاريخية المعاصرة من تاريخ حضرموت، بما فيها من وصف للأحداث التي شهدها، والتجارب التي عايشها بامطرف، وتشكل أيضًا معينًا للفكر السياسي الحديث بما فيها من رؤية وتحليل وعبرة.

   وكان بامطرف قد كتب المقالة السياسية في وقت مبكر من عمره لا يتعدى الثامنة عشرة، تناول قضايا محلية تتعلق بحكومة الدولة القعيطية، أي منذ حوالي عام  1932م، وفيها كان ينحي باللائمة على الحكومة القعيطية فيما يراه من أوضاع حضرموت السيئة، خاصة في شؤون الأمن المفقود، وقد نشرها في بعض الصحف المصرية، على عادة بعض المثقفين الحضارمة، وذلك قبل انتشار الصحافة المحلية في حضرموت.

   إذن فالسياسة كانت هي الدافع الأول لبامطرف للكتابة، وهي التي صارت المستحوذة على أكثر مقالاته بعد ذلك؛ إذ استمر بامطرف منذ ذلك الحين في الكتابة السياسية والنقد السياسي؛ موجِّهًا ناصحًا تارة، ومستنكرًا ساخرًا تارة أخرى، وذلك حتى سقوط السلطنة القعيطية، ثم انقطع عنها لعدم توافر المناخ المناسب لها بسبب طبيعة الحكم الذي ساد البلاد بعد الاستقلال سنة  1967، وقد شكا بامطرف من ذلك في حينه إذ قال: “النقد الذي نجده في صحافتنا المحلية يقتصر على الأُطر الدنيا، في حين كان في صحافة ما قبل الاستقلال، وكنت أحد الأقلام التي تشارك في ذلك، ننتقد الأوضاع عامة دون أن نُشير إلى شخصية محددة”.

   وكرر مثل ذلك في موضع آخر فقال: “الآن هناك نقد في صحافتنا، ولكنه موجه للقيادات الدنيا وحدها”.

   لقد تنوعت مناحي الكتابة السياسية عند بامطرف، فشملت أمورًا شتى، تمثلت في الوضع السياسي المحلي بحضرموت، وفي متابعة الأحداث في الجنوب العربي، وفي التعليق على بعض القضايا العربية والعالمية، وفي نقد شخصيات سياسية، وفي شؤون نظرية ومبادئ السياسة العامة.

لقد مثل المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف رمزًا بارزًا في تاريخ حضرموت، إذ حمل هموم شعبه وأمته الحضرمية وتطلع إلى مستقبل مزدهر بعد الاستقلال لكن، هل تحققت رؤيته؟ وما هي أوجه التشابه والاختلاف بين الواقع الذي تخيله والوضع الراهن في اليمن؟

   يقول الدكتور أحمد هادي باحارثة تحت عنوان: وحدة حضرموت:

   فعلى صعيد كتاباته عن الوضع السياسي بحضرموت والتي كانت تقتسم السلطة فيها سلطنتان، هما السلطنة القعيطية والسلطنة الكثيرية، نجد بامطرف شغل منذ وقت مبكر بمسألة وحدة حضرموت في إطار سلطة واحدة، ودولة مستقلة، معتبرًا هذه التجزئة مفتعلة بين بلد واحد وأمة واحدة فيقول:

”   لقد كانت حضرموت ساحلها وداخلها قطرًا واحدًا وأمة واحدة قبل إنشاء السلطنتين القعيطية والكثيرية، ولا زالت إلى اليوم في روحها، ومشاعرها، وثقافتها، وغاياتها، وآمالها في المستقبل”.

   وكان يرى أن تلك الوحدة ستكون سبيلًا إلى إصلاح عام للأوضاع في حضرموت اجتماعية وسياسية واقتصادية، وتكون سبيلًا إلى التحرر من الهيمنة الاستعمارية التي ترزح تحتهما هاتان السلطتان، إضافة إلى حل عدد من المشكلات الخلافية الناتجة عن توتر العلاقة بين الدولتين.

   ورفض بامطرف انضمام حضرموت إلى ما كان يسمى باتحاد إمارات الجنوب العربي، مُتحفِّظًا على صيغته وظروف نشأته معللًا ذلك بقوله: “إن الاتحاد الفيدرالي بشكله الراهن لا يشجع على الانضمام إليه؛ لأنه في رأينا تكتل إقطاعي أتوقراطي ضعيف، تدعمه مشيئة بريطانية غاشمة”، وكان يرى أن” أقل ما يوصف به الاتحاد الفيدرالي هو أنه يؤكد التقسيم القبلي، ويرسي من جديد قواعد الحزازات الإقليمية، وقبولنا هذه المبادئ معناه تسليمنا بكل بلادةٍ أن تتحكم فينا العنصرية العشائرية، إنها تتحكم فينا الآن، ولكننا واقفون منها موقف المتربص لنهدمها ونواريها التراب، والزمن والعلم في صالحنا، أما أن نقر تَحكُّمها فينا برضانا؛ فذلك ما يأباه كل من يُقدِّر قضايا الشعوب حق قدرها”.

   إذن ما نوع الوحدة التي يريدها بامطرف لموطنه وشعبه؟ يقول بامطرف:

“إن مفهومنا عن الوحدة هو أن تكون وحدتنا شعبية، بمعنى أن الشعب هو الذي يجب أن يكسب من قيام الوحدة الحضرمية، ومن وجود كل حالة تترتب على تلك الوحدة”، و”إن الوحدة ينبغي أن تزيل عنا التبعية للتقسيم العشائري، وتدفن الأحقاد القديمة”؛ ذلك لأن با مطرف يرى أن العشائرية بصراعها القديم، هي من تسبب في تقسيم القطر الحضرمي؛ لذا نراه يدعو دائمًا إلى جعل الانتماء والولاء لحضرموت، وليس للعشيرة أو القبيلة، ويبدأ بنفسه حيث يقول:

”   سوف أكذب على نفسي وعلى القُرَّاء إذا قلت إنني من وجهة سياسية أفضل أن أدعى تابعًا لهذه أو تلك العشيرة على أن أدعى جزءًا من الشعب الحضرمي بأسره”.

   ومن ثم رفض بامطرف الحكم السلاطيني الوراثي إذ قال: “إن الزمن الذي كان يصبح الفرد فيه حاكم ولاية؛ لأن أباه كان الحاكم فيها ينبغي أن يولي إلى غير رجعة”.

   وللسبب نفسه رفض بامطرف التوجه شمالًا إلى الاتحاد بين السلطنة القعيطية والمملكة العربية السعودية ذات الحكم العشائري، واستنكر سعي وزير السلطنة آنذاك أحمد العطاس لفرض ذلك الاتحاد، وقال: “نستنكر بشدة إبرام وزير السلطنة القعيطية وثائق التمهيد للدخول في اتحاد مع المملكة العربية السعودية بدون الرجوع إلى الشعب”، وكان خبر سعي وزير السلطنة أحمد العطاس لضم حضرموت للسعودية قد سرَّبتْه صحيفة كويتية، لكن الوزير العطاس سارع بإنكار ذلك الخبر.

   وعليه فاننا نعتقد أن رؤية بامطرف حلم لم يتحقق بالكامل بعد نيل حضرموت استقلالها عام 1967، كان بامطرف يتطلع إلى بناء دولة مدنية عادلة، تحافظ على خصوصية حضرموت وتحقق التنمية الشاملة. ركز في رؤيته على:

 * الحكم الرشيد والتنمية الشاملة والحفاظ على الهوية

   إن بامطرف لم ينزع عن نفسه ستار الاسم المستعار، بل نزع عنه كل تحفُّظ كان يبديه في العمل الوطني الثوري للتخلص من سطوة الأجنبي وأذنابه في الداخل، فصار يتحدث عن النضال، وعن التضحية، بعد أن كان يركن إلى الإصلاح التدريجي، والتطور الدستوري، وبعد أن كان ينظر إلى الحديث عن النضال والتضحية بأنه مراودة لأمور بعيدة مستحيلة، أصبح الآن يقول مُعْلِنًا وبكل وضوح: “إننا في الواقع بحاجة إلى ضحايا، وبحاجة إلى شحذ همم، وبحاجة إلى ما هو أكبر وأفدح من ذلك، إننا بسبيل مطلب صعب لن يكون من السهل علينا تحقيقه، إنه مطلب الحرية، وعلينا أن نوطِّد العزم على الجور أن يحيق بنا على أيدي الطغاة، وسنتحمل ذلك فرحين مستبشرين”.

    لم يكتفِ بامطرف الآن بالكلمة، إنه يدعو للدعم المالي لمن صار يصفهم بالأحرار، ويحث على ذلك التجار بحضرموت وفي المهجر، مبتدئًا بنفسه، واعتبر ذلك عملًا نضاليًا، وبيَّن فائدته بقوله: “إن العون المادي سوف يساعد في إبراز طاقات فينا اضطرها الفقر والعوز أن تحني رأسها، وأن تلجم فاهها بلجام النفاق، وأن تسير ذليلة مستكينة في ركاب الشر والخذلان”.

   هذا الموقف السياسي لبامطرف المناوئ للحكومة المحلية وللمستعمر البريطاني، والذي تحول من الكلمة الناصحة إلى الكلمة الفاضحة، إلى الدعوة للنضال والتضحية، وطلب الدعم المالي لكل معارض، أو لكل وطني حر، جعل كثيرًا من الناس ينظرون إلى بامطرف كزعيم (للمعارضة) السياسية بحضرموت، وروَّجت بعض الصحف خارج حضرموت لذلك، وأشاعت عزمه على تكوين حزب سياسي لذلك الغرض، وهو الأمر الذي لاقى رواجًا عند الكثيرين ممن كتبوا في الصحف المحلية، يعلنون تأييدهم لبامطرف، وحثه على إنشاء حزب سياسي، يقود المعارضة ضد حكومتي حضرموت والمستعمر الإنجليزي، لكن بامطرف اكتفى بدوره في الكلمة والتوعية السياسية.

   وخُلُوُّ حضرموت من حزب سياسي يتبنَّى حركة التغيير التي كان يبشر بها بامطرف ونظراؤه من أصحاب الفكر الحر والناقد كسعيد عوض باوزير، وأخيه أحمد عوض باوزير، وحسين محمد البار، وعلي محمد حميد وغيرهم، ترك حضرموت ساحة لاستقطابات الشباب الغر لمكونات من خارجها، ربطت مصيرها بمصيرهم، وكان هؤلاء الرُّوَّاد أول ضحاياها، ماديًّا ومعنويًّا، فلم تعرف لهم أقدارهم، فخفتت آثارهم، وخفيت أدوارهم، بل وصل الأذى بعضهم إلى دارهم، مثلما حدث لبامطرف نفسه، وما زالت الأزمة مستمرة. فاليمن يعيش صراعًا داميًا منذ سنوات، وتأثرت حضرموت بشكل كبير بهذا الصراع. تشمل أبرز التحديات التي تواجهها حضرموت حاليًا:

 * الانقسام السياسي: تعاني اليمن من انقسام سياسي حاد، مما أضعف مؤسسات الدولة، وأعاق جهود التنمية.

 * الصراع المسلح: تشهد حضرموت، مثلها مثل بقية مناطق اليمن، صراعًا مسلَّحًا بين مختلف الأطراف، ممَّا أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية وتهجير السكان.

 * التحديات الاقتصادية: تعاني اليمن من أزمة اقتصادية خانقة، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتدهور الخدمات الأساسية.

   وأخيرًا بالرغم من مرور عقود على استقلال حضرموت، لكن عددًا من التحديات التي واجهها بامطرف لا تزال قائمة حتى اليوم. فالحكم الرشيد والديمقراطية والتنمية الشاملة تبقى أهدافًا بعيدة المنال في ظل الصراع المستمر.

   ويبقى سؤال: هل ستتمكن حضرموت من تحقيق حلم بامطرف وبناء دولة عادلة ومزدهرة؟ الجواب يعتمد على قدرة اليمنيين على تجاوز الخلافات والتوصل إلى حل سياسي شامل للواقع السياسي القائم حاليًا في اليمن بشكل عام.