كتابات
غالب صالح الحامد
الحامد… باكثير… المساوى… السوم… السقاف… عمر باكثير… سقاف بن محمد
منذ أكثر من ثمانين عامًا بسيئون، كان أدباء سيئون يكتبون صحفهم بأيديهم، ويتداولونها، والاشتراك فيها، وبيعها، ويختلقون المناسبات لإظهار إنتاجهم الأدبي، وإبداعاتهم الشعرية، ولهم في جلساتهم الخاصة متنفَّسٌ، وفي عزائمهم المتبادلة موضوع للمساجلات الشعرية، فتراهم يتنقلون بين النخيل والمواقع الجذابة الرومانسية، أو الجبال عند هطول الأمطار، أو مقر النادي الأدبي في سيئون أيضًا، وبرحلاتهم يقومون بطبخ وجباتهم، وفي إحدى العزائم في بيت الشاعر صالح بن علي الحامد، المعروف بسوق الحوطة، حضر زملاء الصبا، الأستاذ محمد بن شيخ المساوى، والأستاذ علي بن أحمد باكثير، والأستاذ عيدروس السوم، والشيخ عمر بن محمد باكثير، والأستاذ مصطفى سالم السقاف، والأستاذ سقاف محمد السقاف، وبعد تناولهم الغداء الدسم؛ طال انتظارهم للشاي، ومن المعروف في سيئون أن تناول الشاي بعد الغداء من الضرورات تقريبًا، وبالغ بعضهم وشبهه بالخمرة! وأن مسألة إعداد الشاي بالمنزل كانت تعتمد على النساء في الغالب، وكانت أوقات الشاي: شاي البكرة، وشاي بعد الغداء، وشاي الليل؛ والسمر، غير أن تلك المجموعة من أدباء سيئون كثيرًا ما يقومون بإعداد الشاي الخاص بهم، ويجلس أحدهم أمام عدة الشاي، وبهذا يعيشون متعة لحظاتهم، واستغلال وقتهم دون تدخل أو انتظار للشاي؛ حتى بالمنزل، في تلك المناسبة وفي بيت الحامد كان الشاي يعد ويصب من قبل أهل بيت الحامد؛ لذا قد يأخذ وقتًا طويلًا عند التحضير، وعند الإحضار؛ لكبر المنزل واتساعه، وفي ذلك اليوم تأخر الشاي كثيرًا، إما لأن جمرة البخاري لم تكن كافية لإنضاجه، أو كان الفحم رديئًا، وانطفأت الجمرة في البخاري، أو أنَّ مَنْ على الشاي تنتظر رسوخه؛ فطال الانتظار للشاي، وكانت الأنظار متجهة نحو الباب دون جدوى؛ ليسمعوا من يصفّق، أو يقرع الباب، أو صوتًا يعلمهم بوجود الشاي مصبوبًا، وكثر القيل والقال بينهم، وما كان من علي بن أحمد باكثير إلا أن تجرأ ممازحًا، ومداعبًا الحامد، معبِّرًا عن حاجة المجموعة وطلبها للشاي، ففي تلك الجلسة ارتجل باكثير أبياتًا مداعبًا فيها صديقه الحامد، ويمتدح فيها الوجبة التي تناولوها، لكنه يلح مطالبًا بالإسراع في إحضار الشاي (عن ديوان باكثير أزهار الربى في شعر الصبا) قائلًا من بحر المتقارب:
أكَلْنا أكْلَنا إلى أنْ شبعْنا من المأكل الصالحيّ اللذيذْ
ولكننا نشتـــــــهي أكْـــــؤُســًـا من الشــاي تفضح كل نبيـذْ
غدا (صالحُ) اليومَ مثلَ الخليل إذْ جاء يومًا بعجـــل حنيــذْ
ففي أَكْؤُسِ الشاي بردُ الغليل وطيبُ العليل وبرءُ الوقيذْ
فدخل الشاي محمولًا؛ فقوبل من الجميع باستقبال كاستقبال الأبطال، وعادت الابتسامة للوجوه، وشعر باكثير بنشوة النصر، مضافًا إليها نشوة الشاي، وحجز كل منهم أكثر من كأس فنجان؛ ليكسر الخرمة، مستعجلين في تناوله؛ لتعود الكرّة من جديد.
معظم شعراء سيئون قالوا في الشاي شعرًا، كما هي قصائدهم في كتاب الشيخ الشاعر عمر بن محمد باكثير أكواب الشاي، وتشهد تلك الجلسات السيئونية مساجلات بالشعر الفصيح، أو الحميني، طالما أن الحضور هم نخبة من شعراء سيئون وأدبائها.
فمن كتاب أكواب الشاي للأديب الشيخ عمر بن محمد باكثير، نختار أبياتًا منتقاةً لكل شاعر من تلك المجموعة، قد قال الشاعر صالح بن علي الحامد قصيدته المشهورة، من بحر الكامل:
روّقْ لها ماءَ الغمام وهاتِها لي والحبابُ يدور في جنباتِها
صهباءَ ماعبثت بها يدُ عابثٍ ما عاشرت إلا أكفَّ سُقاتِها
لولا انتصاف الكأس خُيِّل أنها في يد ساقيها تقوم بذاتِها
وقال الأديب علي بن أحمد باكثير، من بحر الهزج:
شرابُ الشاي خيرٌ لي من الدنيا وما فيها
إذا ما أقبلت كــأسٌ كخود في تهاديها
تولى الهمُّ من نفسي ودانت لي أمانيها
ويقول الشاعر الأديب محمد بن شيخ المساوى، من بحر الخفيف:
نسخت آية المدامة آيــا ت من الشاي هن أم الكتابِ
فاصطبح كؤوسًا من الشاي تسامتْ على كؤوس الشرابِ
تجلب الأنس والسرور إلى القلــ ــب ولا ينتـــهبن بالألبـــابِ
وللشاعر الأديب سقاف بن محمد بن طه السقاف في وصف الشاي وريق الحبيب، من بحر البسيط:
كأس من الشاي أغنانا عن الكأس الشاي أظهر خافي الشعر من رأسي
ولعت بالشاي بالفنان يطبخه حلو الحديث خفيف الـــروح ميــاسِ
حادثته وهو يسقيني ويلعب بي ويمزج الريقَ خرج الشهدِ في الكأسِ
وللأديب الشاعر الشيخ عمر بن محمد باكثير في فسحة لهم:
من أكوِس الشاي قد ثابت قرائحنا حتــى دنا فاخــر الأشعـــار شــــاردُهُ
لله من أكؤس حف السرور بها كم أترعَ الكـــــأسَ ساقي القوم ماجدُهُ
حتى كأنا خرجنا من عوالمنا في عــالم الـــروح غبنا ما نشاهــــدُهُ
وللحامد مكتبة غنية بأمهات الكتب الدينية، والأدبية، وغيرها، فكما كان الحامد لا يبخل باستضافة الأصدقاء، فمكتبته متاحة لهم وقتما شاءُوا للقراءة، واستعارة الكتب كما يروق لهم، ففي سنغافورة كان الكثيرون يستعيرون كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين.
وفي سيئون كان الإقبال أكثر، فها هو الأديب علي بن أحمد باكثير قد استعار كتاب الأغاني المعروف، لأبي فرج الأصفهاني، لفترة قاربت الستين يومًا، وقال قصيدة بتلك المناسبة وهي من بحر الخفيف، وأجاب عليها الحامد، نختار منها:
يا مليكَ القريض حُلَّ لساني ومُرِ الشعرَ أن يطيعَ لســــاني
ليس ميداني المــديحَ ولكــن وصفُ مابي من الهوى ميداني
غير أن الفتى إذا طوق الإحــ ـــسانَ يجزي مولاه بالإحسانِ
بارعُ الفضل (صالحُ بن علي) هـــاشمي العُــــــلا فتــى الفتيــانِ
خصه الله بالبراعة في العلـْـ ــمِ وفرطِ الذكاء وحسن البيانِ
ذو قريض كأن ألفاظه من سرق الخز والمعـاني غــواني
أو كؤوس صيغت من الجوهر الشفا ف فيها صرف من الخمر قاني
ما نسيت العهود لا اُنس إذ أسـ ـلفني مجــده كتـــابَ (الأغــــاني)
دام عندي شهرين يؤنس بــالي ويسلي مــا بي مــن الأشجـــانِ
ياســليل الكـــرام دونــك أبـيا ت ركاكا من قاصر الفكر داني
يترجى منك القبول وغض الــ طـرْفِ عما فيـها من النقصــانِ
إنما أنت -والمعالي شهودٌ- غُـــرّةٌ في جبين هذا الزمـــانِ
فأجاب صالح الحامد بهذه الأبيات من نفس البحر:
أدباءُ الورى كثير ولكنّ ما رأينا في الفضل كالأصفهاني
وإذا ما امتريت في فضله في الـْ علـم فانـظــر كتــابَ الأغـــاني
ولقـــد شافني الغداةَ قريــضٌ قد حكى نظمُه عقودَ الجُمانِ
من فتى لازم العلــوم صغيرا فغدا ســائـدًا عــلى الأقــرانِ
زِيدَ فضلا حتى يُعارِضَ في المنـْ ـثور قسا وفي القريضِ (ابنَ هاني)
ورعــاه الإلـهُ فـي كل وقــتٍ وحمـَـاهُ من طــــارقِ الـحــدَثــانِ
(بقلم: غالب صالح الحامد سيئون، جروب الحسن)
__________________________________________________________






