أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
صالح علي محمد العطاس
الشعر، في جوهره الأصيل، هو ذلك النبض الحي الذي يتجاوز أطر اللغة والتقنيات الفنية ليغدو انعكاسًا للكينونة الإنسانية في أسمى تجلياتها. وفي هذا السياق، تأتي تجربة الشاعر الرقيق سعيد محمد البطاطي بوصفها نموذجًا فريدًا للتعبير الشعري الحداثي، لكنه لم يكن مجرد امتداد لمدرسة بعينها، بل استطاع أن يخلق صوته الخاص، المتفرد بخصائصه الفنية والجمالية والفكرية، ليكون شاهدًا على مرحلة من التحولات العميقة في الشعر العربي.
لقد ظل البطاطي وفيًا لروح التجديد الشعري، مستلهمًا إيقاعه الخاص، بعيدًا عن التأطير التقليدي المألوف، متحررًا من قيود النمطية التي حكمت الكثير من أبناء جيله. فمنذ بداية ديوانه حتى آخره، نلحظ ذلك النزوع المستمر نحو التجديد، حيث تتماهى الموسيقى الداخلية للقصيدة مع التدفق العاطفي الصادق، في وحدة عضوية متكاملة تجعل من قصيدته تجربة فنية نابضة بالحياة. إن مقياس الشعر عنده لم يكن محض التزام بقوالب شكلية، بل كان يتسم بجماليات متوهجة، وحيوية متدفقة، وروعة فنية تُترجم صدق التعبير دون تصنُّع أو تكلف.
لا شك أن سعيد محمد البطاطي كان واعيًا، على المستوى النظري، بالمفاهيم الشعرية الحديثة وبالأبعاد الجمالية، التي تتجلى في سمات عدة، منها: الخيال الواسع، والانفتاح على أفق غير محدود، والنظر إلى العالم بوصفه كائنًا حيًا متغيرًا، واستثمار الرمزية والتخييل في بناء صور شعرية عميقة، فضلًا عن لغة تتسم بالصيرورة الدائمة.
وفي هذا الإطار، يُمكن القول إن البطاطي عاش في زمن كان فيه الشعراء يتطلعون إلى التحرر من القيود الاجتماعية والسياسية، متخذين من الشعر وسيلة للتعبير عن الحرية الفردية، باعتبارها أساسًا للنهوض الإنساني والتكامل الوجداني. فكان شعرهم صدى لحلمهم بمجتمع حر، ينفتح فيه الإنسان على ذاته وعلى الآخر في آنٍ واحد، وفق ترتيب واعٍ للأولويات التي تنطلق من الذات الحرة لتصل إلى المجتمع المتحرر. ومن هنا، يصبح شعر البطاطي ترجمة حية لهذا الوعي الفلسفي العميق، حيث نجد الحرية تتجلى ليس فقط كمضمون فكري، بل أيضًا كقيمة جمالية في الصور الفنية، واللغة المتجددة، والإيقاع الموسيقي المتحرر من الصرامة التقليدية.
إن التجربة الشعرية لدى سعيد محمد البطاطي لم تكن مجرد محاكاة لموجة الحداثة التي اجتاحت الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، بل كانت حداثة أصيلة، نابضة بروح إبداعية تستلهم التراث وتعيد تشكيله وفق رؤى جديدة، بعيدًا عن الاستلاب أو الانسلاخ عن الهوية. فهو لم يقع في فخ التقليد الأعمى للمناهج الغربية، ولم يكن أسيرًا لتيارات الحداثة المستوردة، بل نهل من ينابيع الأصالة ليخلق حداثة خاصة به، تمتاز بالتعدد والتمايز، مستندة إلى جذور ثقافية متينة.
وفي هذا السياق، يتطلب شعر البطاطي دراسات أكاديمية معمقة تسبر أغواره، بدءًا من تحليل بنيته الشعرية على مستوى اللغة والصورة والرمز والإيقاع، وانتهاءً باستكشاف الحقول الدلالية والمعجمية التي تشكل نسيجه الشعري الفريد. ولهذا، نأمل أن يجد هذا الإرث الأدبي العميق حقه من الدراسات النقدية التي تضيء أبعاده الجمالية والفكرية، وتحلل مكوناته البنيوية برؤية منهجية دقيقة.
إن إصدار الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر سعيد محمد البطاطي يمثل خطوة بالغة الأهمية في توثيق هذا الصوت الشعري المتميز، الذي ظل لعقود بحاجة إلى من يميط اللثام عن كنوزه الإبداعية. وهنا، لا يسعنا إلا أن نثمن الجهد الكبير الذي بذله صاحب الهمة العالية والأخلاق الرفيعة الأخ العزيز الدكتور عبد الناصر سعيد محمد البطاطي في جمع هذه الأعمال وتقديمها للقارئ العربي، بأسلوب علمي دقيق، يعكس حرصه العميق على تقديم صورة شاملة عن التجربة الشعرية لهذا الشاعر الرائد.
إن هذا العمل لا يعد مجرد توثيق لإنتاج شاعر فذ، بل هو إسهام حقيقي في إثراء المشهد الشعري العربي، وإبراز أحد الوجوه المشرقة للشعر الحداثي الذي حمل بين ثناياه هموم الإنسان، وأحلامه، ورؤاه، في لغة شعرية تحمل في طياتها أبعادًا فلسفية وجمالية رفيعة.
وإذ نقدم هذا الكتاب بين يدي القارئ الكريم، فإننا ندعوه إلى الدخول في عوالم البطاطي الشعرية، حيث تتماهى اللغة مع الحلم، وتمتزج الرؤية بالفن، في تجربة لا شك أنها ستظل علامة فارقة في مسيرة الشعر العربي الحديث.
الأستاذ صالح علي محمد العطاس
المكلا – حضرموت
25 فبراير 2025م