أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
د.عبدالقادر علي باعيسى
مِن القِزَة (دَمُّون) على مقربة من مدينة الهجرين التاريخية إلى المكلا حضرموت، ومنها إلى عدن، كان الشاعر سعيد محمد البطاطي يقفز قفزات هائلة في طريقه الشعري حاملًا معه الأمكنة والأشياء، كان يكتب كثيرًا، وينضج سريعًا، ساعيًا لأن يبلغ منزلة خاصة في الشعر، مطورًا كتابة قصيدته، منبثقًا عن ذاته كأجمل ما يكون الانبثاق، وفي كل قصيدة يضيف إلى ذاته جمالًا، ويتحقق، لم يكن يخطط لشيء إلا لاستحضار ذاته التي رآها تتفتح- وهو الشاب الريفي- كأجمل ما تكون في الشعر:
إنما فَلْتَطْمَئِنِّي
فأنا أجمع أشلائي على ظهر السفينة
وأنا غيرت وجهي بالمدينة
ربما ينقذ مسجون سجينه
وأنا .. ما زلت أعشق
ومن خلال مملكته الشعرية كان يقيم ممالك للآخرين، يخرج من ذاته إليهم ليراهم في مستوى ذاته حيث يكون التواصل الحميم معهم، وكلما اقترب منهم اقترب من نفسه، لم يكن يكبح انفعالاته، كان يرسلها، ويسعى لأن يرى وجوده وخطواته تتجه إلى أمام رغم إشكالات مدينة عدن التي كانت مشغولة بمآسيها الصراعية بين الرفاق في ثمانينيات القرن الماضي، فيتساءل ويستنكر، ومِن هذا التساؤل والاستنكار كان يتأذى، ويغرق أحيانا، لكنه ظل يمارس شعره بنبل، فما يملكه في وجوده هو الكلمة التي يعرف أنها تسعى إليه، وأنه سيد من ساداتها، وإن صار ما صار:
ظل بيني وبينك سجادة وصلاة
ظل جسرًا
يجيئون عبره
يقتسمون الغنائم باسم القبيلة
يسلبون الطفولة
ويقتنصون الطيور الأليفة باسم الخليفة
هيا اقرؤوا سورة الفاتحة
قبل أن تقرؤوها افتحوا قفصًا للحمام
كان أنيقًا في هيئته وملبسه وصوته، يسعى للمحبة ويتلاحم معها، تهديه إلى ذلك الكلمة وروحه الشاعرة، وعندما يصل القمع إليه كان يعرف أنه قد وصل قبله إلى الآلاف من الناس حتى اتسعت خبرته أمام مخاطر مختلفة، منها ما رآه، ومنها ما عراه، محاولًا ابتكار صوته الخاص من مجموع تداخلات متعددة يحاول بعضها أن يقمعه ويحاول بعضها أن يطير معه حتى صنع لوحته الشعرية الخاصة المتمثلة في هذه المجموعة الكاملة (ما زلت أعشق) و (واقفًا فيك) التي عمل على إخراجها الأخ الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
كانت علاقته بذاته واسعة في اتصالها بمناح كثيرة من التاريخ والتراث والواقع والشعر والقراءات المختلفة، وكان بذلك منسجمًا انطلاقًا من حجم ذاته الجميلة، يؤسس نفسه لأن يكون شاعرًا مثلًا، ويسعى لتوطين ذلك في تصور الآخرين عنه، يعيد صياغة الأشياء وفق الرؤية التي يراها:
حين يختلط الشوق بالشوق
أعبر جسر المسافة
وتغوص على تربتي شفتاي
ألوذ بها
ملء وجهي
أغور بأعماقها.. بجذور النخيل
أتنفس ذراتها
وأغوص كأشرعتي
عندما تعصف الريح.. أدخل فيها
وأرسو على قلعة الفقراء
كان يحاول أن يجعل من تراكيبه وأبنيته اللغوية شيئًا مختلفًا، أن يسمع صوت الضوء، ويسأل: ماذا بعد؟ وفي أثناء ذلك يتحمل كثيرًا في وصوله إلى الكلمة، وكان بذاك ينمي شهرته التي انتشرت بسرعة مثل وضح النهار في أجواء الثقافة في جنوب اليمن حينئذ.
هو من مواليد عام 1954م بقرية القِزَه (دَمُّون) وادي دوعن – حضرموت، وتوفي عام 1987م دهسًا بشاحنة في أحد الخطوط العامة بمدينة المكلا عليه رحمة الله، كان لا ينظر إلى الخلف إلا ليستمد منه تصورًا أعمق إلى أمام، ولم يحظ شعره بدراسات بعد، وسائله اللغوية والفنية مميزة، ويميل أحيانًا إلى بعض التفصيل في بناء الصورة من غير أن يبهت شعره ضمن الخط الحداثي الداعي إلى تجديد أشكال التعبير الكتابي، وكانت عدن في ذلك الوقت تمور بحركة جيدة من الثقافة والفكر لا سيما في رحاب جامعة عدن حيث كان الأساتذة من السودان جيلي عبد الرحمن، ومحمد سعيد القدال، وعبدالسلام نور الدين، ومبارك حسن الخليفة، ومن الشام الطيب تيزيني، وحامد خليل، وكان يزور الجامعة ويلقي محاضرات فيها الشاعر علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس)، ونصر حامد أبو زيد، وحسين مروه، كأنما أراد احتواء كل تلك المعارف دفعة واحدة، وكان الشعر يمنحه تلك المسافات من الحرية في تشكيل الكلام، لم يكن يتمركز في موضوع معين، كان ينطلق إلى موضوعات شتى: الحلم، الوطن، المرأة، الفقراء، الوجود، التاريخ،…إلخ. وكان الشعر يعينه في الوصول إلى ما لا يمكن الوصول إليه بالفلسفة والتفكير العقلي، وهذا التنقل بين موضوعات مختلفة تطلب منه إبداعًا فنيًا مميزًا مكنه من التعبير عما لا يمكن التعبير عنه بسهولة، كان يهمه جدًا أن يختلف عن الآخرين، أن يتميز حتى سكنته أرواح المعاني بحساسية خاصة، ينتبه لكل شيء، ويحسب لكل شيء حتى الأشياء الصغيرة في الحياة اليومية كحجم الدجاجة على الطاولة يسأل عنه النادل في المطعم عندما نجلس لتناول الغداء، وهو ما نلتفت إليه عادة عند شرائها من السوق، كان لافتًا في تفكيره وطريقة تعامله، مختلفًا، حتى بدا أحيانًا- خاصة في أخريات حياته- كما لو كان مشتتًا:
أرسليني رياحا
أو فارسليني مطر
لم أعد أرهف السمع
رجموني الشياطين
والملائكة الطيبون
أوقفوني على بابهم
كل مخضوضر في دمي استوى أسودا
أسودا في عيون الملائكة الطيبين
والينابيع جفت ومات الثمر
وكانت سمات الشعر في جنوب اليمن في تلك المرحلة من الربع الأخير من القرن العشرين تتبلور على يديه مع عدد من زملائه ومنهم: محمد حسين هيثم، وجنيد محمد الجنيد، وشوقي شفيق، وعبد الرحمن إبراهيم، ومحمد حسين الجحوشي، ونجيب مقبل، ومبارك سالمين، وجمال الرموش، وكل منهم يؤسس طريقته الخاصة في الكتابة، وكان للشاعر العراقي سعدي يوسف أثر في احتواء هؤلاء الشعراء، وهو الذي أقام في عدن مدة ولم يغادرها إلا مع أحداث يناير الدموية عام 1986م حتى انتشر أثرهم، فكتب الدكتور عبد العزيز المقالح كتابه (البدايات الجنوبية) الذي حلل فيه نماذج من قصائدهم، ومن خلال هذا المجموع المتفاعل استطاعوا أن يخلقوا أثرًا في تحديد الملامح الشعرية في اليمن قبل عام 1990م.
لعل سعيد البطاطي في آخر أيامه كان يتجرع حالات الموت يوميًا إذ مورست عليه حالات إعدام متكررة، كان يشعر بها بعمق، ولكنه ينتصر بكلماته التي ستظل خالدة:
وإذا لم يكن من الموت بد
فمن العجز أن تموت جبانا
جبان هو العجز
حاصره الموت
مت واقفا
شامخا كالنشيد
على باحة للغناء.
الأستاذ الدكتور عبدالقادر علي باعيسى
المكلا – حضرموت
15 فبراير 2025م