أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
د. نزار محمد عبده غانم
الشعر هو صوت الزمن إذ يتردد صداه بين وجدان الفرد وحنايا الجماعة، وهو الجسر الذي تعبر عليه الروح من ضفاف الحاضر إلى تخوم الخلود. إنه النشيد الذي يتخطى حدود اللحظة ليقيم في ذاكرة المكان والإنسان، حيث تتجسد الكلمات كأعمدة نور في معبد الحياة.
في هذا السياق، تأتي الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر سعيد محمد البطاطي كوثيقة جمالية ووجدانية، لا توثق تجربة شاعر فرد، بل ترسم ملامح زمن بأكمله، متجسدًا في نبض الحرف وإيقاع القافية. إنها شهادة شعرية على حكايات الحب والاغتراب، الوطن والمنفى، الحلم والانكسار، حيث تتعانق الكلمات مع الأزمنة، فيصير الشاعر لسانًا لوجدان أمته، ومرآة لعصره.
ينتمي الشاعر سعيد محمد البطاطي إلى ذلك الرعيل الذي آمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الشعر ليس ترفًا بل موقف. لذا، فإن قراءة شعره ليست مجرد تذوقٍ جمالي، بل هي رحلةٌ في دروب الوعي والالتزام. فهو شاعرٌ يكتب بعاطفة العاشق وبصيرة الفيلسوف، ينسج من المفردات حكايات تمس الوجدان، وتُشرِع نوافذ التأمل والتساؤل.
وفي أعماله الشعرية، نجد أصداءَ متعددة، فمن صدى الشعر العربي التقليدي الذي ينهل من بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، إلى إيقاعات الحداثة التي تتجلى في بناء الصورة وتوظيف الرمزية. إنه صوتٌ يمتد بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والمستقبل، مستلهمًا من بيئته ومن تجاربه الشخصية، ليخلق نصًا ممتدًا في الزمان والمكان.
إن جمع هذه الأعمال في كتابٍ واحد هو جهد يستحق الإشادة، فهو لا يحفظ إرث الشاعر فحسب، بل يقدمه للأجيال القادمة كنموذجٍ لحيوية الشعر ودوره في تشكيل الوعي الثقافي. فالقصائد هنا ليست مجرد كلماتٍ مسطورة، بل نبضاتٌ تسري في وجدان القارئ، تلهمه، وتحرضه على التفكير، بل وربما تعيد تشكيل رؤيته للحياة.
ولا يفوتني هنا أن أنوَّه بالدور الجليل الذي اضطلع به الدكتور عبد الناصر سعيد محمد البطاطي في جمع هذه الأعمال وتقديمها إلى القارئ في حلة تليق بها. إن مثل هذا العمل ليس مجرد جهد توثيقي، بل هو فعل ثقافي نبيل، يعكس وعيًا عميقًا بقيمة الكلمة وضرورة صونها من غياهب النسيان. إن توثيق التجارب الإبداعية، خاصة تلك التي حملت هموم الإنسان وحلمت بمستقبل أكثر رحابة، هو ضربٌ من الوفاء للتاريخ الثقافي، وتأكيدٌ على أن الكلمة، متى ما وُضعت في سياقها الصحيح، تظل شاهدةً على العصر، ومُلهِمةً لأجيال قادمة.
إن صدور كتاب الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر سعيد محمد البطاطي هو احتفاءٌ بالشعر كفنٍ خالد، واحتفاءٌ بشاعرٍ أدرك أن الكلمة قد تكون خنجرًا أو زهرة، وقد تكون نارًا أو ضياءً. وبين هذه المتناقضات، يظل الشاعر هو القادر على الإمساك بلحظة الخلود، على منحها ملامحها الشعرية، وعلى تحويل الزمن إلى قصيدةٍ لا تنتهي.
البروفيسور: نزار محمد عبده غانم
القاهرة – جمهورية مصر العربية
24 فبراير 2025م