أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
د. أحمد هادي باحارثة
اختار الشاعر سعيد محمد البطاطي جملة “ما زلت أعشق” عنوانًا لباكورته الشعرية، ونحن ما زلنا لنسيم شعره نستشق؛ نسيمٌ لا يجد عبيره إلا من ينتزه فيما بين شجيرات مسقط رأسه القِزَة، وهي القرية نفسها أو البلدة التي كانت تحمل سابقًا اسم دَمُّون، وطرقها الشاعر الذي ما زال يعشق حتى لامته محبوبته فاطمة في معلقته، حيث قال:
فقالت: يمينَ الله ما لك حيلةٌ … وما إنْ أرى عنك الغوايةَ تنجلي
إنه الشاعر امرؤ القيس، الذي استمر يعشق حتى لامته محبوبته تارة أخرى في لاميته الذائعة، حيث قال:
فقالت: سباك اللهُ! إنك فاضحي … ألستَ ترى السُّمَّارَ والناسَ أحوالي؟
ويعلنها الشاعر في عنوانه الخالد “ما زلتُ أعشق” لديوانه الوحيد الذي طبع في حياته، قبل أن تستدعيه المنية ليعود إلى مسقط رأسه، حيث قصة العشق الأولى. لكن هل ينقطع العشق بعد الوفاة؟ بالقطع لا، وكيف ينقطع، وأكثر نعيم الرحمن يدور حول الحور؟
وهنا نرى الشاعر في ديوانه الثاني، الذي صدر بعد رحيله، واختار له عنوان “واقفًا فيك”، يتخيل أن جده الشاعر القديم يخاطبه مستعيدًا الزمان، ومستذكرًا المكان:
فاتعظ يا حفيدي
وخذ مقعدًا تستظل به
وتداري به وجهك الغضَّ عن فاطمة
ليتني أستظل بعينيها مثلك
أحنُّ لدَمُّون
وأشجارها الوارفة
اتخذتُ مقعدًا قرب نهر القِزَة.
لقد تخلى الشاعر عن مقعد الدراجة، ليعود إلى القِزَة أدراجه، حيث مقعده الدائم عند نهرها، كما أوصاه جده عبر عالم الروح، لتستقر هناك روحه مع جسده المجروح، استقرار أشجارها الوارفة الواقفة في أرضها.
وختامًا، لا يفوتني أن أنوَّه بجهود الصديق الحريص على ربط الأواصر، الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي، سليل الأسرة الألمعية الحضرمية اليافعية من آل البطاطي سكان القِزَة، بقيامه بواجب الوفاء للشاعر الراحل عبر حفظ إرثه الشعري وصونه، إسهامًا في خدمة الباحثين في مجال الدراسات الأدبية، وتعزيزًا للأواصر العلمية والثقافية.
الدكتور أحمد هادي باحارثة
المكلا – حضرموت
17 شعبان 1446 هـ ، الموافق 16 فبراير 2025م