أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
د. سعيد الجريري
إذ يضج سعيد البطاطي في الذاكرة، فإن إيقاعاته المجنونة تلفُّ الذات والمكان، فيأتي صوته نازفاً بابتهاج حزين، فيخيل إليك أن سعيدًا بكل ما في ملامحه الطفولية وما في عينيه الذاهلتين من التماع وهدوء صاخب، يُطلُّ الآن .. يتلوى وهو يُلقي القصيدة، كأنه يستنزف كل ما في روحه من جمال وحزن، مستغرقاً في عالمه المدهش ذاتاً وشاعرًا.
كان سعيد من جيل شعري يحاول شق مجرى نهر الحداثة في جنوب جزيرة العرب، يعيش بحساسية مبدع أكبر من تجربة كانت تتشكل دالة على شاعر سيكون، مغايرًا، له صوته الخاص، في زحام صاخب.
لست في سياق الكتابة النقدية عنه، لكني محتفٍ الآن بإصدار أعماله الشعرية التي لم تكتمل، إذ انقطعت منذ أن “تكوَّم فوق جذوع الأغاني”- بتعبير الصديق الدكتور عبدالقادر باعيسى- في مرثيته التي أعدُّها من أجمل المراثي المعاصرة. ولعلَّي أتساءل هنا: ماذا لو لم يذهب سعيد بعيدًا، فجأةً؟ أي أعمال شعرية كاملة ستحتفي بها المكتبة الشعرية العربية؟ فالشاعر المحتمَل كان يُقلق ما في سعيدٍ من هدوءٍ بُركاني، فيهرب منه إليه، ليعود محتشدًا بالقصائد والخيبات.
وإذ خابرني الدكتور عبدالناصر سعيد البطاطي، مبتهجاً بإصدار كتاب سعيد البطاطي الشعري وشيكاً، أثار في النفس والذاكرة ما لسعيد من مكان ومكانة، وتذكرت صديقاً عراقياً أهدى إلى سعيد قصيدة عَنوَنَها باسمه (البطاطي)، في مجموعته الشعرية العدنية “وردة البيكاجي”، فسارعتُ إلى التواصل مع صديقنا الشاعر عبدالكريم كاصد، الذي زامله في عدن وأحب فيه إنساناً وشاعرًا مختلفاً، فقد كانا يعملان معًا في مجلة “الثقافة الجديدة” في مطلع الثمانينيات. هكذا رآه عبدالكريم، وهكذا يتراءى لي في هدوئه الصاخب:
((كالخالق
بعد اليوم السابع
يُغلق البطاطيُّ أيامَه بهدوء ..
وينام
أناديه:
بطاطيُّ أيها الصديق
ألا تفتح!
ولكنه لا يرد
ماضغاً قاتَهُ الأخضرَ وأحزانَهُ السوداء
منتظراً هُدهدَهُ القادمَ من صنعاء
وحوريَّاتِ الساحل
كان يردد: “سأرحل .. سأرحل؟”
ولكنه عاد وصفعتان على قفاه
وحين يعود البطاطيُّ تُزهر شجرةُ حنَّاء
وتأتي حضرموتُ بخرزها الملوَّن
وأطباقِ التمر
بطاطيُّ أيها النائم!
ما لكَ مفتوح العينينْ
بطاطيُّ أيُّها العصفور!
فلتصدحْ
لقد عبرتْ حوريَّاتُك الألف
وخلَّفنَ آثارهنَّ على الرمل
ولكنَّ البطاطيَّ لا يرد
مُغلقاً أيامَهُ السبعةَ كالرب
بانتظار هُدهدِهِ القادمِ من صنعاء
وحوريَّاتِ الساحل
مُبحرًا على زورقٍ من صَفيح.))
الدكتور سعيد سالم الجريري
أمستردام – هولندا 15 فبراير 2025م