سعيد محمد البطاطي .. شاعر للإنسانية والوطن في مرآة الحداثة الشعرية
أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
د. صلاح التوم إبراهيم
قرأتُ كتاب الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر اليمني الكبير سعيد محمد البطاطي – رحمه الله – في طبعته الثانية (2025م)، وهو يضم ديوانين، أولهما ما زلت أعشق، وثانيهما واقفًا فيك، وقد جمعهما وقدم لهما الأخ الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية. فكان لهذا الإصدار من البهجة والمتعة ما يدخل على كل عاشق ومتذوق للشعر العربي الرصين، إذ إن النزعة الإنسانية النبيلة التي يحملها الشعراء بينهم هي لواء المحبة والتواصل بين البشرية.
سبق لي أن قرأت وازددت معرفة بدواوين نخبة من كبار شعراء اليمن، أمثال عبدالعزيز المقالح وعبدالله البردوني وغيرهما، وحين قرأت كتاب الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الفذ سعيد البطاطي، وجدت أن الصور التي تزين شعره تنبع من فن أصيل ومن معين فياض. بل أيقنت أني أمام شاعر يتجذر في العروبة ويعلو شأنًا في حب الوطن والإنسانية، إذ تحمل مجموعته الشعرية من صيغ الألفاظ ومن صور التعبير ما لا يتوفر إلا لشعراء لهم باع طويل وأرومة شاعرية عريقة. وكيف لا، وهو الذي ينتسب إلى قبيلة آل البطاطي ذات الأصول العربية العريقة، وقد نشأ وترعرع في دَمُّون، التي ينتمي إليها الشاعر امرؤ القيس بن حجر الكندي، رأس شعراء العرب وأبرزهم في التاريخ؟ فلا غرو أن يُعد سعيد محمد البطاطي شاعرًا كبيرًا تعتز به بلاده، وقد تابعنا تكريمه مِن قِبَل دار حضرموت للدراسات والنشر والتوزيع عام 2012م بالمكلا، ضمن عدد من العلماء والشعراء والكُتَّاب.
قد تبدو الكتابة عن الشاعر سعيد البطاطي وأشعاره ضربًا من المجازفة، فهو لم يترك فراغًا في فنون الشعر وموضوعاته إلا وملأه بأصدق الألحان وأجمل العبارات، وكأنه كان يرمم ثقوب الفراغ الماثلة له في واقعه المعيش، فهو القائل:
بيني والأمل المذبوح فراغ
يملؤه جسدي
فأنا المذبوح
وأنا آتيكم عبر دمي المسفوح
وتتجلى لنا من القراءة الأولى لديوانيه ملاحظتان مهمتان:
أولًا: خاض الشاعر في موضوعات متعددة من التاريخ الإنساني والاجتماعي لليمن السعيد، وارتبط أكثرها بقضايا المرأة والطفل والحرية والعشق والجمال، ولا سيما قضايا الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وهي القيم ذاتها التي يدافع عنها كل شاعر غيور. وقد جاءت هذه الموضوعات في شعره ممزوجة بمسحة ذاتية، ما جعل تجربته مزيجًا متقنًا بين الأصالة والمعاصرة، كشأن رواد التجديد في الشعر.
ثانيًا: كتب البطاطي أشعاره بالفصحى والعامية، وهو بلا شك كان ملمًّا باللغة العربية الفصحى إلمامًا تامًّا، فقد نشأ بين الفصحاء وتخرج من كلية التربية العليا قسم اللغة العربية. أما ما جاء من شعره بالعامية، ولا سيما في ديوانه واقفًا فيك، فهو في رأيي محاولة لإيصال صوته إلى جميع الأذواق، إذ إن العامية كانت سائدة في الأوساط اليمنية وكثير من الأوساط العربية. وقد نهج هذا النهج معظم شعراء العصر الحديث، فالشاعر البطاطي، بنزعته الإنسانية النبيلة، أراد أن يبلغ بشعره قلوب الناس بأقرب اللغات واللهجات إليهم.
وتتوهج مجموعته الشعرية بشتى ألوان البديع والبيان والمفردات الغنية، ما يعكس بوضوح الأثر التفاعلي في المتلقي. ومن خلال قصائده، سعى الشاعر إلى التعبير عن أفكاره ومشاعره بأسلوب جديد وغير تقليدي، مستخدمًا الشعر الحر الذي يعكس التجربة الإنسانية دون قيود. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن الوزن والقافية، بل نوَّع في أوزان الأبيات وبحورها، لا سيما البحور الصافية كالكامل والرمل والرجز والهزج والمتقارب، ما أضفى على قصائده حياة موسيقية فريدة.
كذلك اعتمد سعيد البطاطي على الرموز والإيحاءات، فجاءت نصوصه مليئة بالدلالات المتعددة، كما في قصيدته متى يا متى، حيث يقول:
كيف تصير الخفافيش في عالم الحزن
لونًا جميلاً
وطعمًا لذيذًا
وتجيء الخفافيش لونًا جميلاً
بلون الفراشات
كيف .. وكيف ؟!
نجح الشاعر، من خلال استخدامه الرمزية والاستعارات، في خلق أجواء من التأمل، فهو لا يقدم إجابات قاطعة لتساؤلاته، بل يترك المجال للقارئ ليغوص في أعماق النص ويتأمل أبعاده. فالتعبير عنده لا يراد لذاته، بل لما يحمله من مضمون وروح.
رحم الله شاعر الأمة سعيد محمد البطاطي، فقد كان الشعر عنده لصيقًا بالحياة الإنسانية، ووضع اسمه ضمن الذين أسهموا في النهضة الشعرية في العصر الحديث.
وإنه ليسعدني أن أقدِّم هذا الكتاب إلى قرَّاء العربية الكرام والمخلصين للأدب العربي، فقد كان لي شرف التجوال في حدائقه، والاستمتاع بصوره البديعة، فكان ذلك خير كسبٍ لي، وكنت به موفَّقًا وسعيدًا.
الدكتور صلاح التوم إبراهيم
باحث بمركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر (السودان)
الأحد 23 فبراير 2025م، الموافق 24 شعبان 1446هـ