أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي
د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
إنَّ الشِّعر هو مرآة الروح، وتعبير صادق عن خلجات النفس الإنسانية، فهو صوت الإحساس المرهف، ولسان حال الموهوبين الذين يمتلكون القدرة على استنطاق المشاعر وتجسيدها في صور بديعة ومعانٍ عميقة. وليس الشِّعر مجرد كلمات مرصوفة أو محسنات بديعية متكلفة، بل هو انعكاس للواقع وتجسيد للأحلام والرؤى، يحمل بين ثناياه العِبرة والحكمة، ويتيح لنا قراءة الماضي بتمعن، وتأمل الحاضر بفطنة، واستشراف المستقبل ببصيرة ثاقبة. فالشُّعراء، كما وصفهم التاريخ، هم عرَّافو زمانهم ومنجمو المستقبل المبهم، وهذا لا يحتاج إلى برهان أو دليل، فقد جسَّده الشَّاعر سعيد محمد البطاطي في مجموعته الشعرية التي بين أيدينا، حيث نجد بين طياتها رؤية تأملية نافذة للماضي، تنساب في فضاءات الخيال الرحبة، لكنها في ذات الوقت متجذرة في حقائق التاريخ ووقائعه.
لقد استطاع الشَّاعر في هذه المجموعة أن يمزج بين الأزمنة والأمكنة بأسلوب إبداعي متفرد، حيث عرَّج في قصائده على محطات تاريخية بارزة، كان أبرزها دَمُّون التاريخية (القِزَة)، والتي ما إن تُذكر حتى تتداعى إلى الذهن أسماء مناطق حضرموت العريقة، مثل: ريبون، خيدون، هَيدون، هُدون، قيدون، صيلع، عورة، صيف، حيد الجزيل، الغُزِّ، المشهد، ومدينة الهجرين التاريخية وغيرها. وكلها شواهد تاريخية خالدة تنبض بعراقة حضرموت وأمجادها. وفي هذا السياق، استطاع الشَّاعر أن يعيد إحياء شخصيات بارزة من تاريخ الشِّعر العربي، حيث تطرَّق إلى الشاعر الفذِّ، صاحب المعلقة الخالدة، الأمير امرئ القيس بن حجر الكندي، مبرزًا الصلات العميقة بين شُعراء حضرموت الكبار وأجدادهم من رواد الشعر العربي القديم. ومن خلال هذا المزج الفريد، أضفى الشَّاعر بُعدًا تاريخيًا غاية في الأهمية، حيث تتشابك الأزمنة وتتداخل الرؤى، ليرسم لوحة فريدة تربط بين الماضي والحاضر، وترسم طريقًا للأجيال القادمة نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
ومن اللافت أن الشَّاعر لم يقتصر على استلهام التراث الحضرمي والعربي فحسب، بل أخذنا في جولة ممتعة عبر الزمن، مستعرضًا أعلام الشِّعر العربي في مختلف العصور، حيث استحضر شُعراء المعلقات، وأبا نواس، وأبا الطيب المتنبي، وأبا فراس الحمداني، ثم عرَّج على الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري، ومرَّ سريعًا على قامة شعرية يمنية بارزة، هي الشاعر عبد الله البردوني، في إشارة ذكية إلى الترابط العميق بين الأجيال الشعرية عبر التاريخ. ولم يكن هذا السرد انتقائيًا، بل جاء في سياق رؤية فكرية واضحة، تؤكد أن التاريخ يعيد نفسه بأحداثه وشخوصه، وأن الشعر يظل شاهدًا حيًا على تلك التحولات. ومن خلال هذا الترابط الزمني، يأخذنا الشَّاعر إلى العصر الحديث، مستحضرًا أسماءً لامعة مثل أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وشُعراء المهجر المجددين، وأبي القاسم الشابي، ولطفي جعفر أمان، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وعلي أحمد باكثير، وحسين أبوبكر المحضار، وعبدالعزيز المقالح، وفدوى طوقان، وعبدالوهاب البياتي، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، ولميعة عباس عمارة، وسعيد عقل، ونزار قباني، وبدوي الجبل، وعلي أحمد سعيد إسبر (أدونيس)، وغيرهم، في إشارة ضمنية إلى الامتداد الزمني للشِّعر العربي وتطوره عبر العصور.
وعلاوة على ذلك، نجد الشَّاعر سعيد محمد البطاطي قد وظَّف هذا التراث الشعري توظيفًا فنيًا راقيًا، حيث كتب قصائده بأساليب متنوعة، جمعت بين القديم والحديث، والفصيح والعامي، فجاءت قصائده متناسقة في بنائها، متدفقة في معانيها، تمنح القارئ تجربة قرائية ثرية، تتيح له التنقل بين مدارس شعرية متعددة، والاستمتاع بمزيج فريد من الألوان الشعرية، التي اجتمعت في هذه المجموعة بأسلوب يثير الدهشة والإعجاب. ولا شك أن هذا التنوع سيجذب القارئ، ويجعله متشوقًا لاستكشاف المزيد، إذ إن المجموعة تحمل بين طياتها عنصر التشويق الذي يجعل القارئ متلهفًا لإكمال قراءتها دون انقطاع.
ولعل ما يميز هذه المجموعة أكثر هو البعد الاستشرافي الذي تحمله، فقد كتب الشَّاعر قصائدها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، لكن القارئ اليوم سيجد فيها نبوءات شعرية دقيقة لأحداث جسام شهدها اليمن وجنوب الجزيرة العربية، حيث أشار إلى الصراعات السياسية التي دارت بين أقطاب السلطة في الجنوب، وتحدث عن الوحدة بين صنعاء وعدن، وتنبأ بمآلات هذا الصراع المتكرر. كما ذكر صراحةً مناطق مثل صعدة وصبر في اليمن، وفُوَّه، وهي أكبر مناطق مدينة المكلا في حضرموت، وأشار إلى المآثر البطولية لشمسان وردفان في الجنوب، وتغنى بصنعاء وعدن بترانيم حزينة لم يكن بالإمكان إدراك أبعادها آنذاك، إلا أن الواقع اليوم يثبت مدى عمق نظرته الثاقبة. وهنا تتجلى قوة الشِّعر في كونه قراءة متبصرة للمستقبل، وليس مجرد انعكاس للحاضر أو استحضار للماضي.
وفي جانب آخر، لم تَغِب مفاهيم الحب والعشق والغزل عن هذه المجموعة، حيث أضفى عليها الشَّاعر مسحة وجدانية رقيقة، امتزجت في كثير من الأحيان بصبغة تراجيدية غنائية، تعيد إلى الأذهان الملاحم الكبرى، كالإلياذة والأوديسة لهوميروس، وملاحم الشاعر الحضرمي الشهير المعلِّم عبدالحق. وقد أبدع الشَّاعر في تجسيد مشاعر الحب والهيام بأسلوب فريد، يجمع بين العاطفة العميقة والرؤية الفلسفية، ليخلق تجربة شعرية ثرية تتجاوز حدود العشق التقليدي، متوغلة في أبعاد أكثر عمقًا وتعقيدًا، حيث يصبح الحب عنده رمزًا للوجود الإنساني، ومجالًا للتأمل في جوهر الحياة ومعانيها.
هذه المجموعة الشعرية، بما تحمله من صياغات بليغة وأفكار ناضجة، تعد شاهدًا حيًا على موهبة الشَّاعر الفذ، الذي وإن كان إنتاجه قليلًا، فإن إبداعه لا يُقاس بالكم، بل بالكيف. فقد استطاع أن يترك بصمة خالدة في ذاكرة الأجيال، مقدمًا نموذجًا راقيًا للشِّعر الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، وبين التأمل العميق والبوح الصادق. إنَّ تجربته الأدبية ليست مجرد إنتاجٍ شِعْرِيٍّ، بل هي ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل، نظرًا لما تحمله من أبعاد جمالية وفكرية تعكس رؤية شاعرٍ متمكنٍ من أدواته، قادرٍ على التعبير بعمقٍ وصدقٍ عن قضايا الإنسان والوجود.
الدكتور/ عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
دوعن – حضرموت
14 فبراير 2025م