مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

شعر البطاطي عسل دوعني

أضواء - ملف خاص: عن الشاعر سعيد محمد البطاطي

د. جنيد محمد الجنيد

الكتابة عن صديق حميم، جمعتني به صداقة الأخوة وصداقة الشعر، وغادرنا مبكراً، من أصعب الكتابات، وحين طلب مني المشاركة في ذلك ترددت كثيرا، وتهيبت الأمر، فليس من السهل الكتابة عن ذات أقرب لذاتي، وشاركتني في بداياتي الشعرية السراء والضراء، والقراءات المتعددة المشتركة لدواوين الشعراء والكتب النقدية في الشعر..

صديقي الشاعر سعيد البطاطي القادم من تخوم مرابع أمرئ القيس، حيث كانت ولادته هناك في الهجرين، فهناك نبع امرئ القيس ومشارف دمون وتلويحاتها الشعرية.. فربما في صباه تشكل كنحلة تحط على أشجار السدر التي تملأ وادي دوعن، وامتص من رحيق زهرها صورة شعرية رائعة، حتى أنك تتذوق في شعره العسل الدوعني الذي يتقطر منه..

هل أتيح لصديقي البطاطي أن يسمر ليلة على سفح رأس صيلع المجاور لبيتهم، كما أتيح لأمرئ القيس في زمانه، وهل تراءى له امرؤالقيس ليتلبسه الشعر، كما تلبس امرأالقيس قبله..

تعرفت عليه، أثناء دراستي بكلية التربية عدن، حيث كان يسبقني بدفعتين، فنشأت بيننا علاقة حميمة، وحملت أسراراً لكل منا، نتبادلها بيننا..

عرفته كلية التربية بالشاعر قبل الطالب، كما عرفته عدن كلها بالشاعر الشاب المميز، عندما كان لعدن انفتاحها الثقافي وإضاءتها الإبداعية، في كل مناحي الحياة.. وكان يتميز بإلقائه الشعر، بطريقة تلفت انتباه الحاضرين بتموجات نبرات صوته مع الكلمات، وتأخذهم الدهشة والإعجاب به وبشعره…

كان قلبه واحة حب تستريح عليها الجميلات، فيتركن آثارهن عليه، فتأخذه القصيدة بعيداً على مدارج العشق، وفي هذا لا يتحرج في لحظات الإعجاب في تقديم وردة وقصيدة لمن افتتنت بشعره..

علينا الاعتراف بأن البدايات التي شكلها الشاعر البطاطي هي المفتتح لقراءة شعراء السبعينات في عدن عاصمة جنوبنا الحبيب، فقد كانت قصائده استجابة لصياغة حداثة شعرية تأخذ بجمالياتها متطلبات الواقع..

يمكن أن نتعرف على شعره من خلال ديوانيه الصادرين، ولكن تظل قصيدته (ما زلت أعشق) التي وسم بها ديوانه الأول المسمى بها، هي القصيدة الأثيرة لديه، والتي دائماً ما يفضل إلقاءها في الأماسي الشعرية.. سألته يوماً عن ذلك فقال لي إنها خلاصة تجربة اختلطت فيها المشاعر الإنسانية بالوطنية وكانت تعبيراً صادقا لإجابات عميقة عن أسئلة كثيرة تتزاحم في وجوه من أراد معرفة الشاعر وشعره..

قابلته مرة، وكان اللقاء الأخير به، وكنت أهيئ نفسي إلى السفر للدراسة العليا في الخارج.. كان منزعجاً جداً من أحد النقاد الذي أصدر كتابه عن تجربة الأدباء الشباب وأعطى للشاعر البطاطي مساحة صغيرة جداً، لا تفي بشاعر شاب له مكانته بين شعراء جيله، ربما لأن هذا الناقد له توجهاته التي تتجاهل شعراء حضرموت وأثرهم في المشهد الشعري في بلادنا، والعمل بشتى الطرق لإقصائهم..

مر بحاله مأسوية في عدن.. زرته وهو بتلك الحالة، تفقدته، رثيت حاله، معاناته.. ولكنه فضل العودة بعد ذلك إلى حضرموت، حيث استقر في المكلا..

فوجئت بموته المبكر، وأنا في بلغاريا للدراسة، فأصابتني صدمة قوية، لم أفق منها إلا بعد فترة، وبكيته كثيراً.. فلم يكن موته التراجيدي على الاسفلت إلا حالة من الحالات الفاجعة للشعراء، ولكن هكذا كان قدره..

باختصار فإن كل حياته مثل ومضة اخترقت سماء الشعر وتركت إضاءتها أثراً فينا.. لقد كان مشروع شاعر كبير لم يمهله العمر القصير ليكتمل..