باحريز أمير الشعر الشعبي
نقد
أ.د. عبدالعزيز سعيد الصيغ
منتدى عميد الوفاء / مركز الدراسات التاريخية
المكلا ـ السبت 30/11/2024
مقدمة
لعل الوقوف عند العنوان من أول موجبات الحديث، فعنوان بهذا الحدة ينبغي أن يكون له مسوغاته، ففي وقت من الأوقات كان الاهتمام كبيرًا بمثل هذه العناوين، وهي عناوين لها دلالاتها ومسوغاتها.
والعنوان كان دائمًا يعرض لي حين يتجه نظري إلى با حريز وشعره؛ فهو شاعر بارز، كثير البروز، وقد مر بي أن الأستاذ محمد عبدالقادر بامطرف أطلق عليه هذ الوصف، والواقع أن باحريز شهد له الكثيرون بالتقدم والتميز في الشعر، وهو قد نال شهادة التقدم من كثيرين من أهل الاختصاص وأولهم الشاعر الكبير أحمد محمد بكير المتوفى 1360هـ الموافق 1940م، وكان في عصره أبرز الشعراء قاطبة، وله شعر عالي الجودة، كما أن الشاعر حسين أبوبكر المحضار لا يقدم على باحريز أحدًا، والمواقف الشعرية التي خاضها مع الشعراء أعطته البروز والأوليَّة.
ومن تداعيات العنوان الحديث عن الشعر الشعبي، وقد اختلفت الأقوال في هذا المصطلح وفي مصطلح آخر هو الشعر العامي، وهناك فرق بين مصطلحي الشعبي والعامي، الشعبي يشير إلى مضمون الشعر والعامي يشير إلى لغة الشعر، وقد استعمل المصطلحان في معنى واحد رغم أنهما ذا دلالتَيْنِ، وهذا الذي سوَّغ لنا اختيار العنوان على هذا النحو؛ إذ يمكن أن يكون العنوان أمير الشعر العامّيّ.
وللدكتور حسين نصار كتاب بعنوان (الشعر الشعبي العربي)، تحدَّث فيه عن الشعر الشعبي عبر العصور فقال: “ولا يعني الأدب الشعبي كثيرًا بالفردي من الغناء والشعر، وإنما همُّه الجماعي، الجماعي الذي تصدره الجماعة، وتعبر به عن مشاعرها، وتحيي به احتفالاتها، وقد تعدَّدت ألوان الشعر الشعبي العربي في جميع العصور حقًّا، قد لا يعثر الباحث على النصوص، وقد يكد في سبيل الفوز بالإشارات، ولكنه لا يكاد يمسك بالمنهج السليم، ويضع رجله على الطريق الصحيح، حتى يمتد واضحًا محدَّدًا، وتنفتح أمامه الأبواب”[1].
وفي كتاب الدكتور عبدالعزيز المقالح (شعر العامية في اليمن) يقول: “قبل أن نلحق صفة الشعبية بالشعر العامي العربي الحديث، وقبل أن تشيع هذه التسمية على ألسنة الكتَّاب المعاصرين في مختلف الأقطار العربية وتتداولها أقلامهم كان لهذا الشعر في كل قطر أو مجموعة من الأقطار تسمية تقليدية شائعة ، ففي المغرب كان وما يزال يدعى بالشعر الملحون أو الزجل، وفي مصر يقال له الزجل أيضًا، وفي السودان ـ ولعلها تسمية قريبة العهد ـ يسمى الشعر القومي، وفي نجد والخليج العربي يدعى بالشعر النبطي، أمَّا في اليمن فيدعى بالحميني”[2].
وعلى الرغم من تعدد التسميات للشعر الشعبي فتعددها ينسجم مع تعدد اللهجات، واللهجة في تعريف من تعاريفها ينص على أنها ميل وانحراف عن الفصحى، ويقول أحد الباحثين: “إنَّ العلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص”[3].
وباحريز كغيره من الشعراء الكبار، هيمن على ساحته الشعرية لسنين طوال، وقد أخذ الاعتراف بهيمنته هذه من كثيرين من متابعي فن الشعر، وهو أكثر من غيره استحق هذا اللقب.
والشعر الشعبي جدير بالاهتمام، وهو ثروة أدبية وفكرية كبيرة، وهي عندنا شبه مهملة، لا تـلقى العناية الكافية، ولا الرعاية التي تستحقها، وهو سجل لأحداث جديرة بالجمع والتوثيق، وسِجِلٌّ لمجموعة من الأفكار والقيم التي استقرَّتْ في وجدان المجتمع جديرة بالتوثيق، ولا نجد الجهات المختصة مكترثة لها، وتتفرَّق مسؤولية ضياع هذا التراث على جهات متعدّدة، منها رسمية ومنها شعبية، وهي كُلُّها مختصة ومسؤولة عن هذا الضياع، غير أنَّ المسؤولية الرسمية محددة تحديدًا.
ويقف باحريز بوصفه شاعرًا كبيرًا مثالًا لهذا الحق المتروك نهبًا للضياع، وهو شاعر له تأثير كبير، ولم يجد الجهة الرسمية أو الشعبية التي أَوْلَتْهُ العناية المستحقة.
وباحريز يستحق الاحتفال به والحديث عنه؛ فهو شاعر كان محتفلًا ومحتفيًا بوجوده بين أصحابه ومجتمعه، فلم يعش لذاته وإنَّما كان عائشًا بأهله ومجتمعه، وقد ذكر ذلك كثيرًا في شعره، ويكفي كثرة الثناء منه على حافته وأبناء حافته صغيرًا وكبيرًا دليلًا على ذلك، وهو شاعرٌ جسَّدَ الحكمة كما لم يجسدها أحدٌ من الشعراء، والحكمة تمثل عنده موقفًا من الحياة والناس.
يتميز شعر باحريز بميزات كثيرة عن بقية الشعراء الشعبيين، وبذلك استحق المكانة العالية التي اختص بها بين الشعراء وبين الناس، وهي مكانة استحقها عن جدارة، ذلك أنه سعى سعيًا إليها، ولم تأت إليه اعتباطًا، فقد أعد نفسه ليصبح شاعرًا مؤثّرًا، وبذل من الجهد في إعدادها ما جعله يمتلك مقومات لم يمتلكها آخرون، وكانت الموهبة لديه كبيرة، ولكنها كانت محتاجة إلى مَنْ يرعاها، وكان الشاعر باحريز يعرف من نفسه هذه الموهبة، ولذلك استطاع أن يطوّعها، وأن يتجهز لها.
ويمكن ملاحظة كثير من الميزات في شعره، وسوف نقف على ما يمكن أن يتيسر لنا في هذه الدراسة التي نأمل أن تفي شيئًا من عبقرية هذا الشاعر الفذ، الذي استطاع أن يصل إلى قلوب وأنفس كثير من الناس، واستطاع شعره أن يؤثر تأثيرًا بليغًا فيهم.
والواقع أنَّ شعر باحريز لم يحظ بالعناية والدراسة الكافية التي يستحقُّها، وهي فرصة جيدة لكي نرد له شيئًا من الدَّين العالق على رقابنا تجاه هذا الشاعر الكبير، الذي أثرى الساحة الشعرية الشعبية.
والشاعر باحريز شاعر استطاع أن يلوّن شعره تلوينًا، وأن يستفيد من كثير من العناصر التي أثرتْ شعرَه، وبلغتْ به الدرجةَ العالية من البلاغة والإبلاغ، والمعروف أنَّ البلاغة ليست مقصورة على الفصحى، وإنما هي في العامية كما هي في الفصحى، والعامية كالفصحى في هذا الجانب، تجد فيها العبارات البليغة الموحية، كما تجد العبارات الباردة التي ليس فيها روح.
ونحن حين نقف أمام أشعاره ننبهر بهذه المتانة الشعرية التي يتميز بها، واللغة البسيطة القوية، وهو كأي شاعر كبير يحوّل الموضوعات اليومية التي تمرُّ به الى مادة لمعالجة مسائل إنسانية وقضايا حيوية، ويخرج منها بحِكَمٍ، بقيت متداولةً على ألسنة الناس إلى يوم الناس هذا وما تزال.
نبذة عن حياته
درس باحريز في مدرسة مصطفى بونمي بحي البلاد أمام مسجد الجامع، ومن زملائه في المدرسة: محمد عوض بكير، محمد سعيد بكير، ومجموعة من أبناء حي الحارة، منهم الشيخ عبدالله سعيد باعنقود [4]، وهؤلاء شخصيات لها أثرها في مجتمع المكلا آنذاك، فأبناء بكير شاعران معروفان، أولهما كان شاعرًا مات في مطالع حياته، وهو صاحب موهبة لم يكتب لها الذيوع، وقد كان له عناية كبيرة بتجميع الشعراء في ما يشبه التجمُّع الأدبي المنظم للشعر الشعبي، والثاني كان شاعرًا له صولات في مدارات الشعر معروفة، أمَّا ثالثهما فهو شيخُ علمٍ، له دور كبير في النهضة التربوية والثقافية والعلمية في ذلك الوقت، وكان شخصية تتميز بكثير من الخصائص والمواهب في الأدب واللغة والحساب والدين، واشتهر بمدرسة باسمه للبنات أيضًا.
توفي باحريز يوم 19 يوليو 1989م، وبين الولادة والوفاة تاريخ مجيد لحياة رجل كان متفرّدًا في الشعر الشعبي، وفي مجتمع المكلا حي الحارة على وجه الخصوص، فقد كان هو أحد أقطاب هذا المجتمع الشعبي، بل كان أحد نجوم المجتمع بحالَيْهِ الشعبي والرسمي، وكان شاعرًا له أثره في المجتمع وله تأثيره على الصعيد الرسمي، وكان له عند أصحاب الحل والعقد مكانة يعرفونها له ويحفظونها، ولا يتجاوزونها.
كانت المكلا في أربعينيات وخمسينيات القرن السابق مجتمعًا بسيطًا، ليس فيه من وسائل الترفيه شيءٌ يُذكَر، فلم يكن حتى الراديو قد عرف، ولم تكن الكهرباء قد وجدت، ولم تكن المياه قد تسلقت البيوت واحتلتها، كان مجتمعًا أشبه بالمجتمع القرويّ، ليس فيه من مظاهر المدنية إلا السيارات التي بدأت تتلمَّس طريقها، وتمر في شارع المكلا الوحيد حينئذ.
وكان الشاعر باحريز واسطة عقد مجموعة من الشعراء، كانوا يدرجون بمدينة المكلا، ويصولون في مدارات الشعر بها، وكان شاعرًا متميزًا، فقد أوتي من المقدرة الشعرية، والمقدرة الإنسانية ما جعله محطَّ أنظار الناس، وعلى الرغم من أنه ظل فقيرًا طوال حياته لكنَّه كان مُهَابًا محترمًا، له مكانة اجتماعية محفوظة عند الناس.
لم يلتق باحريز بالشاعر أحمد محمد بكير بوصفه الشاعر الأبرز في حياته؛ فقد أُصيب الشاعر الكبير بوعكة منعتْه من حضور المدارة، المقدَّر له أن يقابل باحريز فيها؛ إذ لم يسعفه الحظ أنْ يقابله في مدارة الشبواني، وقد أعجب الشاعر بكير بباحريز وأحبَّ أن يسمع شعره، فأرسل له بيت شعر واحد، هو:
ما اعتكينا إذا هـــــــــــــــي باتقع عنبكيكة
با نلقــــــــي لها ســــــــــدة وبواب وخلاف
فأجابه باحريز:
قال بو الحــــــرز ما حط الكتب عالركيكة
ولاجمــــــــال المعاصر شلهن حيث نختاف
كل من شلهن ورضــــي بهن له هليكـــــة
له هـليـــــــكة وبايسقـط على راس هـفـــاف
تكوينه الشعـري:
لعل البحث عن المكونات الشعرية عند باحريز يبدو شيئًا من الصعب الوصول إليه، غير أن ذلك أمر في غاية الأهمية، فشاعرية قوية كشاعرية باحريز تدفع الباحث دفعًا الى استجلاء هذه الشاعرية، فقد كان باحريز أُمِيًّا لايقرأ ولا يكتب، وقد أخذ شعره ومعرفته بالشعر بالسماع والوقوف على حلقات الشعر، وبالاحتكاك بالشعراء، كما كان له أستاذ في الشعر هو الذي أعطاه كثيرًا من أسراره، وأخذ بيده إلى أن استوى عوده في الشعر، هذا الأستاذ هو جدُّه لأُمِّه.
1- جَدُّهُ لأمِّه المدرسة الأولى:
حين نعلم أنَّ جَدَّ باحريز لِأُمِّه كان شاعرًا، وكان أحد المرجعيات التي يرجع إليها في فض الخصومات والشجارات، نعلم أن مدرسته الشعرية الأولى هي البيت، وأنه هو الأساس في تكوينه العقلي والشعري، فقد تشكل تكوينه الشخصي والعقلي والشعري في بيت كان يمتلك هذه المقومات، ولم يكن جَدُّه هذا بالشخص العادي فقد كان مرجعًا، وكان صاحب موقف من السلطان القعيطي يدل على شخصيته، وأنه خاطب السلطان غير متهيّب ولا وجل، ولمْ تجعله هيبة الموقف ينخذل أو يضعف، وهي سمات أخذها الشاعر باحريز من جَدِّه؛ فقد اتسم باحريز بالمواقف الإنسانية التي يغلب فيها المبدأ على المصلحة، وكان دائمًا الشاعر الذي يمثل الموقف المدافع المنافح عن الحق دون النظر إلى الجهة التي تمثل الحق، فلم يكن يقيم الحق وفق الأشخاص، وإنَّما يُقِيم الأشخاص وفق الحق والرأي الأصوب الذي يمثلونه، وهو ما تجلَّى واضحًا في خطه العام الذي نهجه وسار عليه.
2- المدرسة:
المدرسة من الاسباب التي شكَّلت شخصية باحريز، فقد تلقى نصيبًا من الدراسة، والمعروف أنه وُجِد في عصر لم يكن يكتفي أكثر الناس فيه إلا بنصيب قليل من التعليم، وهو لم يكنْ خاليًا منه؛ فقد دخل المدرسة وجلس على مقاعدها (وإن لم تكن المقاعد حينها معروفة)، وكان انصرافه منها مبكّرًا، ولعل وفاة جَدِّه لِأُمِّه تركتْه وهو صغيرٌ عاجزًا عن مواجهة الحياة مع الاستمرار في الدراسة، فارتطم بواقع الحياة المُـرّ، غير أنَّه في مقاعد المدرسة تعرَّف على أساتذة استفاد منهم، وأصول تربوية وعلمية كثيرة كانت له عونًا في حياته، وزملاء كان بعضهم رفاقًا له في الحياة، وهي كلها مكوّنات لشاعر شعبي، وقد كان من رفقائه وزملائه واحدٌ من العلماء الكبار في المكلا، وهو الشيخ عبدالله باعنقود.
ولعلَّ باحريز كان يشير إلى أيام الدراسة تلك، وإلى حياتها التي ارتسمت في وجدانه، بما فيها من عبث الطفولة، ونزقها، وذكريات الدراسة الجميلة، وشيطنة التلمذة والتلاميذ، الذين يحلو لهم كثيرًا الخروج على الأوامر والنواهي التي تطلب منهم، بل وتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد وأنكى إذ يقول:
خرج ذا فصل والثاني خزى الله شور شيطاني
من البـارح مغوز لي ونا مصنف من الشيطان
بغــــــــــــــــانا ترك العشقة بغانا صك دكاني
دفـــــــــــرته قلت له تخزى ولا باقفل الدكان
ونا ما رضت في العـــــلمة انا حذفت شيباني
بنا لوحـــــــــة بنا هتفة قديمة هي من الشيبان
3- الجماعة الشعرية:
حين كان باحريز شابًا صغيرًا يتلمس طريقه للوصول إلى عالم الشعر وآفاقه الواسعة، ومجاهيله العميقة، كانت المكلا حينذاك تزخر بالحياة والشعر، وكان الشعر له إيقاعه القوي فيها، كان مجتمع المكلا بسيطًا شعبيًا، ولذلك فقد كان الشعر الشعبي هو حياتها وفرحها وابتهاجها وحزنها، وكان اهتمام الناس به لا يُحَدّ، فهو فنُّ الشعب الذي يتغنَّى به الكل، هو تسليتهم الدائمة، وكان الاهتمام بالشعر يتمثل في ترديده والإعجاب بقائله عند الأكثرين، وفي الاهتمام بالشعراء والعطف عليهم والسعي لخدمتهم عند آخرين.
هذا الاحتفال بالشعر في مدينة المكلا حينذاك كان واضحًا في كثرة الشعراء ذلك الوقت، وفي كثرة عنايتهم بشعرهم، وليس ذلك بالشيء الغريب؛ فقد كان الشعر هو متنفس الناس الأول.
وقد صحب ذلك تكون بيئة شعرية خصبة أسهمت في إيجاد ظروف مناسبة، تعين الشاعر على نمو موهبته، ومن ذلك قيام أحد الشعراء الموهوبين الميسورين وأحد المعجبين بشاعرية باحريز وأحد رفقائه في المدرسة وهو الشاعر محمد عوض بكير بتكوين تجمُّعٍ للشعراء، لاسيما مَنْ كانوا في سِنّهِ، وهم مجموعة شكَّلتْ ما يُعرَف اليوم بالنادي الأدبي أو الجمعية الأدبية، وعلى الرغم من أنهم كانوا يمارسون كل ما تمارسه الجماعات الأدبية والجمعيات الفنية من تجمُّعٍ وتشاور في بعض القضايا، واستعراض ما دار من شعر، وتقويمه وإصلاحه، وعرض أشعارها في ما بينها لأخذ الرأي، غير أنها لم تكن تطلق على نفسها جمعية، فلم يكن ذلك مما تحفل به.
وقد أسهم هذا النادي الشعري إسهامًا كبيرًا في تشكيل شاعريته، وقد كان هذا النادي الشعري أرضيتَهُ الشعريَّةَ التي انطلق منها، واكتسب كثيرًا من الخصائص، وصقل فيها موهبته الشعرية، واستقام عُودُهُ وصلبَ عمودُه.
4- الحافة مدرسته الكبرى:
الواضح أن الحافة بأعرافها الشائعة، المتشكِّلة؛ بوصفها مجموعة من الناس، تتحرَّك حركة واحدة، وتنصهر لتشكِّل كيانًا اجتماعيًا متماسكًا يقف أمام كيانات أخرى، هذه الحافة قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تشكيل شخصية باحريز الشعرية، وحين نقف أمام ما منحه باحريز لحافته من عيون الشعر الشعبي وعيون المعاني نعرف الأهمية الكبرى التي كانت تمثله الحافة في عين الشاعر وفي نفسه، ولم يمدحْ باحريز شخصًا بعُشْرِ ما مدح به حافته، بل لمْ يمدحْ أحدًا على الإطـــلاق، وكانت تعنيه المعاني العالية، ولا تعنيه الأشخاص، وإذا وُجِد شعرٌ مدحَ به أحدًا فليس بين مدحه إيَّاه ومدحه حافته أيَّة قُربى ولا صلة، لكأن مدحه الأول لشخص آخر وشاعر غيره، ومدحه الثاني له هو.
وقد كانت الحافة ملهمة باحريز، ومهيّجة دواخله، وباعثة شاعريته، وهي أشبه ما تكون بليلاه الذي جنَّ بها جنونًا، وصرف أكثر شعره في التغنّي بها، وهي ظاهرة نادرة في الشعر الشعبي، فليس هناك شاعر شعبي كتب في جماعته أو في حافته ما كتبه باحريز في حافته، لا كَمًّا ولا كَيْفًا، فبحساب العدد يبدو أن شعره المتغنِّي فيه بحافته كثيرٌ كثرةً تفوق أشعار الآخرين، وبحساب الجودة فإن شعره لحافته هو عقود من الألماس والجوهر واللآلئ الخالصة، ولو أن أهل الحارة – وهي حافته – احتفلوا به كل شهر وليس كل عام لمَا رَدُّوا له قليلًا مَّما قاله فيهم، والواقع أنَّ أهل (الحارة) لهم كل الحق في أنْ يفخروا به ويعتدُّوا به؛ فقد كان فخره بهم فوق كل فخر، واعتزازه بهم فوق كل اعتزاز، ومحبته لهم، هي الحب الخالص الصافي. إنَّ باحريز مدرسة في الحب، وفي الاعتزاز، وفي الغَيرة على القيم والأخلاق، إنه مدرسة تستحقُّ أن نأخذ منها، ويأخذ منها كل عُشَّاق الخلق العالي والفن الرفيع.
ظاهرة حب الحافة:
لعل البحث عن أسباب الحب لإنسان ما أو لجماعة ما من الأمور الصعبة، التي لا يمكن قياسها، وإن كان يمكن تسبيبها والربط بينها وبين مظاهرها الواضحة، وباحريز حالة مختلفة في حبه لحافته؛ ذلك أن جميع الشعراء الذين كانوا يمثلون مناطقهم كانوا مُحبِّين لها، لكنَّ ذلك الحب لمْ يتجلَّ كما تجلَّى عند باحريز، وهو بذلك يشبه الشعراء العذريين مع الاختلاف؛ لأن ظاهرة الحب ظاهرة إنسانية، لا يخلو منها شاعر ولا إنسان، غير أنَّها قد تتجلى تعبيرًا واضحًا صريحًا عند بعضهم ولا تظهر إلَّا لمحًا عند آخرين، أمَّا أن يستفرغ الشاعر كثيرًا من شعره في التغنِّي بهذا الحب فإن ذلك أمر يستوقف الباحث كثيرًا، ويُغرِيهِ بالبحث عن أسباب ذلك ودواعيه، فهل كان با حريز شاعرًا مُحِبًّا، يُسقِط عواطفه الجيَّاشة على حافته مكنيًا عن محبوب آخر هو المقصود؟ أمْ أنَّ عواطفــه كانت خالصة لحافته خلوصًا تامًا؟
الذين عرفوا باحريز يعلمون أنه كان رجلًا بسيطًا، لم يكن يهتم بنفسه كثيرًا، ولم تكن الحياة وأيامها ولياليها قد تركت له ما يجعله يهتمُّ بها، كان طول حياته رجلًا عادِيًّا باهتًا لولا الشعر لمَرَّ من دون أن يشعر به أحدٌ، أو أن يتنبه له الناس؛ لأن مظهره لم يكن يؤهله لشيء ذي بال، كما أن أعماله التي تولَّاها لم تكن أيًضا تسمح له بأن يحتل موقعًا في المجتمع صغيرًا كان أو كبيرًا.
والشعر وحده هو قيمته الكبرى غير أنه فيه كان عظيمًا كبيرًا لو أنه أراد أنْ يصل به إلى مكانة أو موقع في حياته لكان الأمر ميسورًا له سهلًا.
والذي يقلِّب شِعرَهُ ويتأمَّله يجد شاعرًا مُولَعًا بالمعاني الكبيرة، والمعالي، والرتب العالية التي تعلي الإنسان وترفعه ليس بحساب المناصب الاجتماعية، ولكن بحساب القيم الأخلاقية، ولذلك فقد كان مُولَعًا بالقيم العالية والخصائص الإنسانية الرفيعة، وكان ساخطًا عازفًا عن المراتب الرفيعة التي تكون مظهرًا لقصور وخمول وانحطاط، وعلى الرغم من أنه عاش حياته وهو صغير في سُلَّم المجتمع لكنَّه كان كبيرًا في رؤيته له، يلحظُه بعينٍ فاحصة ويتأمله بفكر ثاقبٍ، ويَزِنُه بميزانٍ لا يخيب.
لم يكن باحريز يفهم الشعر بوصفه وسيلة من وسائل التكسب، وإن كان يتكسب منه كغيره من الشعراء؛ إذ إن شعره يدلّل على أنه كان يَعُدُّه وسيلة من وسائل التعبير عن همومه وأشجانه، ودواخل نفسه، ولذلك نجده دائمًا في شعره متأمّلًا، يحول الموضوع البسيط إلى موضوع شعري جميل.
وحين نتأمل أشعاره التي قالها في الحافة (الحارة)، نجد أنَّ الحافة عنده بديل للقبيلة عند الشاعر العربي، ويبدو أن باحريز كان يستحضر هذا الموقف في كل ما قاله عن حافته (الحارة) وهو يذكِّر بالشعراء العرب الذين امتزجوا بالقبيلة امتزاجًا، وقد كانت الظروف التي عاشها باحريز حينئذ شبيهة ــ مع الاختلاف ــ بالظروف التي كان الشاعر العربي متوحِّدًا فيها مع قبيلته، وإذا كان الشاعر العربي متوحّدًا مع قبيلته إلى الحد الذي يقول فيها القائل:
وما أنا إلَّا من غُزَيَّةَ إنْ غـــــــــوتْ
غويتُ وإنْ ترشُـــــــــدْ غُزَيَّةُ أرشُدِ
فقد كان باحريز متوحّدًا مع الحافة، حاضًّا على القيم العالية، متمسِّكًا بالمعاني الرفيعة، داعيًا إلى الوحدة بين أفرادها، متغنّيًا بالمثل المجسّدة لها، الراسمة صورتَها البهيَّةَ وطلعَتَها المشرقة، وهو ما أكسب شعره صفة الذيوع والانتشار.
[1] الشعر الشعبي العربي، الدكتور حسين نصار، منشورات اقرأ، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1400هـ، 1980م ص/5.
[2] شعر العامية في اليمن، الدكتور عبدالعزيز المقالح، دار العودة، 1978م ص/112
[3] في اللهجات العربية، دكتور إبراهيم أنيس، مكتبة الإنجلو المصرية، الطبعة الرابعة 1973، القاهرة ص/16
[4] هذه المعلومات عن دراسته وأصدقائه مصدرها الأستاذ نضال علي باعشن وهو راوية ثقة.