إبداع
وجدان الشاذلي
قصة قصيرة
تقول أمي إن جدي والد أبي هو من أسماني بهذا الاسم؛ تيمُّنًا باسم والدته المرحومة. ولم تستطع أمي يومها أن تقول شيئًا رغم رغبتها الشديدة بأن تسميني باسم أمها المرحومة أيضًا. وهذا يعني أنني لم أكن أملك الكثير من الخيارات فيما كان يخص اسمي، كان هناك خياران لا ثالث لهما، إحدى المرحومتين، إما أن يكون باسم المرحومة أم أبي، أو المرحومة والدة أمي.
منذ سنواتي الأولى، على وجه التحديد منذ أن فهمت معنى اسمي ووعيت مشكلته، كرهت جدي وأمي والجميع تقريبًا، وكرهت نفسي أكثر في كل مرة يناديني فيها أحدهم بهذا الاسم.
بدأ الأمر من الشارع حين بدأت أغادر المنزل للعب مع أقراني، وامتد الى المدرسة، في المرحلة الأساسية كان اسمي الفاكهة المفضلة للتلاميذ بين الحصص وخلال الاستراحة وفترة الديار، يصيح أحد التلاميذ (صيدة)، ويجيبه الآخر (غودة ولا ثمد)، وتنطلق القهقهات، تهدأ قليلًا قبل أن يصيح آخر (صيدة)، فيجيبه صديقه (صيادية ولا مقلي)، وتنطلق الضحكات والقهقهات من جديد.
واستمر الأمر في مرحلة الثانوية العامة والمرحلة الجامعية، كنت ألاحظ كيف يحاول الأساتذة والطلاب كتم ضحكاتهم أثناء قراءة كشف التحضير في بداية الحصص الدراسية والمحاضرات في الجامعة أو نهايتها. وهكذا أصبح اسمي العقدة الأسوأ والأقدم في حياتي. وبيني وبين نفسي قطعتُ عهدًا على نفسي أني لن أدع ابنتي في المستقبل تعاني ما عانيته مع اسمي، سأسميها بنفسي أسمًا تزهو وتفخر به أمام أقرانها.
وعندما علمت أني حامل في الشهر الثاني، كدتُ أن أطير من الفرح، وكانت الدنيا لا تتسع لفرحتي، تمنيت أن أنجب فتاة، وأخبرت خالد (زوجي)، أني أنا من سيسميها، قال لي:
ـ وإذا كان ولد أنا سأسمّيه.
ـ اتفقنا.
زوجي خالد كائن سماوي، لقد كان كما اعتادت أن تقول وتكرر شقيقتي زينب (لا أعلم ما الأعمال الجيدة التي فعلتِها في حياتك حتى يكافئك ربنا بزوج مثل خالد!). لقد كان خالد زوجًا عطوفًا ومتفهّمًا وكريمًا ومحبًّا، فيه كل الصفات التي تتمناها أي فتاة في شريك حياتها. وهكذا لم يتطلب الأمر أكثر من ثلاثة أشهر من الزواج لأقع في حبه وأغرق حتى آخري..
في زيارتنا الأولى لطبيبة النساء والولادة للإطمئنان على صحة الجنين، لا يمكنني وصف مشاعري يومها حين أشارت الطبيبة لنا على نقطة في شاشة الجهاز قائلة إن ذلك الذي ينبض على الشاشة هو قلب الجنين، واستدركت أقصد قلب الطفلة.. فتحت فمي من الدهشة وقلت لها، ماذا قلت؟ اندهشت الطبية بدورها من ردة فعلي، وارتبكت لحظة، وقالت إنها طفلة.. أمسكت يدها بقوة وباليد الأخرى أمسكت يد خالد وذهبتُ أهزها وأنا أقول.. طفلة.. بنت يا خالد.. فاندهشت الطبيبة لفرحتنا بالخبر. أتفهم ردة فعل الطبيبة، كوني أعرف بطبيعة الحال أنه هنا لا أحد يفرح بالمواليد البنات عادة..
أكملت الطبيبة مشيرة بقلم بيدها إلى عدة نقاط على شاشة الجهاز، محددة لنا قدمي طفلتنا الصغيرتين، ثم يديها..
كانت عمتي أم خالد قد نبَّهتنا بعدم سؤال الطبيبة عن جنس الجنين، قائلة إنَّ ذلك (حرام)، مستشهدة بآية قرآنية لا أتذكرها.. وذلك ما ذكَّرني به خالد بعد مغادرتنا للعيادة، فقلت له إننا لم نسأل الطبيبة، لقد حدث الأمر عفويًا، لكن خالد أصر رغم ذلك ألَّا لا نخبر أحدًا في البيت عن جنس الجنين ونترك الأمر بيننا.
طفلتي الصغيرة، سيكون لها عينا أبيها العسليتان الواسعتان وحاجباه المقوَّسان، وسيكون لها شفايفك واستدارة وجهك أضاف خالد، وسيكون لها شعر طويل وناعم مثل شعر شقيقتي زينب قلت أنا.
مضت الشهور، وبدأت معها بطني تتكور أكثر وأكثر.. وتكبر أحلامي وخيالاتي بطفلتي المستقبلية.. وبدأت رحلة البحث عن أسمها المستقبلي الذي ستفخر به كثيرًا أمام أقرانها..
أتذكر أول أمسية لي أنا وخالد جلسنا فيها سنتعرض اقتراحاتنا لاسم طفلتنا، اقترح خالد:
ـ ما رأيك في اسم سارة؟
ـ اسم جميل، لكن تذكر بأن اسمها سيكون دائمًا مقرونًا باسمك يا خالد، كيف أشرح لك ذلك؟ يجب أن يكون اسمها متحدًا وملتحمًا بك كأنه قطعة منك..
ـ تقريبًا فهمتك، يقول خالد، إذن ما رأيك بــ أثير خالد..
ـ امممم.. الآن تأكدت بأنك فهمتني، أعطني المزيد من الخيارات..
أحضرت ورقة وقلمًا، وذهبنا نضع المزيد من المقترحات لاسم طفلتنا..
استعنت أيضًا بـ (قوقل) من أجل المزيد من الخيارات، وذهبت أراجع معاني الأسماء، أيامًا ولياليَ كثيرة قضيتها في تصفح المواقع والمنتديات حتى توصلت تقريبًا إلى القائمة النهائية الطويلة لاسم الطفلة، وكانت تضم عشرين اسمًا.. وبعد المزيد من المشادات و النقاشات المستفيضة مع خالد قلصنا القائمة أخيرًا إلى عشرة أسماء، وحين وصلت إلى الشهر الثامن من الحمل، كانت القائمة قد وصلت إلى ثلاثة أسماء فقط، مع أننا كنا نعود من وقت لآخر للمزيد من النقاشات حولها حتى يوم الولادة..
(أثير خالد، أسرار خالد، نور خالد).. هذه كانت القائمة النهائية لمقترحات اسم طفلتنا، كان المقترح الأول خيار خالد، والآخران أنا من وضعتُهما، وكنا قد اتفقنا على أنه في يوم ولادتي وعندما تجتمع العائلة سنضع أمامهم تلك المقترحات ونقوم بالاقتراع، سيتم تسجيل تلك الأسماء الثلاثة على قصاصات صغيرة من الورق ووضعها في كوب، ويقوم طرف محايد بالتقاط إحدى القصاصات، واقترح خالد أن يكون ذلك الطرف المحايد أمه، مضيفًا أن ذلك سيسعدها.. والاسم الفائز بالاقتراع سيكون هو اسم طفلتنا..
في مساء السابع والعشرين من يوليو عام 2016م بعد منتصف الليل تمامًا وضعت طفلتي الجميلة، وكانت كما تخيلتها وأجمل، بعيني أبيها واستدارة وجهي، وبمجرد أن التقطتها بين يدي، ونظرت إلى وجهها نسيتُ تعبي وجميع آلامي، نسيتُ أيضًا رائحة العفن والمعقمات المحيطة بي في غرفة المستشفى..
وعند الظهيرة كنا قد عُدنا جميعًا من المستشفى إلى المنزل، وكان الجميع متحلِّقين حولي تتلاقف أياديهم الطفلة يقبلونها ويناغونها.. عندما دخل عمي والد خالد وأخذ الطفلة بين يديه وهو واقف مسح بيده على رأسها وقبلها على خدها وقال: ما شاء الله، تشبه جدتها، سيكون اسمها (زرعة) على اسم المرحومة أمي، قال ذلك ووضع الطفلة بين يدي وخرج…
تجمد الهواء للحظة في الغرفة، وشعرت أني أختنق، كنت أتنقل بنظراتي بين وجه الطفلة ووجه خالد متوسلة إليه أن ينقذني، لكن خالدًا طأطأ رأسه إلى الأرض، والطفلة بدأت بالبكاء…