ترجمة
د. مراد محمد باعلوي
سيرجي نيكولايفيتش سيريبروف
ترجمة د. مراد محمد باعلوي
معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية
معهد الدراسات الإسرائيلية والشرق الأوسط
٢. قبيلة آل باتيس. الهجرة وآفــاق جديدة
إن التاريخ الحديث لحضرموت حافل بالحلقات الدرامية من صراع النخب الحاكمة في المحافظة مع القبائل المتمردة التي لم ترغب في التخلي عن “حقوقها البدائية”، وخاصة الحق في ممارسة السيطرة العسكرية والسياسية على الأراضي الخاضعة تحت سيطرتها، وممارسة السيادة داخل حدود أراضيها القبلية، والحق في تحصيل الرسوم من الفلاحين والبضائع العابرة، وحق الاحتكار في ممارسة تجارة القوافل وغيرها. القبائل في جوهرها لم تكن راغبة في التصالح وتقبل الوضع المتميز للنخب الأرستقراطية المقترنة بالإسلام كـ(السادة والمشائخ، والبعض منهم يُنسب للأنصار).
وفي بداية القرن العشرين اتهمت القبائل ذات التوجه الإرشادي، التي أقدمت على معارضة خروج “العلويين”([1]) عن القاعدة، اتهمت السادة بانتهاك مبادئ المساواة الأساسية في العقيدة الإسلامية. إن هذا الصراع سرعان ما لاقى صدى كبيرًا في العالم الإسلامي، ولم ينحصر إطلاقًا في العقيدة، بل أدى إلى أعمال متطرفة، والتي اتخذت في بعض الأحيان أشكالًا دموية. حتى يومنا هذا، يمكن أن نلاحظ أنصار الإرشادية من بين القبائل التي تعيش بالقرب من تريم.
غير أن الأسباب الاقتصادية أثارت أزمة حادة جدًا بالنسبة للقبائل. ففي ثلاثينيات القرن العشرين بدأ الصراع بين السلطان القعيطي (وحُماته البريطانيون) مع قبيلة الحموم، هذا الصراع الذي وقع في مدينتي الشحر والديس كان ناجمًا في حد كبير عن صراع على أسس اقتصادية – مع ظهور وسائل الاتصال بالسيارات وتعبيد الطُرقات، والذي بدوره أعطى الجيش النظامي على الفور تفوقًا على التشكيلات القبلية المسلحة. ونتيجة لاستخدام وسائل نقل حديثة في نقل البضائع، فقدت القبائل التي تُربي الإبل المصدر الاقتصادي الذي يستمدون منه قوّتهم. ولم تمنع كل جهود الوساطة التي قام بها سادة حضرموت من إنهاء الصراع الدموي بين قبائل الحموم والسلطان.
الفترة الفاصلة بين الحدث المذكور وبداية عملنا في حضرموت مضى عليه أكثر من خمسين عامًا، وتغير فيها جيلان من القبائل. لقد تكيفت حياة قبائل حضرموت منذ زمن طويل مع الوسائل التقنية الحديثة. غير أن حالة الأزمة الناجمة عن التغيرات الجذرية في الظروف المعيشية للقبائل ودورها في المجتمع لا تزال تنعكس في عدد من الأمثلة. وفي صفحات الصحافة اليمنية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر يتم طرح فكرة “العداء”، (أي عداء القبائل للحداثة والتطور) “خاصةً القبائل المحافظة”، إن لم يكن “التخلف” طبيعة كامنة في القبائل. وأقل بكثير شيوعًا تلك المواد الصحفية، التي تصف المشاكل الحقيقية التي تواجهها القبائل، مثل: النقص الحاد للمياة، الخدمات الطبية، فرص العمل والعزلة أو الانقطاع عن المؤسسات التعليمية.
ولهذا ربما تكون أبحاثنا وملاحـظاتنا فريدة من نوعها. لقد قمنا بتغطية كافة المناطق الرئيسة التي تسكنها قبائل حضرموت: الوديان والهضاب، المناطق الداخلية والساحلية. الانطباع العام من أبحاثنا يكمن في أن الغالبية العظمى من الحالات كانت القبائل تُظهر عجائب من الإبداع، إرادة إيجابية والقدرة وبشكل مستقل على حل المشاكل التي يفرضها الزمن، وهي مشاكل ليست سهلة.
وهنا سنتطرق كمثال لقبيلة آل باتيس([2])، التي أتاحت لنا في عام 1990م فرصة لإجراء بحوث علمية، سواء على مناطقهم (سوط باتيس)([3])، الواقعة على الهضبة القاحلة في الجانب الشرقي من وادي عمد، أو حتى في القرى التي يعيش فيها أبناء قبيلتهم.
ويرتبط تاريخ إقامة القبائل في حضرموت ارتباطًا وثيقًا بالهجرات. وانتقل لقب قبيلة باتيس (وهم من قبائل النعمان) إلى حضرموت من منطقة جردان الواقعة في المقاطعة المجاورة، وحدث هذا وفقًا للأساطير قبل حوالي 300 عام، أي في منتصف القرن السابع عشر إلى أواخره. ويذكر أيضًا أن جد آل باتيس – الأب بكر وولديه (أحمد ومشيع)، وهم الذين كانوا أول من استوطن في منطقة السوط، ووجدوا هناك سكانًا أصليين من عشائر الحرثة آل باكوبن، الذين يعملون منذ زمن طويل في الزراعة الموسمية في هذه الأماكن. “اشترى” مؤسسو قبيلة آل باتيس وأجدادهم من الحرث أراضي([4]) على الهضبة، وأطلقوا عليها اسم سوط باتيس. وخلال عملنا في منطقة سوط باتيس وجدنا عددًا من العلامات التي تشير إلى حياة الإنسان القديم على الهضبة: النقوش على الحجر التي تصور مشاهد صيد الوعول (الماعز الحجري)، وأحجار حدودية، جامعي المياه القدماء، المضابي “موقد من الأحجار” (المحفوظة تقريبًا منذ فترة مرور قوافل البخور من ميناء قنا إلى البحر الأبيض المتوسط). وقد شكلت عملية شراء الأراضي بداية استيطان منطقة السوط من قبل آل باتيس والإزاحة الكاملة للسكان السابقين. في أثناء عملنا اكتشفنا ضمن دائرة نصف قطرها 15 كيلومتر 27 قريةً من القُرى القبلية. تحتوي كل قرية على أراضٍ محروثة يدويًا صالحة للزراعة، يتم ريها خلال فترة الأمطار الموسمية، تنمو فيها أشجار فواكه مختلفة، مثل أشجار النخيل والسِدر. على الهضبة لا توجد مصادر طبيعية للمياه. والمياه التي تستخدم في الحياة اليومية تُجمع في أوقات هطول الأمطار النادرة من خلال ثقوب على سطح الأرض منها إلى صهاريج من الحجر الجيري مصنوعة تحت الأرض. عادةً ما تكون مجمَّعات المياه هذه للاستخدام الجماعي. هذه المياه تكفي لسنة إلى سنتين، لكن إذا استمر الجفاف لفترات أطول، يتم توصيل المياه ونقلها في قِرب جلدية على الحمير من سافة على بُعد كيلومترات من بحيرة تتجمع فيها المياه في منطقة وداي رخية. وفي فترة وجودنا يتم أحيانًا توصيل المياه في شاحنات صهريجية على طول الطريق المتعرج شديد الانحدار وغير آمن لحركة المركبات. عاصمة السوط – السدة، وهي أكبر القرى ولحدٍ ما تُمثّل رمزية، حيث تضم تسعة حصون ضخمة، تجسد قوة العشائر القبلية المتنافسة، الذين لا ينشطون إلا في المواسم الزراعية، أي في مواسم هطول الأمطار النادرة والحصاد الضعيف. وفي العاصمة السدة تقع المدرسة الوحيدة في السوط، والتي تضم ثلاثة صفوف دراسية مشتركة، يقصُدها التلاميذ من جميع أنحاء السوط التي تمتد على مسافة 15 كيلومتر. ما بقي من العاصمة السدة يعد قرى مهجورة. على سبيل المثال أثناء إقامتنا في منطقة السوط عام 1990م لم يكن سوى أربع عائلات فقط تعيش في السدة. وعلى النقيض لمنطقة السدة، كانت القرى الرئيسة لأقوى عشائر آل باتيس، كانت لحد كبير مكتظة بالسكان، بل وكانت تشهد نوعًا من التطور، حيث وفَّـروا لأنفسهم الظروف للعيش والعمل (تم بناء منازل جديدة، كذلك ورشة عمل لأحد الجرارات التي جلبها شخص ما، وما إلى ذلك…).
الصفحة التالية من تاريخ آل باتيس بعد استقرار القبيلة في منطقة السوط، مرتبطة بهجرة ذات طبيعة مختلفة – بالتحديد مع توسع واحدة من أقوى عشائر القبلية (المنصور بن أحمد) إلى الوادي القريب، وادي عمد. وفي الأسفل مباشرة في الجانب الأيسر للهضبة كانت هناك واحتان، تعود ملكية أرضهما للحرث أنفسهم من عشيرة باكوبن. وقبل ما يربو على قرن ونصف من الزمان قامت قبيلة من عشيرة المنصور بحملة عسكرية ناجحة انتهت بالتنازل عن الأراضي المروية (الخصبة) للقبيلة. ومن الجدير بالذكر أن القصص التي تُروى عن حملة المنصور في الوادي تركز على شجاعة جنود القبيلة في الوادي وحقيقة شراء الأرض. هذه السلسلة من الأحداث على وجه التحديد هي التي ترسخ شرعية الهيمنة القبلية في هذه المنطقة. وإن حقيقة العنف المسلح يبدو كأنها تؤدي دورًا ثانويًا.
واليوم نرى بوضوح في تركيبة قبيلة آل باتيس سبعة فروع في الأقل، كل فرع يحدد ويربط هويته بأحد أسلاف العشيرة (وفرع واحد – آل بازير دُمِج في القبيلة وهم من القبائل الدخيلة). الجدير بالذكر أن عشيرة المنصور التي قامت بالتوسع المذكور للأراضي تدَّعي دور المقدمة لجميع آل باتيس.
ويعد الاستحواذ وترسيخ الوظائف القيادية لعشيرة معينة هي القضية الجوهرية للتنافس داخل قبائل حضرموت. وفي هذه الحالة، كما نرى فإن الجزء من القبيلة التي وسعت مناطق آل باتيس لم تنشق فحسب عن القبيلة الأصلية نتيجة للارتحال إلى المناطق التي توسعت فيها، بل عززت أيضًا من مكانتها في التسلسل الهرمي داخل القبيلة. كما يُلاحظ أيضًا أن عددًا من سكان قرى الوادي من قبيلة آل باتيس لا يزالون يمتلكون حصة من الأراضي الزراعية في الهضبة وحتى بيوت خاصة في منطقة السوط (خاصةً المناطق الزراعية في منطقة بازميلة، الواقعة في السوط والتي تُعد إرث شيخ عشيرة المنصور، والجزء الآخر من الأرض ملكًا لسكان الوادي). ويتم تعزيز وحدة القبيلة من خلال العلاقات الزوجية، المشاركة في مراسيم الزفاف، الزيارات العائلية، ومن الطقوس المتبعة هي الزيارة (على سبيل المثال عند ختان الأولاد). إن كثرة العادات والطقوس تؤكد على القيمة الجوهرية الكبيرة للغاية والعاطفية لانتماء الفرد القبلي لعشيرته وقبيلته، لدرجة أن المرء يتساءل لا إراديًا عن الدوافع القوية في شخصية القبيلي نحو التفكك الفردي والاستقلالية، والتعبير عن الذات، والذي يفترض أن تكبح تلك العادات والطقوس هذه الدوافع.
ومع ذلك، فإن “القَبْيَلة” – هي مبدأ من مبادئ التضامن القبلي، وسمة لا تميز قبائل حضرموت فحسب، بل تتميز بها كل الفئات والمجموعات السكنية في المحافظة([5]).
نحن بعيدون كل البعد عن القول أو إعطاء تأكيد عن عزلة العالم القبلي وضيقه. بالإضافة إلى الهجرة المذكورة أعلاه نحو الوادي القريب، فإن قبيلة آل باتيس تمتلك تاريخًا طويلًا من الهجرة إلى تنزانيا (شرق أفريقيا)، وكذلك إلى إندونيسيا والدولة الجارة المملكة العربية السعودية. وكل دولة من دول المهجر تحتفظ بأعداد كبيرة لحد ما من أبناء عشيرة آل باتيس. وفي بعض الحالات لم ينقطع الاتصال والتواصل بينهم إلى يومنا هذا. وتعد الهجرة إلى السعودية بالنسبة للقبيلة ضرورة أساسية للبقاء الاقتصادي للقبيلة بأكملها.
كل ما نريده هو لفت الانتباه إلى الخصوصية الجوهرية للهجرة القبلية – إذ تعد مناطق الإقامة الجديدة بالنسبة لهم في المقام الأول المورد للقبيلة بأكملها. وحتى بعد الهجرة ظلت العلاقات الاجتماعية في الغالب موجهة داخل القبيلة. ظاهريًا برزت القبيلة كجماعة واحدة، تجمعها أهداف ودوافع مشتركة.
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي أصبحت هجرة آل باتيس تستهدف مدينة القطن، التي تعد إحدى المدن المتنامية في وادي حضرموت. وفي عام 1985م، من بين إحدى وأربعين عائلة مهاجرة في القطن أجرينا عليها مسحًا ميدانيًا، كانت هناك سِتُّ عائلات من قبيلة آل باتيس، معظمهم من سكان قرى الوادي. وبحلول عام 1990م وصلت أعدادهم إلى حوالي خمسة وعشرين عائلة. ويعيش جميع أبناء القبيلة في أماكن متجاورة مشكّلين بذلك أحياء حضرية متماسكة([6]).
تكشف لنا مواد المسح الميدانية للمهاجرين إلى القطن السمات الآتية لهجرة آل باتيس:
وبالتوازي مع مهنة العسل، يشغل أبناء آل باتيس مناصب حكومية مهمة، ويعمل ممثّلو القبيلة كضباط شرطة في مدينة سيئون – “عاصمة” وادي حضرموت، وكذلك في أمانة مأمور مديرية حريضة – المركز الإداري لمديرية وادي عمد. وقد تخرج أحد الأبناء الصغار لأحد كبار الشيوخ من عشيرة آل باتيس في المدرسة البحرية العسكرية في باكو عاصمة أذربيجان، ويأمل بالعمل في مهنة عسكرية، وابن آخر اختار مهنة المحاماة في أبو ظبي، والابن الأكبر قتل بعد تعيينه في منصب سياسي رفيع في أراضي قبيلة منافسة. وكان أبناء القبيلة الذين يعملون في الأجهزة الحكومية يقومون بالضغط من أجل تنفيذ مشاريع اقتصادية ذات أهمية قصوى[7] لآل باتيس. واقترحوا أن تتضمن الخطط إنشاء طريق إسفلتي في أجزاء من الهضبة والوادي، ليربط قرى السوط بمدينة القطن وبقية مدن حضرموت الأخرى، بالإضافة إلى بناء خزان عملاق في السوط، يُغَذّيه أنبوب من بئر ارتوازي عميق تمَّ حفره في منطقة تعود ملكيتها لآل باتيس في أحد قرى وادي عمد.
إن المهاجرين الحاليين الذين استقر بهم المقام في مدينة القطن والمدن الأخرى من المحافظة لا يتبادلون الزيارات بانتظام مع الأقارب وأبناء القبيلة في منطقة السوط فحسب، بل ويحافظون هناك أيضًا على منازلهم وأراضيهم الزراعية. ولذلك فإن الغرض الاقتصادي للهجرة تراجعت أهميته بشكل واضح، وتؤدي اعتبارات الهيبة والولاء للوطن الصغير التي تميز القبائل دورًا أكثر أهمية، وتظل بالنسبة لهم رمزًا للوحدة القبلية.
أشار المهاجرون من آل باتيس في القطن بالإجماع إلى رغبتهم في إعطاء أطفالهم أعلى مستوى ممكن من التعليم الحضري، وهو أمر يُستحال تحقيقه في ظل ظروف منطقة السوط. ومع ذلك يعدون أنه لا يقل أهمية بالتوازي مع إعطاء الأطفال أساسيات التربية “القبلية”، لذلك يأخذون الأطفال إلى السوط، ليعوّدوهم على الأنشطة التقليدية (الصيد، رعي الماشية، العمل الزراعي) والزهد في الحياة المدنية بالحياة “البدوية”. التسلية واللهو المفضل للشباب في السوط هو إطلاق النار من الأسلحة الرشاشة، وصيد الوعل (الظبي – وهو مزيج بين الوعل البري والماعز المنزلي) والوبر. تُنقل التقاليد الغنية شفويًا من شيوخ القبائل إلى الأطفال، وتعد ثروةً من الحقائق التاريخية والأسطورية من حياة حضرموت، وتغرس فيهم مدى الحياة حب وطنهم الصغير. ويردد السكان الجدد من آل باتيس عبارة – “الهواء في السوط أنقى وأفضل”.
إن الترابط بين أبناء القبيلة الذين يعيشون ليس فحسب في أجزاء مختلفة من حضرموت، بل أيضًا هم منتشرون في شتى أنحاء العالم، يتجلَّى في قصة “السوط”؛ إذ يحظى كبار السن والقلة الذين يعيشون بشكل دائم في السوط بدعم اقتصادي من جميع المهاجرين، الذين لديهم القدرة المالية لذلك. يتلقون الهدايا والحوالات المالية من الأقارب، وفي المقابل يهتمون بممتلكات الأقارب ويحافظون على الترابط الحي بين الماضي والحاضر([8]). ربما يكون هذا شكلًا جديدًا من أشكال التعامل بالمثل؟
وفي حالة آل باتيس وجدنا مثالًا لقبيلة قبلت تحدي الحداثة، وتبحث عن طرقها الخاصة للتكيُّف مع التغيير انطلاقًا من مواقفها المعتادة، أي إنها لم تتخلَّ عن مبادئها وقيمها في أثناء عملية التكيُّف، وهي تستحق لقب قبيلي.
٣. هجر القبائل إلى مـدن حضرموت
حقـائق جديدة في سياق تقليدي
وقد حملت المدينة تاريخيًا جذور التأثير الروحي والسياسي لحضرموت إلى بلدان المحيط الهندي. واليوم تنضج هنا بذور ظواهر اجتماعية جديدة لم يسبق لها مثيل في المحافظة. على الرغم من أن التنبؤ في علم الاجتماع لا يعطي دائمًا نتائج صحيحة، فإننا نجازف بتتبع العواقب المحتملة لتزايد تركز القبائل في مدن حضرموت.
وتعد مراكز جذب المهاجرين، والتي تتقدمهم بطبيعة الحال المدن الكبرى كـ (المُكلا، الشحر، تريم، سيئون)، التي يتجاوز عدد سكانها 50-30 ألف نسمة. وفي المرتبة الثانية نجد المدن سريعة النمو (كما في مثالنا – مدينة القطن)، حيث تجاوز عدد سكانها مؤخرًا 20-15 ألف نسمة. وتتركز في هذه المدن الهيئات الحكومية، والخانات الوظيفية، وخاصةً في القطاع الحكومي والمؤسسات التعليمية، وأخيرًا في المرافق العامة الحديثة. ولم يكن من قبل مثل هذه المدن هدفًا للهجرات الجماعية لعدد من القبائل. (الإحصائيات أعلاه كانت في فترة وجود البعثة السوفيتية اليمنية الشاملة ١٩٨٤ – ١٩٩١).
ومن الطبيعي أن تصبح المدن ساحة للتنافس الشديد بين القبائل في الكثير من المجالات: المجال الحيوي (المساحة التي تعدها القبائل ضرورية لبقائهم وتطورهم مثل الأراضي الحضرية)، التوظيف (النفوذ في الهيئات الحكومية)، التعليم وما إلى ذلك. ولسوء الحظ أن الأخلاق القبلية تحد بشدة من اختيار المهن للقبائل في ظروف حضرموت المدينة. حتى تلك القبائل التي تخصصت تقليديًا في الزراعة الموسمية من غير المرجح أن تختار هذه المهنة خصوصًا بعد انتقالها للمدينة (في حضرموت تقع الأراضي الزراعية الرئيسة حول المراكز الحضرية). ومن الحالات المعروفة، أن بعض المهن التي يمتهنها القبيلي خلال هجرته في المملكة العربية السعودية يكون من الصعب عليه أن يمارسها في وطنه لأسباب تتعلق بالمكانة الاجتماعية. بالإضافة إلى المهن العسكرية والمدنية غالبًا ما يختار القبيلي مهنًا، كـ سائق شاحنات، مدرس، مسؤول عمال بناء (مقاول)، تأجير عقارات… ويحتفظ الكثيرون منهم بعادة العودة إلى وطنهم الصغير، حيث يقضون فترات راحة، أو يعودون إلى أنشطتهم المعتادة.
تواجه السلطات في المدينة مشاكل معقدة، فرضتْها الحياة القبلية في المدن، وفي كثير من الأحيان لا تملك أي فكرة عن طرق حل المشاكل المتزايدة. ونتيجةً لذلك، فإن العلاقة الحذرة أو الموقف العدائي من جانب السلطات تفاقم من وضع القبيلي في المدن.
ومن خلال ملاحظاتنا، فإن التوترات المتزايدة والمرتبطة بالهجرة المتزايدة للقبائل إلى المدن أصبحت سمة مميزة للغاية للحياة المعاصرة لحضرموت. نحن هنا يمكننا أن نقترح بحذر ونقول، إن إحياء دور مؤسسات الوساطة التقليدية في هذه الظروف الجديدة سيكون أكثر فاعلية من رغبة (أو قدرة) السلطات الرسمية، سواء كانت حكومية أو محلية في التعامل مع المشاكل الناشئة وحلحلتها.
دعونا نعود للنظر في آليات التحكيم المطبقة على القبائل. في السابق، في الفترة التي كانت السيادة الإقليمية للقبيلة تعد من السمات الأساسية للحياة الاجتماعية، كان الاتصال بين القبائل يحدث في غالب الأحيان على حدود الأراضي القبلية، في أثناء حركة القوافل التجارية عبر أقاليم تابعة لقبائل أخرى، وكذلك في أثناء الزيارات الطقوسية للأماكن المقدسة، والزيارات (للأسواق والمعارض المرتبطة بها). الحكّام – (القضاة العُرفيون للقبائل) يقتصر دورهم على خدمة القبائل المحلية فقط. وقد أدَّى دور كبار المحكمين بعض القضاة من السادة والمشائخ. عادةً إذا لم تكن هناك أطراف رابحة أو خاسرة بشكل واضح، فإن هدف التحكيم يصبح هو استعادة الوضع القائم، أي إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل النزاع، مع معاقبة رمزية للطرف الذي كان مذنبًا بشكل واضح (في حالة السرقة – يتم تعويض الضرر مع زيادة بسيطة. وفي حالة الاستيلاء على ممتلكات عقارية – يتم العودة إلى الحدود الأصلية، أي إرجاع الأرض إلى مالكها الأصلي. وفي حالة القتل – بدلًا من ثأر الدم (قتل النقا – القتل الانتقامي) يُعدم الجاني أو أحد أفراد قبيلته، وأحيانًا يُستعاض عن ذلك بدفع دية مالية. وفي حالة الإصابة الجسدية أو مخالفة القواعد الاخلاقية للسلوك – فتُفرض غرامة مالية… إلخ). وكان الضمان لتنفيذ أحكام مثل هؤلاء القضاة يتمثل في هيبتهم الشخصية وقوتهم، المدعومة دائمًا بالقوة العسكرية وسيطرتهم على القبائل المسلحة. من الواضح أن الخبرة المتراكمة في مجال التحكيم في الظروف الحضرية تكون في حد كبير عاجزة عن تقديم المساعدة. ففي ظل ظروف تعارض المصالح بين القبائل داخل المدينة الواحدة، ليس من الممكن دائمًا الفصل بينها جغرافيًا كما في البادية (كل قبيلة في منطقتها)؛ لأنَّ الناس في المدن من قبائل مختلفة يعيشون مختلطين في الأحياء نفسها؛ إذ لا يمكن حبس سكان مدينة حديثة داخل حدود الحي. وما هو أصعب من ذلك، ضمان التوزيع العادل للموارد المحدودة بطبيعتها (مثل المناصب الحكومية والامتيازات وغيرها). إن المقصود بما جاء أعلاه هو صعوبة تطبيق النماذج التقليدية (كالتحكيم القبلي) في المدن. إن المخرج الطبيعي من المأزق القائم يجب أن يكون عبر تشكيل نوع جديد من النخب العُليا، تجمع بين مكانة الزعيم الروحي الإسلامي ومعارف العصر الحديثة، بحيث تتمكن من إيجاد سُبُلٍ لإقامة هيمنة غير رسمية جديدة (ليست رسمية بالقانون أو الدستور، ولكنها مؤثرة فعليًا) على القبائل “المتحضرة” (التي انتقلت من البداوة إلى التمدن)، والتي أصبحت نتيجةً لذلك أكثر تأثيرًا وقوة لا مثيل لها مما كانت عليه من قبل. ويبقى لغزًا على يد من وإلى أين ستتجه طاقة الصراع التي تنضج في أعماق مدينة حضرموت؟! الواضح في الأمر أنها لن تؤدي إلى ظهور جماعات مافيا إجرامية. إن استبعاد خيار تطور الأحداث بهذا الشكل يستند إلى الكم الكبير من المواد البحثية السوسيولوجية التي جمعها الباحثون في بلدان الشرق.
ويبدو أن المرشحين في المقام الأول لقيادة هذه النخب العُليا الجديدة هم الســـادة، الذين كتب عنهم البروفسور سارجنت في ختام كلمته: “أيًّا كانت التغييرات التي سيحملها المستقبل، فإنني لا أشك في أن الســادة سيظلون عنصرًا مؤثّـرًا في المجتمع الإسلامي”([9]).
[1] The Alids are the descendants of the Prophet through his daughter Fatima and nephew Ali.
[2] For an ethnographic description of the Ba Tays tribe, see the article by M. Rodionov “The plateau–ans–Valley Complex in Hadramawt: Ba Tays Case Study” in Studies in Oriental Culture and History. Festschrift for Walter Dostal. Frankfurt a/M, Wien, 1993, pp. 172–184.
[3] The detachment included, together with the author, ethnographers M. Rodionov and A. Pogorelsky, architect Yu. Kozhin, and archaeologist A. Sedov.
[4] “Sotom” in Hadramaut is the name given to the part of the plateau that has soil suitable for agricultural use. Parts of the plateau unsuitable for these purposes are called “jolem”.
[5] See M. A. Rodionov. Ethnography of Western Hadramaut. General and local in ethnic culture. Moscow, 1994, p. 153.
[6] The division of Arabian cities into quarters (“nizam harat”) was also characteristic of many ancient cities of Hadhramaut.
[7] The family of a deceased son was taken into care by the next oldest son, who took the widow as his wife. Levirate, as in biblical times, is still practiced in Hadhramaut.
[8] “سواء كانت في شكل ثقافة، تراث، قيم، أو حتى أشخاص ينقلون المعرفة والتقاليد القديمة للأجيال الجديدة” – توضيح المترجم.
[9] Op.cit., Serjeant, p. 29.