كتابات
إيناس محمد بارجاش
“من أين تم تنميط معايير الجمال الحديثة؟ ولماذا في حين لا تعكس أيًا من الجذور العربية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه
لماذا أصبحت معايير الجمال تشبه عدوًا ثقافيًا أكثر من كونها انعكاسًا حضاريًا للهوية والجذور العربية؟”
يعد الجمال أمرًا نسبيًا تفاوت تعريفه من حضارة إلى أخرى بطرق مختلفة خضعت لعدد من الظروف التاريخية التي أعادت صياغته، وأثرت في رؤيتنا له رجعًا لتفاوت الثقافات في مختلف البِقاع.
ومن المهم ألَّا نغفل عن وجود علم يختص به يدعى بعلم الجمال أو ما يطلق بِـ” الاستطيقا ” وكان مؤسسه هو الفيلسوف الألماني “ألكسندر جوتليب بومجارتن”، وكي لا نسلك منحًى آخر يبعد عن الطرح الرئيس لمعايير الجمال
يمكن تلخيص نشأة هذه المعايير في عبارتين قصيرتين
أُعيد تشكيل هذه المعايير:
تأثرًا بـ “الاستعمارات المنطلقة من أوروبا وشقيقاتها” إلى “الثورة الصناعية والرأس المالية”
والسؤال هنا، إن كان الهدف الرئيس من الاستعمار هو بقع جغرافية، ثروات وأراضٍ، وأطماع بشرية؛ فكيف نشأت هذه المعايير، وما علاقتها بالاستعمار؟!
في الحقيقة لم يركز الاستعمار على الماديات فحسب إنما جاء محمَّلًا بالأفكار والثقافات الغربية التي ظلت تنغمس ببطء شديد متأرجحة بين أدمغتنا، جاثية عليها بقوة الأدلجة من غير أن نعي، أتى المستعمر من بلده محمَّلًا بهويته ليفرضها على السكان الأصليين كخطة بديلة في حال عدم تحقق السيطرة المادية دفعة واحدة، وإن كان الاستعمار قد بُترت أغصانه، عليك أن تتذكر أن الأشجار تبدأ بجذور…
ومن هنا يمكن أن أُفصح عنها بطريقة أدق، بل أكثر وضوحًا وأقل ضبابية : انتهى الاستعمار “ظاهريًا” لكن جذوره لا تزال متوغلة في الأراضي المحررة: جسد نحيل “عود فرنساوي” أعين ملوَّنة، بشرة بيضاء، وعدد من المعايير التي لا تمت بصلة للجذور العربية، ففي زمن المتنبي لم تكن هناك نساء شقراوات ناصعات البياض بأعين ملونة وجسد نحيل بتلك المعايير وإن عاصرت تلك الحقب الزمنية ستجعل من عبلة وعنتر أضحوكة الحاضر، وبالتالي لن يمجد الأدب قصص الحب، ولن يكتب الشعراء أبياتهم المخلدة، بل ستُنفى قصص الحب، وتعلق صور نساء أشبه بمارلين مورنو على الحيطان، ويكتب على جبينهن الحب، “وكأن ذلك الشعور العميق الذي وضعه الله فينا ينبع من ماديات ومظاهر خارجية” وأنوِّه قبل أن أنهي هذه الجزئية إلى نقطة مهمة تثبت أن المعايير الحالية لم توجد قديمًا، وهو وجود تماثيل قديمة، ترمز للجمال عائدة لنساء بدينات.
فهل المعايير الحالية التي نراها الآن حقيقة أم مجرد كذبة أوهمَنا بها المستعمر بعد أن رفض أجدادنا تسليمه بضعة ماديات، متناسين الحفاظ على أدمغتنا من الأيديولوجيات الغربية؟
في الوقت الذي بدأ الإنسان فيه باستغلال الماديات ليُكَوِّن ثروته الخاصة، في البداية كان عليه أن يصمم قطعًا تتناسب مع جميع المقاسات، فبدلًا من خسارة الأقمشة لتغطية جميع المقاسات، كان الحل الأمثل هو تصنيع أصغر المقاسات، ومن هنا بدأ الترويج لـ “العود الفرنساوي”. على المصانع أن تصمم ملابس صغيرة للإشادة بالوزن النحيل، بالمقابل على النساء أن يتبعن حمية للظفر بتلك الملابس؛ إذ كانت المصانع تستهدف المستهلك الأول “النساء”.
امتدت تلك المعايير التي كانت في الحقيقة تصب في مصالح بشرية فذَّة، تمارس العنصرية على مر التاريخ من الاستعمار الثقافي حتى الثورة الصناعية من دون توقف.
يمكن كذلك أن تحل الظروف المعيشية تفسيرًا آخر لتلك المعايير، ففي حقبة الصيد وجمع الثمار كانت المرأة السمينة الممتلئة هي المعيار. أشار بعض الباحثين إلى أن تلك الأجساد الممتلئة كانت متخمة بالتغذية المناسبة، التي تساعد النساء في تلك العصور على عملية الحمل والولادة والعمل البدائي؛ للعيش وسط ظروف قاسية، وهو المعيار والهيئة المتعارف عليها في تلك الحقبة ورمز آخر للقوة.
لكن مع انخفاض درجة الحرارة يصبح الوزن الأقل شيئًا فشيئًا معيارًا آخر للإشادة بجمال النساء، وهذا ما يفسر التماثيل البدينة المنحوتة بعناية منذ آلاف القرون كرمز آخر للجمال إلى أن يتناقص وزن النساء، وتتباين اللوحات والتماثيل، وتختلف تعريفات الجمال مع مرور الزمن، لذا يمكن تفسير تبدل المعايير كذلك بالظروف المعيشية، ومن ثم يتم التدرج في بقية التفسيرات الأخرى…
ومن هنا يتم الجزم على أن هذه المعايير ليست إلا أفكارًا جمعية، لا يمكن أن تُحصر ويؤخذ بها على أنها حقيقة مُتفق عليها.
فإلى متى سيستمر حصر معايير الجمال العربية في القالب الأوروبي؟
ومتى سنرتدي هويتنا من جديد؟