أضواء
د. محمد علوي بن يحيى
نخصُّ هذا العددَ، بعرض كتابٍ حضرميٍّ مميَّزٍ، في مجالِه العِلمي، لا يطرُقُه إلَّا الأفذاذُ من العلماءِ الحضارم، ولا غروَ حينما يكون المؤلِّفُ فيه أمثالُ العلَّامةِ المتفَنِّنِ، والأديبِ المُتقِن، السيد: أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عليّ ابنِ شهابِ الدِين العلوي. وأمَّا عنوانُ كتابِه فهو: (تُحفةُ المحقِّقِ بشرحِ نظامِ المنطِق).
وقد وُلِدَ مؤلِّفُ هذا الكتابِ في قرية (حُصن آل فَلُّوقَة)، الواقعةِ على الضاحيةِ الشرقيَّةِ لمدينة (تريمَ) الحضرميَّةِ اليمنيَّة، سنةَ (1262ه) الموافقةَ سنةَ (1846م)، نشأ متعطِّشًا لطلبِ العلمِ، ومتنقِّلًا بينَ علماءِ عددٍ مِن مدُن وادي حضرموتَ كـ: تريم، ودَمُّون، وسَيئون، ودَوعَن. وما أن بلغَ حتى صار وجيهًا من وجهاء العلمِ والأدبِ، وشاعرًا بليغًا لا يُشَقُّ له غبار.
ثم سافر حاجًّا إلى بيت الله الحرامِ سنةَ (1286ه)، وطابَ له المقامُ هناك، فأخذَ عن علماء الحرمَيْنِ الشريفَين، غيرَ أنَّ نفسَهُ الجامحةَ في الأخذِ مِن كلِّ عِلمٍ بطرفٍ، حملَتْهُ على اتخاذ الأسفارِ وسيلةً ناجعةً لإشباعِ نفسِه العلميَّةِ النَهِمَة، ووسيلةً لطلبِ الرزقِ الحَلال، فسافر إلى الجهةِ الجاويَّةِ، ثم إلى مصرَ وفِلَسطينَ وتركيا وغيرها من البلدان. ثم استقرَّ به المقامُ بمدينة (حَيدر أباد) في الهند، وبها توفِّي ليلةَ الجمعةِ في العاشر، من جُمادى الأولى، سنةَ (1341ه)، الموافقةَ سنةَ (1922م).
وقد أخلفَ ما يقارب ثلاثين مؤلَّفًا، في علومٍ مختلفة، من أبرزِها: ذريعةُ الناهِض في علم الفرائض (وهو عبارة عن منظومة في علم المواريثِ، نظَمَها ولم يبلُغْ سِنَّه العشرين)، ورَشفَةُ الصَادِي في مناقب بَنِي الهادِي، والترياقُ النافعُ بإيضاح جَمعِ الجوامع (في أصول الفقه)، وديوان شِعر، وإقامةُ الحُجَّةِ على التقيِّ ابنِ حُجَّة، ونوافِحُ الوردِ الجُورِي شرح عقيدةِ الباجُورِيّ، وتُحفةُ المحقِّق بشرح نظام المَنطِق (الذي هو محورُ حديثِ حلقتِنا لهذا اليوم). ويُعرِّف المختصُّون هذا العلمَ بأنَّه: “علمٌ بقوانينَ، تُفيدُ معرفةَ طُرُقِ الانتقال من المعلوماتِ إلى المجهولاتِ وشرائِطها، بحيثُ لا يُعرَضُ الغلطُ في الفِكر”. (كشّاف اصطلاحات الفنون: 44)
[للاستزادة: تاريخ الشعراء الحضرميين:4/183-199، والإعلام:2/65، ومعجم المؤلفين:1/439، ومصادر الفكر الإسلامي: 589]
وهذا الكتابُ طُبِعَت طبعتُه الأولى بمطبعة المنارِ، بمصرَ، سنةَ (1330ه)، في (263) صفحةً، من القطع الكبير. كما أنَّ لهذا الشرحِ المنثورِ منظومةً مختصرةً موسومةً بـ(نظام المنطِق) مطبوعةً طبعةً حجريَّة، بمطبعة (عثمان يس)، بحيدر أباد في الهند، سنةَ (1331ه)، في (67) صفحةً، من القطع الكبير.
وقد اشتمل الكتابُ على: مقدِّمةٍ، وفيها بيانُ اصطلاحاتِ الفَن، فالدلالةُ اللفظيةُ الوضعية، فالمركَّبُ والمفرد، وأقسامُ كلٍّ منهما، فالجزئيُّ والكلِّيُّ وتقسيمُه، فالكلِّياتُ الخمس، فالنِسَبُ الأربعُ بين الكلِّيَّين، فالتقويمُ والتقسيم، فالمعرَّفاتُ، فالقضايا وأحكامُها وما يتعلَّق بها، فالقضايا المعتبَرة في العلوم، ففصلٌ في تحقيق المحصوراتِ الأربع، ففصلٌ في العدولِ والتحصيل، فالقضايا الموجِّهات، ففصلٌ في القضايا الشَرطِيَّة، ففصلٌ في تركيب الشرطيّات، فالتناقُض، فالعكسُ المستوِي، فعكسُ النقيض، فتلازم الشرطيّات، فالقياسُ وأنواعُه، فالخاتمة.
نتجوَّلُ – الآن – بينَ نصوص صفحاتِ هذا الكتاب، لنقتطفَ – في البدء – نصًّا يبيِّنُ فيه معنى (الفِكر): نظمًا ونثرًا، فيقول:
والفِكرُ ترتيـــــــــــــبُ أُمــــــــــــــــورٍ عُلِمَــــــــــــــــــــتْ في الذِهنِ كي تُدرَى أمـــــــــــــــورٌ جُهِلَـــــــــــــتْ
(الفِكر) هو: ترتيبُ أمورٍ معلومةٍ، أي: حاصلةٍ عندَ العقلِ؛ ليُتوصَّلَ – بذلك الترتيب – إلى أمورٍ مجهولة، بمعنى: أنَّ الوَجهَ المطلوبَ منها مجهولٌ، لا أنَّها مجهولةٌ مِن جميع الوجوه؛ لأنَّ طلبَ المجهول المطلقِ مُحالٌ بالضرورة؛ مثالُ ذلك: إذا حاولنا تحصيلَ معرفةِ الإنسانِ، رتَّبنا الأمورَ المعلومةَ لنا، وهي: الحيوان، والناطق؛ بأنْ جعلْناهما بحيثُ يُطلَقُ عليهما اسمُ الواحدِ، بالنسبةِ التقييديَّةِ بينهما، حتى يتأتَّى الذهنُ منه إلى تصوُّرِ الإنسان. وكما إذا حاولنا التصديقَ بحدوثِ العالمِ وَسَّطْنا المتغيِّرَ بينَ طرفَي المطلوب – لأنَّا قد عرَفْنا تغيُّرَ العالَم، وعرَفنا حدوثَ المتغيِّر، وحكَمْنا بأنَّ العالمَ متغيِّرٌ، وأنَّ كلَّ متغيِّرٍ حادِثٌ- فحصلَ لنا التصديقُ بأنَّ العالمَ حادِث…”. [9]
ومن مبحث (التناقُض) نقتبسُ النَصَّ الآتي، الذي يقول فيه: “واعلَم أنَّ الحاجَةَ ماسَّةٌ إلى فَهم النقيضِ في النظر؛ فربَّما لا يدلُّ البرهانُ على شيء، ويدلُّ على إبطال نقيضِه، فيكونُ كأنَّه قد دَلَّ عليه، وربَّما يُوضَعُ في مقدِّماتِ القياس شيءٌ، ولا يُعرَفُ وجهُ دلالتِه، ما لم يُرَدَّ إلى نقيضِه؛ فإذا لم يكنِ النقيضُ معلومًا، لم تحصُلْ هذه الفوائد، وربَّما يُظَنُّ أنَّ ذلك ظاهرٌ، وليس كذلك؛ فإنَّ التساهُلَ فيه مثارُ أغلاطٍ في كثير مِن النظريات…”. [142- 143]
ومن مبحث (القياس) يقول الشارح موضحًا عبارة متنه المنظوم:
حَدُّ القِيـــــــــــــــــاسِ ههُنـا قَـــــــــــــــــولٌ نُظِـــــــــــــــــــمْ مِن خَبرَينِ حيثُمــــــــــــــــــــا سُلْمَـــــــــــــــا لَـــــــــــــزِمْ
عن ذلكَ القـــــــــــــــــولِ لذاتِــــــــــــــــــهِ خَبَـــــــــــــــــــرْ آخرَ مدعــــــــــــــــوٍّ نتيجـــــــــــــــــــةُ النَظَــــــــــــــــــــــــرْ
(القياسُ) – ههنا – أي في اصطلاح أهلِ المعقول: قولٌ مركَّبٌ من خبرَينِ، متى سُلِما لَزِمَ لذاتِه خبرٌ آخرُ يسمَّى: نتيجة، وقُيِّدَ – في المتن بههنا – ليُخرَجَ القياسُ، في اصطلاح الفقهاء؛ فإنَّه التمثيلُ عندَ المناطقة؛ فالقولُ: جِنسٌ يشمَلُ المركَّباتِ التامَّةَ وغيرَها. وقولُه: نُظِمْ مِن خبرَينِ… أي: أُلِّفَ منهما فَصلٌ مُخرِجٌ للمركَّبِ مِن خبرِين، كالمركَّباتِ الغيرِ التامَّةِ، والقضيَّةُ الواحدةُ المستَلزِمَةُ لعكسِها، أو عكسِ نقيضِها، وقوله: حيثُ سُلْما… إشارةٌ إلى أنَّ مقدِّماتِ القياسِ لا يجبُ أن تكونَ صادقةً في نفس الأمر، فيشمَلُ القياسَ الصادقَ المقدماتِ وغيرَه، وقوله: لَزِمْ عن ذلكَ القولِ… مُخرِجٌ للاستقراءِ والتمثيلِ، إذ لا يلزمُ منها العِلمُ بشيءٍ آخر، نعم يحصُلُ بهما الظَنُّ بشيءٍ آخر، وقوله: لذاتِه… أي: لذاتِ القول المركَّبِ من الجزأين؛ بالنظَرِ إلى صورتِه، مع قطع النظرِ عن خصوصيَّةِ المواد، وقطعِ النظرِ عن الواسطةِ؛ فيخرجُ ما يستلزِمُ قولًا آخرَ، بحسب خصوصيَّةِ مادة، كقولنا: لا شيءَ مِن الإنسانِ بحجَرٍ، وكلُّ حجَرٍ جمادٍ…”. [188- 189]
ونقتبسُ من مبحث (الاستقراء) قوله: “فـ(الاستقراءُ): هو الحُجَّةُ التي يُستَدَلُّ فيها على حُكمٍ كُلِّيٍّ، من حُكمِ جُزئيّاتِه، وهذا التعريفُ هو الصحيحُ، الذي لا غُبارَ عليه، وله تعريفاتٌ أُخَرُ تقاربُ هذا، كقولِهم: تصَفُّحُ الجزئياتِ وتتبُّعُها؛ لأثباتِ حُكمٍ كُلِّيٍّ، لكنَّها لا تخلُو من تسامُحٍ؛ لأنَّ نفسَ التتبُّعِ لا يَندرِجُ تحتَ الحُجَّةِ، وإنَّما الحُجَّةُ نتيجتُه، ولا بأسَ بذلك التسامُح”. [236]