شخصيات
عمر عوض باني
كان ذاك ذات يوم، قبل حوالي أربع سنوات، حين فاجأني صديق، مر بي وأنا جالس في مقهى منتظرًا بعض شأني، بنبأ وفاة الأخ الدكتور الفاضل والأكاديمي الخلوق سعيد عبد الله باعنقود.
فما كان مني إلا أن أتوجه إلى بيت أهله، الذي لم يكن يبعد كثيرًا، لتقديم واجب العزاء.
ورغم الألم والحزن الذي اعترى نفسي عند سماعي نبأ الوفاة، غير أن شيئًا من إحساس سرى في النفس خفَّف شيئًا من ذاك الأسى، حين علمت أن سعيدًا – رحمه الله – قد أسلمَ الروح في المدينة المنورة.
فأخذت أقول في قرارة نفسي، وأنا أغادر مجلس العزاء:
ما أعظمه من إكرام! أن يتعفر جسدك بتراب أرض ضم في طياته محمدًا وصحبه، وما أشرفها من رقدة! أن ترقد تحت طبقات أرض حظيت بمسير محمدٍ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام عليها، وما أسعده من مآل!
نشأ الدكتور سعيد نشأة طيبة في بيت علم، مرتبطًا بمسجد الروضة القريب من بيته، الذي تولى أبوه الخطابة فيه لفترة من الزمن.
يقول الأستاذ محمد سعيد مديحج عن أبيه، الشيخ عبد الله سعيد باعنقود، في كتابه: “المدرسة الأم”: وسطى الغيل، والذي كان الشيخ باعنقود قد عمل بها:
(يعتبر من علماء حضرموت المتفهمين في العلوم الدينية، ومن الضالعين في اللغة العربية.
كما كان نشيطًا في تنظيم الروايات، وله السبق في تكوين فرق الإنشاد، إذ كان ذا صوتٍ رخيمٍ جميل).
كما شغل أبوه مساعدًا لناظر مصلحة المعارف، إبان تولي الشيخ عمر باحشوان لها في الخمسينيات.
كنا نؤدي، يومها، إمتحانات شهادة المرحلة المتوسطة في المدرسة الوسطى بالمكلا في الشرج، المعروفة اليوم باسم “سمية”، وكان يشرف على امتحاناتنا أستاذ سوداني منتدبًا لهذه المهمة، إذ كانت الشهادة يومها مرتبطة بنظام الشهادة بالسودان.
فوجئنا في أحد أيام جدول الامتحان، وفي مادة الإملاء، أن دخل علينا قارئًا للإملاء شابٌّ، وكان قد استعان به الأستاذ الســوداني ممليًا لها علينا، وكانت قراءته واضحة متميزة.
لم يكن ذلك الشاب سوى الدكتور سعيد باعنقود، الذي كان يدرس الثانوية، يومها، مبتعثًا في السودان، وكان يقضي إجازته في المكلا.
وتمر الأيام لنحظى بالاقتراب أكثر من الأخ سعيد.
كنا مجموعة، بعضنا يكمل دراسته الجامعية، مثل الأخ سعيد، وبعضنا أكمل الثانوية، ويتهيأ للدراسة الجامعية، وكان من بين أولئك الإخوة الأخ الأديب سعيد محمد دحي – رحمه الله – الذي كان زميل دراسة لكاتب هذه السطور .
كان ذلك في خاتمة الستينيات من القرن المنصرم، وكانت لنا لقاءات وجلسات.
كانت بعض تلك الجلسات في الصباح، في مقهى اسمه “التوفيق”، يقع في الطابق الثاني من عمارة جديدة، تشرُف على البحر من جهة ومقابلة من جهة لبيت باشنفر، المواجه لمسجد عمر، وقد كان قبل بناء العمارة، مقهًى أرضيًا عرف باسم صاحبه “سالمين خييرة”.
كانت ترتاد ذلك المقهى شريحتان: شريحة الصيادين، بعد أن يأتوا من بحرهم، ولهم أحاديثهم الخاصة بهم، وشريحة المتعلّمين، من مدرّسين، وطلاب يواصلون، أو يتهيَّأون لمواصلة دراستهم الجامعية.
كانت جلساتنا تلك مجالًا للنقاش الأخوي وتبادل الحديث، وخاصة فيما كانت تشهده البلاد والوطن العربي من تطوُّرات، وكانت نقاشات تتسم بسلامة الطرح والرؤية ورحابة الصدر والاحترام الأخوي والتقدير والمحبة.
وقد كان الأخ سعيد باعنقود هادئًا في نقاشه متَّـزنًا في رُؤَاه، وقد كانت تلك الجلسات لا تخلو من بعض التعليقات الطريفة.
كما كانت بعض لقاءاتنا تلك تمتد لتستكمل في البيوت، ومن بينها بيت الدكتور سعيد – رحمه الله.
وانطوت تلك الأيام لتباعد بيننا، بعد أن ارتبط عمل الدكتور، محاضرًا بكلية ناصر للعلوم الزراعية وباحثًا علميًا، بعد إنهائه دراسته في العلوم الزراعية، إلا من لقاءات عابرة معه، حين يأتي إلى المكلا، بين وقت وآخر.
وكَمْ أحسنَتْ صُنعًا “جمعية حضرموت العلمية الزراعية” بإصدارها كتابًا تخليديًا تضمن بين دفتيه جهود الدكتور سعيد وعطاءاته وإسهاماته ومآثره، بعنوان:
“شيخ الأكاديميين ورائد البحث العلمي في اليمن”.
أخذتُ أقلِّبُ مطالعًا ما حواه ذلك الكتاب، فإذا بي أمام عطاءٍ وافرٍ وإسهاماتٍ وتأليفات متعددة في المجال العلمي البيئي والزراعي.
وهنا أستعرض شيئًا مما حواه ذلك الكتاب:
* من مواليد مدينة المكلا عام 1945م.
* حصل على البكالوريوس بتقدير عالٍ (علوم زراعية جامعة الخرطوم)، عام 1970م.
* تحصل على الماجستير من جامعة الخرطوم (وقاية نبات حشرات) عام 1974م.
* حاز الدكتوراه في (إدارة مكافحة الآفات الزراعية – حشرات (جامعة ماكجيل – كندا).
تعددت الوظائف العلمية التي شغلها الدكتور سعيد في النطاق الأكاديمي والإسهامات والجهود التي قدمها في نطاق العطاء العلمي.
فقد شغل الدكتور – رحمه الله -:
ولتميزه العلمي امتد عطاؤه واختير ليشغل عددًا من الوظائف والمراكز والمهام العلمية على المستوى الإقليمي، منها:
كما كان للدكتور استشاراته المعتبرة، وإسداء الخبرات في المجال العلمي الزراعي، يمنيًا وعربيًا ودوليًا، والإسهام في تقييم البحوث البيئية والزراعية، وتحكيم البحوث الخاصة بعلوم الحياة والزراعة والبيئة. والإسهام في إنجاز مشاريع كثيرة من قبل المنظمات اليمنية والعربية والدولية.
كما عمل خبيرًا ومسهمًا في عدد من الأنشطة الزراعية والبيئية، منها:
ـ خبير وطني لمشروع مكافحة سوسة النخيل الحمراء في اليمن.
– عضو هيئة تحكيم جائزة “الممكة العربية السعودية للإدارة البيئية”.
ـ ممثل اليمن في اللجنة التنفيذية للماب (محميات الإنسان ومحيطه الحيوي).
ـ عضو تحكيم جوائزرئيس الجمهورية للبحوث العلمية.
ـ كما شغل الدكتور مهامّ إشرافية بمجلات علمية، مثل:
– رئيس تحرير مجلة جامعة عدن للعلوم الطبيعية والتطبيقية.
– عضو هيئة تحرير المجلة العربية لوقاية النبات.
اختير عضوًا في عددٍ من الجمعيات المحلية والأقليمية والدولية، منها:
ـ جمعية علوم الحياة اليمنية.
ـ الجمعية العربية لوقاية النبات.
ـ زمالة الجمعية الملكية لعلوم الحشرات “بريطانيا”.
ـ أكاديمية نيويورك لتقدم العلوم.
كما فاز بعدد من الجوائز والتقديرات العلمية، منها:
ـ درع مكتب وزارة الزراعة.
ـ جائزة البحت العلمي للباحثين المميزين.
ـ تكريم لمرات عدة في يوم العلم.
وفي نطاق الأداء والإشراف الأكاديمي، أشرف الدكتور على أكثر من عشرين رسالة بين ماجستير ودكتوراه.
كما كان للدكتور عدد من المؤلفات والترجمات في المجال لزراعي، منها:
ـ كتاب معجم المصطلحات العلمية المتداولة في علوم وقاية النبات.
ـ الإدارة المتكاملة للآفات الزراعية بالاشتراك مع الدكتور عبد الله ناشر.
ـ ترجمة كتاب: “المؤشرات الحيوية لتأثير المبيدات على البيئة الزراعية تأليف د.إندرياس درور.
كما نشر الدكنور – رحمه الله – في حياته عددًا من الأبحاث في المجلات العلمية العربية والإنجليزية، بعضها بالاشتراك مع آخرين، منها:
ـ تأثير “الأرضة” على بعض الأخشاب المحلية والمستوردة في البناء في جنوب محافظة أبين. (مجلة علوم الحياة اليمني).
ـ المواقع المقترحة لمحميات طبيعية في الجمهورية اليمنية ـ الزراعة والمياه في المناطق الجافة في الوطن العربي.
ـ حياتية ومكافحة حشرة “دوباس” النخيل في بعض المناطق الساحلية في محافظة حضرموت – اليمن: مجلة وقاية النبات العربية.
ـ ترجمة أبحاث عدة عن التاريخ الطبيعي لجزيرتي سقطرى وعبد الكوري لهنري، أو فوربس.
كان للدكتور أبحاثة ودراساته العلمية في المجال الزراعي التي قدمها في الموتمرات والندوات والورش العلمية، منها:
ـ التنوع الحيوي للأعداء الطبيعية التي يمكن استخدامها في الإدارة المتكاملة لبعض الآفات الزراعية في اليمن “الفعاليات العلمية الثقافية اليمنية في رحاب الجامعات السعودية (جامعة الملك عبد العزيز) 2008م.
ـ التقانات المستخدمة في مكافحة آفات النخيل والوسائل المتبعة لرصد واستكشاف وجود سوسة النخيل الحمراء، ندوة استخدام التقانات الحديثة في تطوير انتاجية النخيل في الوطن العربي (العين – الإمارات).2000م.
ـ المواقع المقترحة للتراث العالمي الطبيعي في اليمن “ورشة العمل التدريبية لبناء القدرات في مجال تطبيق التراث العالمي ( القاهرة 1999م).
لقد كانت حياة الدكتور سعيد – رحمه الله ـ حياة حافلة بالعطاء، وجهودًا وأبحاثًا ودراسات، وإشرافًا وإسهامات ومشاركات في المجال العلمي الزراعي والبيئي.
إننا لم نورد من عطار الدكنور سعيد إلا اليسير، ومن أراد الاستزادة فيمكنه الرجوع إلى كتاب: (شيخ الأكاديميين ورائد البحث العلمي في اليمن) الذي أصدرته “جمعية حضرموت العلمية الزراعية” تخليدًا له ولجهوده وعطائه العلمي.
في إثر ورود الأنباء عن وفاة الدكتور سعيد – رحمه الله – يوم السبت التاسع والعشرين من فبراير 2020م أخذت رسائل وبيانات العزاء تتوالى من الجهات الرسمية والإدارية والأكاديمية، في جامعتي عدن وحضرموت، مشيدة بعظيم مناقبه وجليل صفاته وسمو خلقه، وحافلة بالحديث عن عطاءاته وجهوده.
وهذا بعض مما تضمنته تلك الرسائل وبيانات العزاء عن مناقب الفقيد وجميل صفاته وجليل عطائه العلمي، كما وردت في كناب ” شيخ الأكاديميين”:
– لقد كان الدكتور باعنقود قدوة تضيء للأجيال دروب الطريق، وتنهل منه الشيء العظيم. عاش عظيمًا كريمًا بسيطًا متواضعًا بشوشًا خدومًا، محبًا لكل من هم حوله، يلبي نداء طلابه وزملائه ووطنه، في أي وقت وظرف.
– لقد كان تبادل الحديث معه، في الهم الأكاديمي وما يتعلق بجمعية الحياة اليمنية، يتمنى المرء أن يطول، لأنك في كل مرة تجد دائماً ما تتعلمه منه.
– لقد كان د. سعيد – رحمه الله – معروفًا بكل خلق حسن، من تواضع جميل وابتسامة لا تفارق محيَّاه، وتمسك صارم بالعدالة في كل مواقفه وآرائه.
وتعددت مناقب الدكتور سعيد ـ رحمه الله ـ التي رواها من عاشروه وعملوا معه، كما تعددت صور الأداء والعطاء الأكاديمي ومعاني الإخلاص والتميز الذي شهد له بها من عايشه وزامله ونهل من علمه، وما قدمه الدكتور في حياته لوطنه ومجتمعه والأجيال التي تربت على يديه.
وقد وصفه الرئيس الأسبق علي ناصر محمد، في برقية العزاء التي بعث بها عند وفاته قائلًا:
“لقد فقد كل أبناء الوطن بوفاته ابنًا بارًّا بالوطن، وعالمًا جليلًا، انتفعت أجيال عديدة بعلمه”.
كان آخر لقاء لكاتب هذه السطور بالدكتور سعيد قبل أشهر من وفاته حين جاء – رحمه الله – في زيارة لأهله في المكلا، وذاك حين التقاه في صلاة مغرب بمسجد الروضة.
رحم الله أخانا الدكتور سعيدًا وجازاه عن وطنه والأجيال التي تتلمذت عليه ونهلت من عطائه وعلمه خير الجزاء.
ونختم موضوعنا عن الدكتور- رحمه الله – بأبيات من قصيدة، رثاه بها الدكتورعبد الباسط الغرابي، الذي درس على يد الدكتور، وشاركه في بعض الجهود العلمية.
قال منوِّهًا بما أنعم الله به على الدكتور سعيد، حين قدر له مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتختتم بها حياته، ليدفن في تربةٍ، شرفها الله بأن ضمَّت محمَّدًا وصحبه:
أبا عبد الله دعاك الله في خيرالدير
في وسط طيبة عند سيد الخلق في أفضل ديار
أرض النبي المختار نور الحق منها انتشر
من شرقها لاغربها في الأرض عم الانتشار
يهناك ذا التكريم باذن الله قد نلت الوطر
يهناك حسن الخاتمة فيها يقع نيل الوطار
رحم الله الدكتور سعيدًا رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته