نقد
أ.د. أحمد سعيد عبيدون
(1)
عمر سالم بن هشلان، اسم مميز بالصبر والحركة والأمل، منذ أن كان طالبًا في الكلية، وهو يتجاوز نفسه بهدوء وصبر، وأمل مشتعل لا يلبث طويلًا حتّى يهل بالمطر، وه اهو يتخرج مثمرًا وهو ينال المركز الأول، ويتجاوز إلى مستوى الماجستير بصبر وأمل، فيكتب رسالة مميزة في نحو القرآن الكريم، ينال بها المركز الأول كذلك، والآن وهو يدرج إلى مساق الدكتوراه نرجو له التوفيق والتميز وحيازة المركز الأول كذلك. واليوم تواكب كتاباته النثرية في النقد والتحليل، كتاباته في الشعر، وهو يعتزم نشر ديوانه الأول (عبق الحروف)، بعد أن فاز بجائزة تليق به.
والنظر الأول في الديوان يكشف لنا عن هذه الطبيعة الإبداعية التي تميزه وتنتقل معه من بطن الشاعر إلى بطن الكلمات القصائد والنصوص، وتتجاوز السائد والمألوف إلى التميز بالصبر والحركة والأمل في اجتيازات ومجازات مبدعة؛ فالعناوين تحمل في بنيتها هذه السمات الإبداعية، فهو يعطي للكلمات سمات جديدة حين تتركب، تتجاوز بها اعتياديتها إلى أن يكون لها لون وطعم ورائحة، وهو ما نراه في عنوان ديوانه الذي فاح منه عطر زكي، وانتشرت منه رائحة طيبة (عبق الحروف).
والنظر في عناوين القصائد يكشف عن هذا الطموح الفني، والتجاوز الإبداعي، والرغبة في خلق الجديد: (تحدٍّ/ ظمأ الحروف/ الشعلة الوقادة/ رياح العزم/ سنابل القيود/ شاطئ من أمل/ زهر النار/ شهوة الإحراق/ جرار الحنين/ وحي من النور/ سبع من سنبلات الشعر/ الإباء الراعف/ غيم الشوق/ وطن من عناء/ وطن من سراب).
فالأمل نجده في (الشعلة، والعزم، والزهر، والغيم، والشوق)
والحركة نجدها في (التحدي، والرياح، والإباء)
والصبر نجده في عناوين بديعة التركيب، مثل (سنابل القيود)، التي توحي بأن الصبر ينتج سنابل، في تناص جميل مع قصة نبي الله يوسف وسجنه، وحلمه ورؤيته التي كان تفسيرها يقود فعله في الواقع من الصبر والتدبير حتّى تجاوز السبع العجاف، أو مع تلك السنابل السبع من الأجر والثواب الكثير جزاء الصبر على الإنفاق في سبيل الله، في كل سنبلةٍ مائة حبة.
وفي العنوان: سبع سنبلات من الشعر: في كل سنبلةٍ مائة دلالة ودلالة.
حتى العناء والسراب في العنوانين الأخيرين إنما يذْكران هنا للمواجهة، ومن أجل التجاوز والعبور منهما إلى الفرح والأمل:
فالوطن الذي من عناء يحمل كثيرًا من الصبر والألم، ولكنه صبر يؤدي إلى النصر، ووجع مظلم يؤدي إلى النهار:
سيظل يسكب في الجرار تصبرا
وعليه من وجع القلوب نواح
سيظل يحفر في الحنين لكي يرى
نصرًا عليه من النهار وشاح
والوطن الذي هو من سراب تلاحقه الأسئلة التي ترجو منه العبور من الجذر إلى الغصن، ومن الهم والهزيمة إلى النصر، ومن الفراغ إلى الإثمار، كما تعبر سفينة الحزن إلى بر الفرح:
متى سنلقاك غصنا
في تربة النصر تثمر
متى سنلقاك أمّا
تهفو علينا وتصبر
سفينة الحزن تعدو
في لجّة الحزن تعبر
فمجدنا سوف يأتي
من كل فج ومعبر
وهذه المعاني موجودة في الديوان بأشكال فنية مختلفة، يمكن أن نأخذ مثالًا عليها الأبيات الآتية التي تجعل من الصبر والاحتساب واليقين صخورًا تحطم كتل الآلام والأحزان، فتتطاير الشظايا نباتًا من الحروف طيب الرائحة، ويبدو الأمل في هذا السحاب الذي تبزغ منه البروق وهي تذيب الأحزان، وفي هذه المآسي التي تنضج ثمار المجد، وفي هذا الفجر الذي يولد جنينًا من رحم الليالي السود، في صعود نحو المعالي السامقة، والأماني الكبار:
بصبري واحتسابي واليقين
أحطم كتلة الألم الدفين
وأزرع من شظاياها حروفا
معتقة بريح الياسمين
وأبصر في سحاب الآه برقا
يذيب الحزن يلمع بالحنين
ثمار المجد تنضجه المآسي
ويشرب برعما غصص الأنين
ومن رحم الليالي السود فجر
له طور كأطوار الجنين
وفي الأخير أرجو من القارئ الكريم أن يمسك طرف هذا الخيط ليمضي مع تعرجاته وتشكيلاته في نسيج هذا الديوان المليء بالمتعة والجمال.
(2)
ما زال محمد خميس بالراشد يحاول العزف على الحروف كما عرفته في سنوات الكلية، والدندنة على الكلمات، مازجًا ذلك بزخم من الوجد والعشق للحبيبة والناس والحياة، حتّى تفاعل الحرف في لغته مع الوجد في قلبه، فطامن كل منهما من نزق الآخر إلى أن استوى الإيقاع قصيدة بديعة، امتلأت أرجاؤها بالنغم والجمال في ديوانه الأول (حرف ووجد).
والنظر الأول في عناوين القصائد ينبئُ عن المساحة الشاسعة لهذا الوجد في أرجاء منفتحة من الحروف والكلمات والصيغ والتراكيب التي حملت هذا الوجد نحو أمداء واسعة في المحبوبة والناس والحياة، والغالب على طريقته في العنونة أنها تأتي على طريقتين بارزتين: الأولى: طريقة النكرة المفتوحة، التي تجعل من فكرتها حدثًا مشوِّقًا جديدًا، يجعل القارئ ينجذب إلى هذه النكرة غير المعروفة، فيتعرف عليها ويكتشف عالمها الشعري المثير. وهي مرتبطة لغويًا بالوجد من جهة، والعلاقة بالمحبوبة من جهة أخرى. مثل:
حضرمية/ فاتنة/ متعبة/، أو في عنوان بديع مثل هذه النكرة الدرة الموصوفة بأنها من غصن البحر: درة من غصن البحر.
غير أن القيم اللغوية السلبية تطغى وتزيد كما في الأمثلة:
أسف/ داء/ وداع/ عتاب/ ألم/ نداء/ اعتراف/ لقاء/ تردد/ حنين/ انكسار/ رحيل/ إشارة/ ذكريات.
أما الطريقة الثانية فهي طريقة الإضافة التي تحاول فيها اللغة أن تباعد في الدلالة بين المضاف والمضاف إليه لتخلق مساحة من الفضاء الدلالي، تستفيد فيه اللغة من الإيحاء الاستعاري في خلق تراكيب ذات أبعاد دلالية جديدة، هناك بعد يذهب نحو الحبيبة في تأكيد على دلالة سلبية يعيشها المحب مثل:
طوفان دمع/ غربة وفاء/ قافلة حزن/ نداء الصمت/ دموع الشوق/ ورق الخريف/ لغة الخطر/ شموع الفقد/ غربة البوح.
وهناك تراكيب أخرى تنفتح نحو الأمل، مثل:
ميلاد قلب/ إشراقة وجد/ سحابة أمل/ فيض التباشير/ جيل الفجر/ كرم التفاني/ صفحة العزم/ حنين الغمام/ ماء القرب/ زمن الطفولة.
هذا العالم المتكون من سعة الحروف وامتداد الوجد نجده في الديوان على شكلين عروضيين من أشكال القصيدة: الشكل العمودي البيتي، والشكل التفعيلي الممزوج بكثير من النغم، وبالقوافي.
ففي الشكل الأول وفي قصيدة (حرف ووجد) نقرأ عشقًا غزليًا عذريًا، يطوِّع فيه الحرف هذا العشق، كما يطوع فيه العشق هذا الحرف، فيمتزج فيه الألم بالرغبة، فيكتب لنا الحرف وجدًا عذريًا رقيقًا، ثم يكون أيكة ضخمة، لها ظل كبير يظل تحته العاشق منتظرًا، يشكو البعد والفراق، الذي يظل يذبحه بسكينه ويقسمه إلى أوصال.
ويبقى المحب يعاني الألم وظلم الحبيب منتهيًا إلى الحزن والمرض، الذي يحتاج معه إلى الزيارة والتطبيب، تمامًا كما يفعل الشعراء العذريون:
الوجد لا تسأليني كيف أيكته
فإنني تحت ظل الأيكة الباقي
أشكو نواك الذي يبري بمديته
أوصال جسمي ويضوي ليل إخفاقي
بحق حسنك يا من في الفؤاد لها
حدائق ترتوي من سيل آماقي
من ذا الذي نال خظا من تفرقنا
ولم قبل يوم البين إطلاقي
أنا الأسير لطرف الريم من زمن
قضى قضاة الهوى يوما بإغراقي
فما عليك إذا ما زرتِ مطّرحا
على بساط الأسى لم يرقه الراقي
وفي الشكل الثاني التفعيلي يواجه المحب وجدًا مبعثرًا، لا يمكن الاعتماد عليه، فهو يضطر إلى الوقوف في الوسط بين الاستمرار في التعلق ومواجهة الحقيقة، فيظل ينادي ولا يجد من يلبّي نداءه، فيعود منكسر الخطى، لا يجد غير الفراغ والغياب:
نبتت على مهل خواطره الجريحة
فوق قافية النحيب
هل يقطف الوجد المبعثر؟
أم يطل على الحقيقة بالحقيقة للحبيب
وطغى النداء ولا مجيب
هل عاد منكسر الخطى
ترميه كالأحقاد أوهام مكدسة بقارعة الرقيب
ما عاد ترمقه النجوم بلحظها
والبدر يومئ بالأفول إلى فلاة للنصيب
عيناه موحشتان يسكنها الغياب فهل يطيب؟
وأختم هذه الكلمات بهذه الأبيات التي يبدو فيها المحب طفلًا بكل براءته وفطرته، وقدرته الداخلية على رؤية الأشياء والاندماج معها والتوحد بروحها وجمالها في استعارات وتراكيب وإشارات إلى فقد وغياب، لكنه فقد يضيء، وغياب ينير دواخله ويجعله يحتوي الأشياء، كاشفًا عن وجد عذري أخضر، لكنه ما يزال يحتاج إلى غمامة تسقيه، وبسمة تنير له الطريق وهو يسافر على أجنحة الحنين مبكرًا كأنه عصفور الفجر، مغلفًا بقلقه وانتظاره حاملًا صرخته التي ظلت محبوسة في صدره وهو يتأرجح بين المجيء والرواح:
طفل أنا ألهو بكل مشاعري
لعبي الصغيرة صمتها مجروح
تأوي إلي وقد كسوت جمالها
بوحا له في العالمين وضوح
ما زلت أبحث عن غمامة بسمة
في المحزنين وفي الدموع شروح
نبضي يسافر بالحنين كأنه
عصفور فجر يعتليه طموح
أهذي أمام الظل حين يضمني
قلق أجيء بصرختي وأروح
وتبقى في فم القارئ هذه البحة الحزينة التي يحملها صوت الحاء
في القوافي تضيف للقصيدة طعما مميزا ونكهة لا تغيب.