مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

صادق يكشف السر المكنون عن إنجرامز ملك حضرموت غير المتوج

قراءات

عوض سالم ربيع

جهد بحثي باذخ، تكسرت فيه النصال على النصال عن هارولد إنجرامز، ملك حضرموت غير المتوَّج، للدكتور صادق بن عمر مكنون، وهو مشروع بحثي لأطروحة دكتوراه، تقدم به الرجل إلى الجامعة الوطنية الماليزية، يقع في 542  صفحة من القطع المتوسط، إصدار دار تريم للدراسات، والكتاب يَشِي بجهد رجل بحثي من الطراز النادر، هو ذلك المكنون، الذي كشف لنا عن خفايا الفتى إنجرامز، حين كان والده  شماسًا في إحدى الكنائس، فهو إذن ذو نزعة دينية خالصة، وهي التي ألقت بظلالها على مسبحته وسجَّادته مُتَّجِهًا بهما إلى القبلة كما رآه الشيخ عبدالله بن أحمد الناخبي، الذي كان على صلة وثيقة بهذا الأوروبي البريطاني، حتَّى ظنَّه كثيرٌ من الحضارم أنَّه مسلمٌ فقد اعتمر بالعقال الحضرمي، وتطبَّع بطبائع الحضارم، ووجد في السيد أبي بكر بن شيخ الكاف الثريّ، الذي أوقف أمواله لسلام حضرموت، ولتعبيد طرقها، فكانت أنْ جمعت الرجلين وشائج صداقة حميمية …أمَّا زوجه دورين فهي لا تقل ألمعية عن بعلها، وهذا شيخي يتحدث بست لغات بطلاقة فربة البيت الحضرمي دورينية حصيفة؛ إذ جمعت بين طبقتَيْن من نساء السلاطين ومدارس الفتيات وتعليم المكفوفين .كلا الزوجَيْنِ (إنجرامز ودورين) تغلغلا ولم يلغلغا كعادتنا نحن الحضارم، بل خاضا كل مخاض في مجتمع حضرمي تنازعته القبائل والأهواء هذا من شيعته وهذا من عدوه، فجاءت معاهدة السلام الإنجرامزية في ثلاثينيات القرن الفارط لتضع حدًّا لذلك التنازع بمعاهدة صداقة أولًا مع القعطة 1882 ثم لعلَّ الحماية البريطانية كانت قاصمة الظَّهْرِ لحضرموت عام 1888 إذ أضحت حضرموت خطامها خوصه في يد البريطانيين، فلا تستطيع حضرموت أن تلتف يمنةً أو يسرةً إلا بإشارة أصبع من بريطانيا، وكان السادن هو إنجرامز، الفتى الذي أصيب بشظية بلجيكية في ساقه فعرج بها، ولم يزل يعرج حتى في حضرموت، وزوجه دورين الفنانة الإسكتدلندية المدلَّلة، كادت هي الأخرى أن تسقط من هودجها في رحلة طويلة شاقة عبر جمال الصحراء، استغرقت 500 ميلًا، هي الأخرى  قد أسهمت في صياغة تقرير معاهدة السلام مع بعلها إنجرامز، فحاز الاثنان على أوسمة بريطانية رفيعة.

إنجرامز أشبعه الباحثون بحثًا، لكنَّ بحثًا كبحث صادق مكنون بحثٌ طرازُه آخرُ، وشكل مُغَايِر.. لقاءات مع مجتمعات دولية ..عربية.. محلية.. دبَّج مقدّمته عبدالعزيز بن صالح القعيطي.. وليلى الاسم العربي والابنة البريطانية لإنجرامز ..كيف استطاع صادق أن يجمع الشتيتين حتى ظنَّا أن يتفرقا ..كيف أتعب قلبه وأسهر عينه في بحث طال مداه إلى 542 صفحه ..ألمْ يَضِنَّه هذا البحث الباذخ الشاق وهو يركض بخيله ورِجْلِهِ من بلاد إلى بلاد سبيلًا لمعرفة هذا الملك غير المتوَّج ..الذي كان قاب قوسين أو أدنى بأن يكون حضرميًا خالصًا .فهل هذا هو فن الاستشراق؟ لعلَّه كذلك لأن الاستشراق استكشافٌ ..عرف الأوروبيون كيف يشتغلون العرب من تحتهم، وقد أمدَّهم ابن خلدون بإيماض في مقدمته الشهيرة بأن العرب أُمَّةُ الكراسي والعروش، ولعله كان محقًا في ذلك ..هل نقول الآن ألا يا عَينُ كُفِّي تناسي ما مضى ..دموع حضرموت غالية ..مسحَها ذاتَ نهارٍ إنجرامز بمعاهدة سلام ..وإن كان إنجليزيًا صِرْفًا..