أضواء
عبد الله بن أحمد قنيوري
كانَ يُطلَقُ على وادي دوعن قديمًا وادي الفقهاء؛ وذلك لوفرة الجهابذة من العلماء الأجلَّاءِ الذين استوطنوه وبلغتْ شهرتهم الآفاق، ووفدت إليهم أفواج الطلاب من كلّ حدب وصوب، فكانت دوعن منارة علمية، واشتهرت فيها في القرنين الهجريين المنصرمين عدد من الزوايا والأربطة والمدارس العلمية، واقتضى أن يُنشِئ العلماء والفقهاء مكتبات تحوي نفائس الكتب، وكان غالب تلك المكتبات خاصة في البيوت، ومن أشهرها مكتبة البار، والعطاس، وباسودان، وباحنان.
وقد أحصى الباحث والمؤرخ جعفر السقاف في ستينيات القرن العشرين خلال زيارته للوادي عددًا من تلك المكتبات، التي يحتوي بعضها على مخطوطاتٍ نفيسة صنَّفها علماء دوعن، ويمكن فيما يأتي أن نقدّم سردًا لها مع أن غالبها قد أصبح في ذاكرة النسيان، ولم يبقَ منها أيُّ أثرٍ، وهي كالآتي:
وبعد ثورة 1963م وبالتحديد في سبعينيَّات القرن المنصرم قامتْ لجنةُ مسح المخطوطات والتراث بزيارة الوادي بتكليف من وزارة الثقافة والسياحة بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبيَّة آنذاك، وذلك بتاريخ 27/11/1974م. واتصلتْ بشخصيَّات علميّة واجتماعيَّة لتسهيل مهامها، وقد أفادتْ في تقريرها أنَّ أهمَّ المكتبات الخاصة التي تمَّ حصرها وجردها كمايأتي:
القائم عليها مصطفى سالم الحبشي وبها مخطوطاتٍ قيمة، وقامت اللجنة بالمسح الشامل، والجرد الكامل للكتب والمخطوطات بالمسجد والبيت، وكان مجموع المخطوطات بالمكتبة (106) مخطوطات، ويوجد في المسجد (83) مخطوطًا.
وقد قامت اللجنة بعد التواصل مع القائمين على المكتبة من السادة آل البار بجرد المكتبة، وتدوين عناوين الكتب والمخطوطات بها، وبعد المسح والجرد تبيّن أنَّ المكتبة تحتوي على (382) مخطوطًا ذات قيمة علميَّة عالية. وبذلك تعدُّ مكتبة آل البار بالقرين من أغنى مكتبات الوادي وأعظمها، من حيث عدد الكتب والمخطوطات، ومن حيث قيمة ما بها من تراث علمي.
وقد اجتمعت اللجنة بعدد من الشخصيات، واطَّلعت على ما لديهم من تراثٍ مخطوط، فقابلت في بضة السيد عبود بن أحمد خرد، وفي قرية رحاب عبدالله بن أحمد باقيس مدير مدرسة رحاب، وفي القويرة قابلت حسن بن حامد المحضار واطلعت على ما لديه من مخطوطات، وفي الخريبة اتصلت بحامد بن عبدالهادي الجيلاني فأطلعهم على ما لديه من مخطوطات، كما أرشدهم محمد بن سالم باسودان إلى ما بقي من تراث العلامة عبدالله باسودان، وفي رباط باعشن قابلت عمر بن محسن العطاس واطَّلعت على ما لديه من مخطوطات. وواصلت اللجنة رحلتها إلى قرحة باحميش لعلها تظفر بتراث العلامة علي باصبرين، إلا أنَّ ضياع كتب الشيخ، وعدم الاحتفاظ بها من قبل ورثته جعلهم يعودون باتجاه وادي ليسر حيث زارت اللجنة تولبة ثم حوفة حيث استقبلهم الشيخ عبدالله الشاعر وأطلعهم على ما لديه من مخطوطات للعالِـمَين بافضل وباجمال. واختتمت اللجنة زيارتها في منطقتي صيف وقيدون ولكن حال دون حصولهم على ما يؤملون به ضياع غالب المخطوطات.
إنَّ هذه الجهود التي حاولت حصر تراث الوادي العلمي وتدوينه تدلُّ على وفرة المكتبات الخاصة في بيوتِ بعضِ الأسرِ، وخلفَ عتباتِ كثيرٍ من المساجدِ العتيقة. ولو اتجهت أنظار الباحثين إلى التنقيب في هذه الأماكن، لظفروا بدررٍ غاليةٍ من المخطوطاتِ؛ إذ إنَّ كثيرًا من المخطوطات قد أصابها التلف بسببِ تأثرِ المواد التي تدخل في تكوينها بالتحلل، نتيجة الرطوبة أو الحرارة.
أمَّا المكتبات العامة فكانت نادرة، ومع ذلك فقد حاول بعض الأفذاذ من المثقفين إنشاء مكتبات عامة في بعض البلدات؛ ومنها (المكتبة العلمية بمدرسة الفلاح الأهلية). التي تأسست في 26 جمادى الأولى 1371ه، في زمن كان فيه شغف العلم يزدهر في دوعن، وكانت الحاجة ماسة لمكتبات عامة تتسع لجميع أفراد المجتمع، ولم تقتصر المكتبة على نخبة معينة، بل فتحت أبوابها للجميع. كان لتأسيس هذه المكتبة دور كبير في توفير فضاء علمي وثقافي كان من الضروري في تلك الحقبة في بلدة من بلدات وادي دوعن.
وقد وضعت مكتبة الفلاح منذ نشأتها نظامًا أساسيًا محكمًا ينظّم سير العمل فيها، ويحدد مهام الإدارة وحقوق المتردّدين عليها. كان النظام يأخذ بعين الاعتبار أهمية توفير بيئة تنظيمية، تشجع على الاستفادة القصوى من الموارد المعرفية المتاحة. فتم تحديد مواعيد الإعارة، ووضع نظام يُسهّل للطلاب والمثقفين الوصول إلى الكتب والمراجع العلمية التي يحتاجونها في دراستهم في مدرسة الفلاح والأربطة والزوايا العلمية المنتشرة في دوعن.
حرصت إدارة المكتبة والمشرفون عليها وعلى رأسهم الإمام المؤرخ محمد بن علي بن زاكن باحنان على توفير أمهات الكتب في شتى العلوم والمعارف، التي تعكس ثراء الثقافة العربية والإسلامية وعمقهما. فالمكتبة لم تكن مجرَّد مكانٍ لحفظ الكتب، بل كانت منصَّةً فكريةً يستنير منها طلاب العلم، وتفتح لهم أبوابًا جديدة من الإلهام من أجل الاطلاع على أفق واسع من المعرفة.
لكن الأثر الأكبر لمكتبة الفلاح يكمن في الدور الذي أدَّتْهُ في الحياة الثقافية والاجتماعية في بلدة صيف بوادي دوعن. فقد مثَّلت مكتبة الفلاح مركزَ إشعاع فكري، حيث كان يتنفس الطلاب والمثقفون بين جدرانها عبق التراث، وبالرغم من أنها تأسست في وقت كانت المكتبات العامة نادرة، غير أنها نجحت في الحفاظ على إرثها الثقافي والعلمي، لتظل شاهدة على عراقة تاريخ وادي دوعن. إنها ليست مجرَّد مكتبةٍ، بل هي رمز لإصرار أهل دوعن على العلم والتعلم، وللحرص المستمر على نشر المعرفة في مجتمعهم، جيلًا بعد جيل.
وقد وُضع للمكتبة نظام أساسي ينبئ عن عقلية متفتحة واعية بآليات إدارة المكتبات العامة. وقد تضمن النظام الأساسي تحديد زمن إنشاء المكتبة ومكانها ونظام الإعارة، وكان للمكتبة مديرٌ ومجلسُ أمناء. وفيما يأتي: نص النظام الأساسي بحسب مخطوط الوثيقة التي عثرنا عليها:
النظام الأساسي:
المادة الأولى (أ) تأسيس مكتبة علمية يُطلق عليها اسم (المكتبة العلمية بمدرسة الفلاح الأهلية).
“(ب) غرضها” نشر الثقافة في ربوع البلاد ومكافحة الجهل.
(ج) مقرُّها “مقرها الدائم مدرسة الفلاح الأهلية “بصيف “
(د) تحجز غرفة من غرف المدرسة لهذا الغرض.
(ه) يعدُّ بالمكتبة سجلَّان :أحدهما يُدوَّن فيه الكتب الموجودة في المكتبة، والكتب الواردة إليها وجهة واسم الشخص المهدي أو الموقف عليها والثاني يُدوَّن فيه الكتب الخارجة من المكتبة واسم الشخص طالب الكتاب وشهرته واسم البلدة المقيم فيها ونوع التأمين وتاريخ استلام الكتاب وتاريخ العودة.
((المادة الثانية((
(ج) يُسمح بالدخول إلى غرفة المكتبة مجانًا لكل من أراد المطالعة سواء أكان من سكان البلاد أو خارجه ويشترط في الـمُطالِع أن يكون مُلِمَّاً بالقراءة.
(د) تظلُّ أبواب المكتبة مفتوحة مدة وجود الإدارة في المدرسة.
((المادة الثالثة))
أ) يسمح لأساتذة المدرسة استصحاب خمسة كتب على الأكثر من المكتبة إلى منزله مقابل تعهد تحريري يحفظ لدى مدير المكتبة، وبعد الفراغ من مطالعة الكتب عليه إعادتها إلى غرفة المكتبة في مدة لا تزيد عن شهرين، وسحب تعهده من المدير.
(ب) يُسمح بخروج كتاب واحد من المكتبة لأي فرد من سُكان البلاد للاستفادة منه، ولايسمح بخروج أكثر من ذلك لأي شخص مهما كانت صفته؛ باستثناء الأساتذة المنصوص عليهم في الفقرة (أ) من هذه المادة، ويُؤخذ من طالب الکتاب تعهد تحریري مُذيَّل بتوقيعه، ويُشترط أن لايبقى الکتاب لديه أکثر من شهر واحد. وإذا تأخر عن ذلك على مدير المكتبة مطالبته.
(ب) إذا رغب شخص في كتاب من المكتبة للاستفادة منه وهو غير قاطن في البلاد، وقصد استصحابه معه خارج البلاد عليه أن يتقدم بطلب شفهي وتحريري إلى مدير المكتبة، وعلى مدير المكتبة أن يُبلغ أمناء الهيئة بذلك لأخذ موافقتهم عليه، ومتی حاز الطلب موافقة مدير المكتبة والأمناء على طالب الكتاب أن يضع قيمة الكتاب مضاعفًا كـ(تأمين) لدى مدير المكتبة مقابل إيصال موقع منه ومصدَّق عليه من الأمناء، وعلى شرط أن لا يبقى الكتاب لديه أكثر من شهر واحد.
))المادة الرابعة)(، التعهدات
صيف، تحريرًا في يوم الجمعة المبارك الموافق 26 جمادي الأولى 1371 ألف وثلاثمائة وواحد وسبعين.
أمناء الهيئة:
عمر بن سعيد البحري بادغيش
سعيد بن عمر بامعروف
أحمد بن محمد حصريم
الشيخ عبدالرحمن بن أحمد بن حسين العمودي
مدير المكتبة محمد بن علي بن زاكن باحنان.