شخصيات
شكري نصر مرسال
في عام ثلاثة وستين ميلادية، ونتيجة لقرار سياسي لحزب البعث، يعود علي عقيل بن يحيى إلى بلده حضرموت، تاركًا الكويت رغم نفحات الحياة الكريمة التي التحفتها العائلة هناك. يعود بمعية عقيلته الفاضلة فطم العيدروس وابنه الأستاذ عباس، إضافة إلى ابنتيهما الطفلتين في تلك الأيام، الدكتورة عزة والدكتورة ليلى.
ففي عودة السيدة فطم العيدروس إلى حضرموت مع عائلتها، بعد هجرة حياتية طويلة قضتها في رحاب دولة الكويت، امتدت لأعوام عدَّة، سعدت الأسرتان (العقيلية والعيدروسية) بهذا اللقاء، وهنأت القلوب بجيرة قربهما على ضفاف العودة، واطمأنت الأرواح، ومجددًا تم لهم لم الشمل مع الأهل والأقارب.
وخلال رحلة العودة إلى الديار الحضرمية، في مطلع الستينيات من القرن الماضي والتي لم تدم طويلًا، تقلد المفكر الأديب علي عقيل بن يحيى مهمة قيادة مدرسة النهضة الأهلية، مديرًا لها بمدينة سيئون. ومثلها أيضًا، على مسافة قريبة من تلك الأيام، عُيّنت الأستاذة فطم العيدروس معلمة في أول مدرسة ابتدائية حكومية أنشئت للبنات في مدينة سيئون، حيث ظلت الأستاذة فطم تباشر فنون العملية التربوية والتعليمية كرائدة تربوية فاضلة، ومعلمة قديرة ومتفوقة بمقاييس مستوى أساليبها التعليمية المتقدمة.
مضت التربوية فطم بن علوي العيدروس متفردة ظاهريًا ومبدعة مخلصة لمهنة التعليم، تقضي جل أوقات مساءاتها من كل ليلة مجتهدة في أعمال تشكيل الرسوم التوضيحية التي تعمل بيسر على ترشيد المادة التدريسية لطالباتها، إسهامًا جادًا منها، سعت خلاله بمسؤولية للمشاركة في رفع مستوى الجودة التعليمية ضمن منظومة تربوية متكاملة، تاركة خلفها بصمة بارزة وذكرى جميلة مثلت إضافة تربوية وتعليمية لمدرستها الوليدة في تلك الأيام. ما جعل هذه المعلمة النبيلة محط إعجاب كبير، سوى كان ممن تتلمذن على يدها من طالباتها أو من جانب طاقم المعلمات اللواتي أحببنها كثيرًا بمزيد من التقدير والعرفان.
غير أن هذه السيدة الكريمة لم تتمكن من أن تزيد في استقرار مساحة سنوات رصيدها التربوي والتعليمي في تلك المرحلة المهمة من تاريخ حضرموت. وكأن الأمر قد قُدّر لها ولعائلتها وخُط لهما في لوحهما المكتوب أن يصاحبهما في محطاتهما الحياتية بعض من عدم الاستقرار، لطالما كانت مسألة النضال السياسي التحرري في تلك الحقبة التاريخية تأتي ضمن أصول وطنية وأولويات أخلاقية مهمة في حياة علي عقيل؛ إذ ظل الرجل يحمل أثقالها، ودم يجري في شريانه الوطني مجرى السلوك المناهض لسياسة الأجنبي. بات مستمرًّا في تواصل ينادي بذلك المسار الوطني، بدءًا بمزاولة الرجل للكثير من الأنشطة السياسية بصورة متواصلة في مرحلة ما بعد العودة من الكويت إلى حضرموت. ما دعاه للسير من خلال حراك سياسي وطني تحرري صرف عليه من وقته وصحته الكثير وصولًا به إلى مسألة الإعداد والتحضير للذهاب إلى إقامة مؤتمر (البدع)، الذي مُنع مسبقًا أن يقيمه في مدينة تريم. ومثلها محاولًا إقامته في منطقتي (دمون والمسيلة)، فتكالبت عليه أدوات الرفض، فمني بالوعيد والنذير. فغدتْ جميع تلك المحاولات بالفشل والتعطيل. وظل على هذا النحو إلى أن أقام مؤتمر البدع ونفَّذه الأستاذ علي عقيل في منطقة البدع الواقعة خارج سيئون بمنطقة نائية خربة؛ إذ تمكن في هذا المؤتمر من حشد الكثير من القوى الوطنية على الساحة الحضرمية.
وكما هو معروف، أن الدعوة للمؤتمر برزت كرد فعل طبيعي من المناضل علي عقيل بن يحيى، الشخصية السياسية والوطنية المطلعة، والمتابعة في حينها لمخططات برامج الأجندة البريطانية المرتبطة بمستقبل حضرموت والمنطقة. فقد أصدر مؤتمر البدع بيانًا سياسيًا رصينًا جاء احتجاجًا على مؤتمر لندن، ومنددًا بقوة بصلف السياسة اللندنية تجاه مصالح حضرموت والمنطقة؛ إذ تحدثت في حينها عن فحوى فقرات بيان المؤتمر معظم الصحف العربية، والذي لاقى تأييدًا ومؤازرة من قبل الكثير في الداخل الحضرمي وخارجيًا. ما دفع بالكثير من الأنصار المؤيدين لعلي عقيل أن يكتبوا على جدران منزله والمنازل الأخرى عددًا من العبارات والشعارات الوطنية المساندة والمعززة للأستاذ علي عقيل، التي هي من غير شك جلبت له ولعائلته الكثير من المصاعب والمشاكل وعدم الاستقرار. ففُصِل من عمله، وتعرَّض من خلالها علي عقيل لمحاولات الملاحقة للاعتقال، دعاه ذلك للهرب إلى خارج أسوار مدينة سيئون. وهكذا ظل به الحال إلى أن وصل إلى عدن في ميلاد الخامس والستين واستقر بها وعائلته. ولكن كيف لعلي عقيل وعائلته أن يستقروا ومنزلُه بالعاصمة عدن دائمًا ما يتعرض للتفتيش والعبث بين فترةٍ وأخرى من قبل الجنود البريطانيين.
وبمرور فترة عصيبة تقترب من العام من وصوله إلى العاصمة عدن، انتخب المفكر السياسي علي عقيل بن يحيى عضوًا في القيادة القومية لحزب البعث السوري، وكان ذلك في مطلع العام 1966م.
ومن هنا نستطيع القول إن حياة السيدة فطم العيدروس أخذت منحًى آخر ومختلفًا تمامًا، لأن الزوج المحبب للسيدة فطم ورفيق العمر علي عقيل قد سافرت به تطلعاته العروبية؛ ليكون موجودًا في سوريا ضمن رأس الطاولة الحاكمة في حزب البعث، وهو ما سنعمل قريبًا على استطلاع أحداثه الجسام من قبلة التاريخ.