حديث البداية
د. عبدالقادر باعيسى - رئيس التحرير
يعيش شبابنا في ثقافتهم عدداً من التصورات التقليدية المنسجمة مع التربية التي تلقوها، ولكن الواقع يفرض عليهم تصورات جديدة.
من هذا المنطلق المتخالف كيف يمكننا أن نفهم ثقافة شبابنا اليوم حيث تسيطر عليهم المنتجات المادية الحديثة وأبرزها الموضة التي تهتم بالجسد موضع التفكير المادي الأول، وتهتم بالمكان القريب جداً من الجسد مثل غرفة النوم، السيارة، المكتب.. حتى إن أحدهم قد يستدين مبلغاً من المال لأنه يرى أن شيئاً من ذاته سيتحقق بالموضة التي سيلبسها ويتعامل معها، غير أن ثقافتهم المحلية التي تلقوها في تربيتهم ومعتقدهم وسلوكهم الاجتماعي تظل تعمل فيهم ذهنياً وقد تلقوها عبر التعليمات والتوجيهات المباشرة من آبائهم ومعلميهم والمجتمع عامة، فتحتل موقعا في عقولهم غير منظور حتى تشاهد أحدهم يؤدي الصلاة بخشوع بل النوافل في سروال قصير يمتد إلى ما فوق الركبة بقليل.
سنقدم الآن مثالاً بسيطاً على الثقافة المادية نقارن فيه بين شطيرة الهمبرجر والباخمري أيهما يلتذ به الشباب نفسياً وذوقياً أكثر؟ لكن قبل الإجابة عن هذا السؤال قد يقول أحدهم إن الباخمري ليس حضرمياً إنما هو إفريقي، وليس من مطبوخاتنا الأصلية ومن ثم فأنت تقارن بين شيئين خارجيين أمريكي وإفريقي، حسنا لنقارن بين الباخمري وقرص الخبز (ضبعة الخمير) التي غابت عن مائدة فطورنا (القهوة) والتي ما عاد يأكلها شبابنا، بل ما عادوا يرونها إلا نادراً، سنجد أن الباخمري أو البراوطة الهندية أزاحا (ضبعة الخمير) واحتلا مكانها منذ زمن، ولولا غلاء السعر لاحتلت شطيرة الهمبرجر موقع الباخمري والبراوطة في صيحات التحديث المستمرة.
وانطلاقاً من هذا التغير المادي في الثقافة الذي قدمنا له مثالاً بسيطاً تتولد عند الشباب تصورات أخرى من قبيل أرغب في أن يكون هندامي على هذا الشكل، وبيتي على هذا الشكل، وأصدقائي على هذا الشكل، وزوجتي على هذا الشكل، وعملي على هذا الشكل.. حتى لئن لم يستطيعوا تحقيق ذلك فإن الذوق الحديث يسيطر على أذهانهم، لكن عندما تراهم يلبسون الفوطة الحضرمية حينا وثياب الموضة حيناً آخر، أو يرقصون على موسيقى الراب تارة والعدة تارة أخرى تشعر أنهم يتأرجحون بين ثقافتين، وعندما تلتقي بهم وتصغي إلى أفكارهم تعرف إلى أي ثقافة يميلون بغض النظر عما يلبسون، وتفاجأ أحياناً بأن بعضهم لا ينتمي إلى أي ثقافة قديمة كانت أو حديثة، وإنما إلى الشكل فقط.
وعليه فالتأثير المادي نشط في واقع ثقافة شبابنا اليوم، ويمتلك صفة التغير المستمر، والحديث هنا عن الشريحة الواسعة من الشباب لا عن المستثنى منهم، وبما أن الثقافة تتصل بالحياة اليومية ومتغيراتها فإنها تتصل بحال من الانفعال وسرعة التنوع، من غير أن ينفي هذا أن شبابنا يمتلكون صفات كثيرة جيدة جيدة.