قراءات
عمر عبدالله حمدون
في الحلقة السابقة من قراءتنا لهذا الكتاب تم استعراض أهم ما جاء في مقدمته التي كتبها الأستاذ عبد الرحمن عبدالكريم الملاحي، وأشرنا أيضًا إلى أهمية هذه الإصدارات الحديثة في هذا التوقيت بالذات، والتي تتناول جزءًا من تاريخ حضرموت الحديث في عهدها السلاطيني القعيطي والكثيري؛ بوصف هذه الإصدارات كاشفةً عن وقائع وحقائق ربما تمَّ إهمالها أو تجاهلها بقصد، وفي أسوأ الأحوال ربما تمَّ استثمارها سلبًا بالتطويع والتعسف وليِّ عُنُق الحقيقة تارة، وبالتزييف والتحوير تاراتٍ أخرى خدمة لأهداف مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني للجنوب عام 1967م.
في هذه الحلقة سنستعرض محتويات الكتاب – موضوعه الأساسي – وهو كما أشرنا سابقًا قسمان رئيسان، وملاحق وصور.
القسم الأول: أخذ هذا القسم عنوان “القائم عبدالله بن عوض مخارش ومضات من سيرته وعصره”، ولأن موضوع هذا القسم يتناول ترجمة ذاتية لشخصية حضرمية يافعية الأصل، كان من الضرورة بالنسبة لمؤلفي الكتاب، تناول الوجود اليافعي في حضرموت كتمهيدٍ لمعرفة الأحداث التاريخية والوقائع التي مرَّتْ بها حضرموت، والتي أدَّى فيها الوجود اليافعي دورًا مهمًّا أفضى في النهاية لِأَنْ يسيطر اليافعيون على غالب أراضي حضرموت، فيؤسسوا لهم دولة أو سلطنة حضرمية، وإن كان حكامها ومؤسسوها هم يافعيو الأصل.
استعرض المؤلفان هذا الوجود اليافعي في حضرموت عبر عدد من الروايات التي ترجعه بعضها إلى أنه “موغل في القدم لدرجة أن بعض اليافعيين اندمجوا مع القبائل الحضرمية، وأصبحوا جزءًا منها. ص39″، ويتحفظ واضعا الكتاب على روايةٍ كهذه مشيرين إلى أنه “يجب علينا أن نميز بين واقعَيْنِ: الأول حقيقة الوجود اليافعي القديم في حضرموت، والثاني الوجود اليافعي المؤثّر فيها. ص39″، ويستمر المؤلفان في استعراض المصادر التاريخية التي تحدد الوجود اليافعي المؤثر في حضرموت وذلك منذ القرن 9 الهجري – 14 الميلادي – “حين قدموا إليها بوصفهم جنودًا أو عسكرًا ضمن بعض الكيانات القبلية السياسية في حضرموت”، هكذا يستمر الوجود اليافعي المؤثر في حضرموت في تصاعد رأسي إلى أن وصل إلى تكوين ما يُعرَف بحكومات الطوائف اليافعية في حضرموت بعد أنْ بدأت تتلاشى هيمنة السلطنة الكثيرية الحضرمية.
استطاع القعيطي أن يدحر الإمارات اليافعية (الكسادي/ البريكي) في المكلا والشحر، ودحر الكثيري في شبام، خلال هذا الوجود القعيطي المؤثر يُولَدُ عبدالله عوض مخارش في مدينة شبام بعد مضي ربع قرن من سيطرة القعيطي عليها، ولا تُعرَف سنة ميلاده بالتحديد، ولكنَّ المؤلّفَيْنِ يَرجِعَانِ إلى ما ذكره المؤرخ صلاح البكري من أنه ولد عام 1305هـ – 1888م، ويستنتجان من وثيقة إحالة مخارش إلى التقاعد عام 1953م بعد أن بلغ 66عامًا من أنَّ ميلاده كان سنة 1887م.
يستمر الحديث عن سيرة مخارش في صغره بمدينة الشحر التي انتقل إليها مع أفراد أسرته من شبام، ثم هجرته في مقتبل العمر إلى إندونيسيا – كعادة غالب الحضارمة يومها – لكنَّه لمْ يمكث فيها طويلًا؛ إذ عاد إلى الشحر عام 1906م، وهي السنة التي تم فيها تعيينه كقائم عن السلطنة القعيطية على مدينة الريدة وقصيعر بشرق حضرموت الساحل، ويستند المؤلفان في ذكرهما لهذه التواريخ إلى ما كتبه المؤرخ البكري، وبالعودة إلى ملف مخارش الوظيفي أيضًا، كما أشرنا.
والحقيقة أنه لا يمكن الحديث عن سيرة القائم مخارش الذاتية بمعزِلٍ عن تاريخ الدولة القعيطية الحضرمية، ومن هنا يعود المؤلفان من جديد للحديث عن الوجود اليافعي المؤثر في حضرموت، وذلك في مستهل حديثهما عن عائلة مخارش التي تنتمي قبليًا إلى قبيلة القعيطي، وربما ورد خطأ مطبعي في تحديد زمن الظهور الأول لأسرة مخارش بحضرموت؛ إذ جاء في الكتاب ص 44 “كان في بداية القرن التاسع الميلادي”، وربما الصحيح هو القرن 19 الميلادي.
يرجع المؤلفان شغل عدد من أفراد أسرة مخارش للمناصب الرسمية في السلطنة القعيطية ليس لانتماء العائلة القبلي إلى الأسرة الحاكمة فحسب، بل وأيضا إلى كون أسرة مخارش قد أسهم أفرادها منذ البدء في الجهود العسكرية والسياسية التي بذلت لتأسيس السلطنة، لهذا يرى واضعا الكتاب أنه “لم يكن غريبًا أن نجد من أبناء آل مخارش وأحفادهم من تبوأوا المراكز المتقدمة في السلطنة القعيطية ص 45”.
يفرد المؤلفان صفحات عدَّةً من هذا القسم للحديث من جديد عن طبيعة الصراع القعيطي/ الكثيري للسيطرة على مدن الساحل والداخل الحضرمي، ومنها ميناء مدينتي الريدة وقصيعر، وذلك كتمهيد للحديث فيما بعد عن الظروف السياسية والاجتماعية التي تولى خلالها مخارش منصب القائم عن السلطنة القعيطية بمنطقة المشقاص.
لم يكن مخارش – كما يذكر المؤلفان – “بعيدًا عن منظومة الحكم القعيطي ومجريات الأحداث السياسية في حضرموت، بل كان و(ريدته) يتابعان تلك الأحداث، وينظران لها نظرة المتوجس الحذر”، هذه النظرة المتوجسة الحذرة ربما كان لها مبرّراتها ومسبباتها الموضوعية، فقد حفلت الفترة الزمنية التي تجاوزت الأربعين عامًا، والتي قضاها مخارش كقائم في عدد من الأحداث والصراعات، منها الصراع الطويل بين قبيلة الحموم والسلطنة القعيطية، أيضا الأحداث التي رافقت ظهور حركة ابن عبدات الكثيري؛ إذ أدى كل ذلك إلى زعزعة الأمن وإشاعة الفوضى، ولكنها لم تزعزع كيان السلطنة، عاصر عبدالله مخارش كل تلك الأحداث، وتحمَّل أعباء سياسية كبيرة؛ لأنه قائم على منطقة هي معقل لقبيلة الحموم المناوئة للقعيطي، كما عاصر غالب سنوات السلطنة القعيطية بسلاطينها ووزرائها من أول سلطان إلى آخر سلطان، ومن أول وزير إلى آخرهم، كما شهدت تلك الفترة تحولات سياسية واجتماعية وثقافية على درجة بالغة من الأهمية في المجتمع الحضرمي، منها توسع السلطنة، وترسيخ أركانها، وبدايات التحديث والإصلاحات التي قام بها كلٌّ من السلطان عمر بن عوض والسلطان صالح بن غالب، كما شهدت تلك الفترة ازدياد الاهتمام البريطاني بحضرموت، والذي تُوِّجَ بمعاهدة الاستشارة عام 37م، وأيضًا النهضة التعليمية التي شهدتها حضرموت في هذه الفترة الزمنية.
يختتم المؤلفان هذا القسم بالحديث عن مخارش خارج دائرة الحكم بعد خدمته كقائم عن السلطنة لمدة 46 سنة وثلاثة أشهر، ولاشك في أن هذه المدة الطويلة جعلت للمنطقة – الريدة – مكانة خاصة في وجدان مخارش من جهة، ومن جهة أخرى خلقت حالة من الود والألفة بين مخارش وناس المنطقة، ويسرد المؤلفان بعضًا من المواقف المؤثرة التي تبرهن على تلك المكانة للريدة عند مخارش وتلك الحالة من الود المتبادل، كما يسجل المؤلفان عددًا من المواقف الإنسانية النبيلة للقائم مخارش وأسرته، وهي مآثر تكشف عن أصالة هذا الرجل الحاكم ووطنيته ونُبْلَه، منها إسهام أسرته في الخياطة المجانية لملابس تلاميذ المدرسة الابتدائية في الريدة بعد أن تصل قطع القماش من المكلا تشجيعًا منهم لاستمرار التلاميذ في الدراسة، وتسهيلًا على ذوي التلاميذ من معاناة تكلفة الملابس المدرسية، وبقدر ما يؤكد هذا العمل الإنساني على أصالة انتماء هذا الحاكم ووطنيته وتواضعه، بقدر ما يكشف أيضًا عن جانب من الجوانب الإيجابية للسلطنة القعيطية تجاه ما تقدّمه لمواطنيها في الجانب التعليمي، وموقف آخر لمخارش أيضًا وهو تكفُّله بمساعدة بعض الشباب بمؤنة الزواج، كما أوصى أيضًا بتصدُّقه بما يملكه من بعض مزارع ومحلات كأوقاف لرباط الشحر الديني ولمسجد الغالبي بالشحر أيضًا، وأيضًا للمسجد الجامع بالريدة، وغير ذلك من أوجه الوقف.
وقد توفي رحمه الله عام 1975م بعد أن طال به العمر، وشاهد الكثير من التحوُّلات والتغيرات على الساحة الوطنية الحضرمية والعربية، فكما أسلفنا أنَّه قد عاصر بدايات تأسيس السلطنة، وشهد أزهى فتراتها، كما شهد أيضًا أفولها، وقيام نظام ما بعد استقلال الجنوب عام 67م، وما مرَّ به ذلك النظام من تجربةٍ فيها من المآسي أكثر مما فيها من المآثر.
– القسم الثاني من الكتاب:
حمل هذا القسم عنوان “وثائق القائم عبدالله بن عوض مخارش”، وهو في الحقيقة الموضوع الأساسي للكتاب، والذي من خلاله يتعرف القارئ ليس على جزء من تاريخ النظام الإداري للسلطنة القعيطية فحسب، بل يطلع على كيفية تعامل نُوَّاب السلطنة مع الجهات الرسمية والشعبية، وبالتالي يتعرف القارئ على جزء من تاريخ السلطنة القعيطية بطريقة غير مباشرة من خلال ما توثّقه تلك الرسائل من أحداث ووقائع مرَّتْ بها حضرموت في زمنها القعيطي، وهي بذلك تعد وثائق يستند عليها المؤرخ والمهتمُّ بالتاريخ الحضرمي كمصدر ومرجع، ومن هنا تنبع أهمية هذه الرسائل، وأيضًا أهمية الشرح والتعليق والتفسير لها من قبل الباحثَيْنِ الجعيدي وباصميدي، وهذا ما يؤكّدانه بالقول: “إن وثائق القائم مخارش – رغم محدودية موضوعاتها – تعد دقَّاتٍ مسموعة لعصره، وأنفاسًا لانفعالاته وضوابط لحركته، ومن هنا تكمن أهمية الدراسة التي ترتفع من كونها سيرة رجل إلى تدوين حلقة تاريخية من حلقات السلطنة القعيطية في حضرموت” ص69.
يستحسن المؤلفان اطلاع القارئ على كيفية الحصول على تلك الوثائق قبل الخوض في تفاصيلها وبالتالي ورود فكرة الكتابة لديهما عنها وعن القائم مخارش، وهنا بالضرورة سيتطرق حديثهما لطبيعة الجو العام الذي ساد حضرموت خصوصًا والجنوب عمومًا حين سقوط السلطنة القعيطية وسيطرة الجبهة القومية على مقاليد الأمور، ومِنْ ثَمَّ كيفية تعاملها مع رجال العهد السلاطيني السابق ومرحلته، وهذا حديث بدوره يوثق – ولو بطريقة عابرة – لبدايات المرحلة الجديدة في حضرموت، وكيف تعاملت الجبهة مع رجال العهد السابق، والقائم مخارش أحد هؤلاء الرجال.
لم يكن – في الحقيقة – مخارش يمارس عملًا رسميًّا في السلطنة حين سقطت حضرموت بيد الجبهة القومية، فقد مرَّتْ 14 سنة على تقاعده؛ إذ تقاعد عام 1953م وبالتالي لم يَدُرْ بخلده أنه سيتعرض لأي أذًى من ممثِّـلي العهد الجديد، وحتى عندما دشن هذا العهد سلسلة التصفيات وبلوغه أقصى درجات التطرف الأيديولوجي، لم يخطُرْ ببال مخارش أنه مستهدف، لكن توقعه هذا لم يصمدْ طويلًا؛ إذ تعرض منزله بالشحر في بداية السبعينيات لحملة تفتيش أمنية اكتفى المفتّشون فيها بأخذ السلاح الشخصي لمخارش بعد أن فشلوا في الحصول على مبتغاهم، وكان من حسن الحظ أن إحدى بناته قد احتفظت بأحد كراساتها التي تحتوي نسخًا من الرسائل التي يرسلها للمعنيين بالأمر في السلطنة، هذه النسخ من الوثائق هي التي اعتمد عليها الباحثان في إصدار هذا الكتاب .
يحلل الباحثان هذه الوثائق من جوانب متعددة، منها الجانب الشكلي لها من حيث الترقيم والصيغ النمطية التي تبدأ بها، وما احتوته من أخطاء لغوية وإملائية، واستخدام المفردات الدارجة أو العامية، ويضع الباحثان ملاحظة مهمة في تحليلهما لهذا الجانب وهي خلوُّ الوثائق من المصطلحات الدينية مثلها مثل بقية الوثائق الحضرمية الأخرى، ويستنتج الباحثان من هذه الملاحظة أنَّ تأسيس السلطنة القعيطية منذ بدايتها لم يقم على أي شعار ديني أو دعوة دينية، مقارنةً ببعض الدول أو الممالك التي قامت أو تأسست بدافع ديني أو مذهبي – المملكة المتوكلية في اليمن مثلًا – إذ نجد في وثائق تلك الدول المصطلحات الدينية، وهذه إشارة لها مدلولاتها التاريخية، التي توثّق للظروف والأسباب التي أدَّتْ إلى قيام السلطنة القعيطية.
موضوع الوثائق يدور حول قضايا أساسية صنفها واضعا الكتاب كالآتي:
1- المراسلات مع السلطان صالح بخصوص جرائم القتل والديات.
2- المراسلات مع سكرتير السلطنة سيف آل بوعلي.
3- العلاقة مع المستشار البريطاني (جوي).
4-العلاقة مع المهرة.
5- ترميم وبناء.
6- متفرقات.
عن هذه القضايا يستنطق الباحثان الوثائق بعرضها ودراستها والتعليق عليها، وفي مسألة التعليق تتكشف صفحات ربما تكون مجهولة أو غير معروفة من تاريخ السلطنة القعيطية في جوانب مختلفة، منها السياسي والاجتماعي الإنساني والتعليمي، ولست هنا بصدد التفصيل وإعطاء نماذج من خلال تلك الوثائق تتناول هذه الجوانب بقدر ما أُوصِي المهتمِّين والباحثين بقضايا التاريخ الحضرمي الحديث وبالأخص تاريخ الدولة القعيطية باقتناء هذا البحث التوثيقي؛ لما تحمل أوراقه من وقائع وأحداث دقيقة ربما لم تأخذ حقَّها من التفصيل والإيضاح والدراسة عند الحديث العام عن تاريخ الدولة القعيطية في حضرموت.
أخيرًا أود الإشارة إلى أن الكتاب قد خلا من الخرائط التوضيحية التي توضح – مثلًا – موقع منطقة المشقاص في حضرموت وأهم مدنها وقراها أو بعض المواقع الأثرية التي تم ذكرها في الكتاب، كما خلا الكتاب من بعض الصور الوثائقية لشخصيات السلطنة – سلاطين، وزراء، سكرتارية الدولة – من الذين تمت الإشارة إليهم في البحث بخلاف القائم مخارش، وأيضًا لم ترد أيَّةُ نبذة تعريفية بمؤلِّفَي الكتاب، فإنَّه من الحسن أن تؤخذ هذه الملاحظات المتواضعة بعين الاعتبار في الطبعات القادمة للكتاب وبالله التوفيق.