صِيْف عاصمة دوعن الإدارية .. حاذر ما دوعن إلا بصيف
استطلاع
يوسف عمر باسنبل
استطلاع / يوسف عمر باسنبل
تصوير/ هاني أحمد قنيوي
الموقع والتسمية
تقع منطقة صيف العاصمة الإدارية لمديرية دوعن في قلب وادي دوعن، وتحديدًا بعد ملتقى الواديين الأيمن والأيسر، اللذان يشكلان مجرى واحدًا، حوالي 3كم، بعد التقائهما تقع هذه المنطقة التي تستقبلك، وهي منبسطة على أرض سهلية، تقدّر مساحتها حوالي 12 كم مربعًا، وترتفع عن سطح البحر بحوالي 935 مترًا، يحدُّها من الناحية الشمالية الغربية منطقة قيدون ومن الناحية الجنوبية الشرقية منطقة فيل، ومن ضواحي صيف حصن الجعافرة وحصن بوحسن وحصن بانخر، وتحيط بالمنطقة بساتين النخيل والأراضي الزراعية من الناحية الشرقية امتدادًا من الجنوب للشمال التي تفصلها عن المجرى الرئيس لوادي دوعن، ويخترق صيف رافدان صغيران، يسمى أحدهما الصيق وتقسم مياهه على ثلاثة محاور، تقوم بريِّ الأراضي الزراعية، والفائض منه يتجه إلى مجرى وادي دوعن، والرافد الآخر يسمى شِعب خذوف، الذي تُقسَّم مياهه بين الأراضي الزراعية وأشجار النخيل، وتوجد بعض الأودية المعلَّقة التي تُسمَّى (الصيقة)، ومنها صيقة باعقيل وصيقة شيخان.
وعن سبب التسمية يقول صاحب الشامل السيد علوي بن طاهر الحداد: إنها سميت باسم أحد قدماء حمير. ويذكرُ ابْنُ عبيد الله السقاف في إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت أنها سميت باسم قبيلة من حمير يقال لها صيف، كانت تسكنها في سالف الزمان. ويشير باحنَّان في كتابه جواهر تاريخ الأحقاف في شرحه لقول الهمداني ما نصه… يعني بذلك في وادي دوعن فإنَّ بها قرى الحمير كصيف وفيل، وهما اسما رجلين من حمير سُمِّيَتِ البلدتان بهما.
سكان صيف:
يسكن منطقة صيف عددٌ من القبائل، منهم آل العمودي وبلشرف وبانخر وبادغيش وباحمدان وبادحدح وباناعمة وجمل الليل واليهري وباقطيان وبن سلمان وبخضر وباسلاسل والمسيلي وبن صويلح وباموسى والزهيري وباضاوي وقنيوي والعامري وبامهير وبن زقر وبادولة وباسعد وفقيهان وبارمضان والحضرمي وتمان وغيرهم من القبائل، ويبلغ عدد سكان صيف حوالي 3000 نسمة، يشتغلون بالزراعة خلال موسم الأمطار والسيول على وجه الخصوص؛ لأنَّ الأراضي الزراعية تعتمد على مياه السيول القادمة من وادي دوعن بشقَّيْهِ الأيمن والأيسر، ويزرعون خلال مواسم السيول الذرة البيضاء بدرجة أساسية، إضافة إلى الدُّجر، ويمارس البعض من أهالي صيف بعض الحرف اليدوية التي امتهنوها، مثل صناعة الفخار، وظلت هذه الصناعة لسنوات طويلة حرفةً رئيسةً لأسرة آل بخضر، وهي الأسرة الوحيدة بصيف التي تتقن هذه المهنة؛ إذ كانوا يصنعون الكثير من الأواني الفخارية، منها الفناجين التي تُشرَب فيها القهوة (البن)، ويجدُ الشاربُ مذاقًا خاصًا لطعم القهوة، وما يزال البعضُ إلى الآن ممن يعرفون قيمتها وممن يلتذُّون بمذاق القهوة في هذه الفناجين يشترونها، وعند قدوم شهر رمضان على وجه الخصوص، إضافة إلى صناعة الخزب والزيار والقناني، وهي أوانٍ لحفظ الماء وتبريده، لكن هذه الحرفة اليومَ في طور الاحتضار؛ ويعود ذلك إلى هجرة مَنْ يُتقِنُون هذه الحرفة إلى خارج صيف، وقلة الطلب عليها، ووفاة الأجداد الذين كانوا إلى وقت قريب يتقنون هذه الصنعة وعدم تعلق أحفادهم بها وتعلمها، ومن الحرف الأخرى الموجودة في صيف صناعة الخوص التي تعتمد على خوص النخيل وسعفه، وتصنع منها عددٌ من المستلزمات المنزلية، مثل المراوح اليدوية، والكوافي، وسفرة الطعام، وستائر النوافذ التي تُسمَّى محليًا باسم (الشجب)، ويعمل بها أسرة آل باسعد و آل بارمضان، إضافة إلى حرفة الصياغة، ويعمل بها أسرة آل باقطيان وآل بن سلمان، إضافة إلى مهنة النجارة التي ما يزال آل فقيهان يمارسونها ويعمل البعض منهم في مهنة التجارة، ومنطقة صيف كغيرها من مناطق دوعن قد هاجر أهلها داخليًا وخارجيًا، وانتشروا في مختلف الدول، لكن حضورهم الأقوى يبقى في المملكة العربية السعودية.
صيف في التاريخ:
جاء في كتاب معجم بلدان حضرموت المسمَّى إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت أنَّ الشيخ عمر بامخرمة قال لبدر بوطويرق: (حاذر على صيف، شف ما دوعن إلا بصيف). وكانت صيف في القرن العاشر الهجري مثل كثير من بلاد دوعن تحت حكم ثابت بن علي النهدي، وفي سنة 945هـ خرج أهالي صيف عن طاعته وعدلوا صيفًا للسلطان بدر بوطويرق، فأهداها للشيخ عثمان العمودي، ثم ما تزال الحرب سجالًا بينهم، ونظرًا للموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به صيف وما تحظى به من ميزات؛ إذ كانتْ محطَّ أنظار جميع الدويلات والقبائل وأطماعها في ذلك الزمن، وآخر مَنْ حكمَها الدولة القعيطية، وذلك قبل الاستقلال من الاستعمار البريطاني، وقد ذكر صاحب كتاب الشامل بما نصه ((وتولَّاها آلُ علي بن فارس، ثُمَّ بدر بوطويرق، ثم آل العمودي، ثم صارت إلى آل محمد بن سعيد منهم، ثم إلى السلطان القعيطي)).
وفي أيام حكم الدولة القعيطية كانت صيف تابعة للواء دوعن، واستمرت كذلك في عهد الدولة السابقة تحت مُسمَّى المديرية الغربية منذ عام 1967م، وفي عام 1972م أصبحت صيف عاصمة مديرية دوعن، ولكن بعد أربع سنوات انتقلت عاصمة المديرية إلى مدينة (حريضة)، وفي عام 1998م صارتْ صيف مرَّة أخرى عاصمة لمديرية دوعن، التي تضم مناطق وقرى وادي دوعن بشقَّيها الأيمن والأيسر وما جاورها من قرى السِّيطَان وبعض المناطق الممتدة من صيف باتجاه مفرق المشهد مرورًا بمدينة الهجرين.
ومن الذين مروا بصيف من الأوروبيين وكان له أصعب المواقف بها الرحَّالة أدولف بارون فون فريدا وذلك عام 1843م، فعرف الناسُ هُوِيَّتَهُ فأنزلوه عن ظهر الجمل عُنوَةً وجَرَّدُوهُ من سلاحه، وأوثقوا يديه خلفَه، ثم اقتادوه والدَّمُ ينزفُ من وجهه، وكاد أن يقتل على يد حاكمها محمد بن عبدالله بن عيسى أشمدي؛ إذ قرَّر أنه جاسوس إنجليزي، ثُمَّ تَمَّ التحفُّظ عليه وسُجِن ثلاثة أيام، ولكنَّ مرافقيه استطاعوا إطلاقَ سراحه ومغادرته إلى المكلا بعد تسليم كل ما بحوزته من مذكرات إلى حاكم صيف، وأخفى الأشياء المهمَّة من مذكراته، وسلَّم بعض الأشياء المدوَّنة بقلم الرصاص التي ليس لها أهمية كبرى، ثم غادر وادي دوعن بعد أن ترك صيف، التي تعد خاتمة المطاف لرحلته.
ومن الذين مروا بصيف أيضًا الرحَّالة ليوهيرش في عام ۱۸۸۳م، متبعًا في ذلك سير (فون (فريدا)، وقد شاهد في أثناء رحلته في دوعن وحضرموت مزيدًا من الآثار، غير تلك التي اكتشفها (فريدا)، وقد اتَّسمتْ رحلتُه بالاهتمام بالآثار والنقوش والأدلة التاريخية على نمط الحياة القديمة للمنطقة. أمَّا الرحَّالة دانيال فان دير مولن وهیرمان فون فیسمان فقد مرَّا بصيف في رحلتهما في عام ١٩٣١م. وقد كانت رحلتهما من أنجح الرحلات العلمية؛ لأنهما قد استفادا من تجارب الرحَّالة الذين سبقوهما. كمَّا مرَّ بصيف الرحَّالة وليم هارولد إنجرامس عام ١٩٣٤م، وزوجته دورين إنجرامس في عامي ١٩٣٤-۱۹٣٦م، وكانت صيف إحدى محطات رحلتها إلى مناطق وادي حضرموت، وقد ذكرت لها وصفًا مقتضبًا في كتابها (أيامي في الجزيرة العربية). كما مرَّت بصيف الرحَّالة الإنجليزية فريا ستارك في عام ١٩٣٥م في أثناء قدومها من أيمن الوادي متَّجِهَةً إلى الهجرين ثُمَّ المشهد ثم إلى عددٍ من قرى حضرموت ومدنها. كما مرَّت الطبيبة الألمانية إيفا هويك في عام ١٩٥٤م في أثناء مقدمها إلى عرض باسويد في منطقة لجرات، وصادفت في أثناء وجودها بلجرات حدوث الطوفان في أغسطس من العام نفسه.
وكان لصيف نصيبٌ من الزيارات التي قام بها السلاطين والرحَّالة والمؤرِّخون الحضارم إلى دوعن؛ إذ كانتْ إحدى البلدان المهمَّة بالوادي؛ فقد ذكر عبدالله الناخبي في كتابه (القول المختار فيما لآل العمودي من الأخبار) عن دخول السلطان بدر إلى صيف ما نصه: ((وفي رمضان ٩٤٨هـ هجم بدر على قيدون وفتك بها فتكًا ذريعًا… إلى قوله: وانثنى إلى كريف قيدون فهدمه وعزم على ان يخرب قيدون جملةً وينقل أهلَها إلى صيف، وفِعلًا نفَّذ عزمه…)). كما زار صيف السلطان عمر بن عوض القعيطي وذلك في عام ١٩٣٤م. كما ذكر ذلك محمد سعيد الحاج في كتابه (عمر بن عوض القعيطي).
كما زار صيف الحبيب أحمد بن حسن العطاس في عام ١٣٢٦هـ مصطحبًا معه تلميذه المؤرخ السيد علوي بن طاهر الحداد، كما زارها العلامة السيد عبدالرحمن بن عبد الله السقاف في عام ١٣٦٠هـ.
التعليم في صيف:
بدأ التعليم في صيف مثل بقية مناطق دوعن عبر العُلَم، التي كانت تقام في البيوت؛ إذ نشطت الحركة العلمية منذ منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وقد كانت السيدة الفاضلة صفية بنت جمل الليل من أوائل من افتتح التعليم الأهلي في البلد؛ إذ كان بيتها منارة للطلاب يتعلمون لديها القرآن والحساب والخط، كما افتتح الشيخ عبد الله بابراهيم باداود ويسلم باداود عُلَمًا في بيوتهم، وظلت الحالة هذه حتى عاد الشيخ الفاضل أحمد بن سالم بامفلح من أرض الحجاز، وكان قد تلقَّى تعليمه في مدرسة الفَلَاح التي أنشأها الحاج (زينل)، ونهل من العلوم حتى تميز عن أقرانه. وعاد ويحدُوهُ الأمل لتبديد ظلمات الجهل السائد في بلاده، فبادر مسرعًا إلى افتتاح (كُتَّاب) لتعليم الأولاد القرآن الكريم والكتابة ومبادئ الحساب، وقد اتخذ من الطابق الأرضي في بيته مكانًا لتلك المهمة العظيمة، وكان يعلِّم الأولاد في الصباح، وبعد صلاة العصر يُلقِي دروسًا على المصلين بالمسجد الجامع، ثم بادر إلى توسيع دائرة التعليم فافتتح مدرسةً للأولاد في أحد بيوت البلد (بيت العادة)، وأوكل أمرها للشيخ سالم أحمد بامحمد باحمدان وقد أسهم الشيخ بامفلح بحظٍ وافر في نشر العلم والتعليم في قريته، وكان يبذل وقته وجهده للصغار والكبار، ومن أشهر العُلَم عُلمة الشيخ سعيد سالم باحمدان في بيته، وعُلمة الشيخ محمد سالم باناعمة، وعُلمة الشيخ محمد علي باحنان، وقد استقر في صيف فترة من الزمن الإمام محسن بن علي الحداد الذي انتقل إليها من قيدون وكان إمامًا لمسجد عقبة، وعالمًا فقيهًا، قصده الطلاب ينهلون من علمه، منهم مبارك سالم بامفلح، وعبد الله باسعيد بادغيش.
في عام ١٣٦٣هـ الموافق ١٩٤٤م كتب أحمد بامفلح رسالة للشيخ محمد علي زاكن باحنان صاحب كتاب جواهر تاريخ الأحقاف، يطلب انتقاله من نسرة إلى صيف، فوافق الأخير على طلبه، فأقام الشيخ بامفلح استقبالًا مهيبًا للشيخ باحنان، وصنع له حفلًا مشهودًا، وقد نشأت بينهما فيما بعدُ علاقةٌ أخويَّةٌ متينة، ثم واصل باحنان مشروع بامفلح التعليمي، فقام بعد زمن ليس باليسير مع ابنه علي محمد باحنان وبالتعاون مع المحسنين من أهل صيف بتأسيس (مدرسة الفلاح)، وترتيبها إداريًا ومنهجيًا وماليًا، وقد بُنِيت المدرسة على أرض تقع جوار (الجابية)، وتعاون غالب الأهالي في بنائها، وكان البعض منهم ينقل الطين والآخر يجلب الماء، وتم توفير الأخشاب حتى استقام البناء، وقد ذاع صيتُها، وانتفع بها الكثير من أبناء صيف والقرى المجاورة، وكان يُدرّس فيها القرآن والفقه والنحو ومبادئ الحساب، وقد تتلمذ فيها الكثير من أبناء المنطقة.
وهنا نذكر بعض النصوص الشعرية التي قيلت في صيف ومدرستها ومديرها الشيخ محمد باحنان والمنفقين عليها من آل باناعمة وآل بامفلح وآل باصلوح وغيرهم كثير، فمن ذلك القصيدة التي أرسلها السيد علوي المالكي من مكة المكرمة بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ۱۳۷۱ هـ الموافق ١٧ / ٢ / ١٩٥٢م، نختار منها هذه الأبيات:
تلك الفلاح بدت في صيف تزدهر وروضها مثمـــر بالعام يفتخــــــر
تسير نحو العلاء، والدين رائدها تقضي على الجهل لا تبني ولا تذر
تسمو بطــــلابها للمجد راقيـــــة يديـــرها حــــازم أعمالــه غــــرر
أعني به الشيخ باحنان من حسنت آثــار إخلاصــه في القطر تنتشـر
وهذه أبيات من قصيده للسيد الفاضل الأديب الداعي إلى الله عبدالله الهدار:
زهت صيف بنشر العلم فيها وصار العلم يعرف في بنيها
ومدرسة الفلاح سمت فخارًا وتاهت وازدهت شرفا وتيها
وقد نبع الشبـاب بها نبوغًــا وبالتعليــــم قد أمسـى بنيــها
وقال العلامة الأديب حسن بن أحمد السقاف:
ومـدرسة لما نزلت بسوحهــا جذلت بأبنـائها الكــرام الأماجد
لقد سرني لما نظرت نظامها فحصتها الرحمن من كل حاسد
فحقا ترى فيها الكمالات كلها بنـــاء وتعليــمًا بكل الفــوائـــد
هنيئاً لكم يابانييـــــــن تقـــرُّبًا إلى الله بالحسنى وكل المحامـد
ويكتب العالم والمؤرخ علوي بن طاهر الحداد هذه الشهادة بعد دعوة تلقَّاها لزيارة المدرسة فقال: ((بمناسبة أن صديقي العلامة: محمد بن علي بن زاكن باحنان مقيم ببلدة صيف المشهورة، انتهزت في تلك الفرصة زيارته في منزله فكان كما كنت أعتقده كريمًا من الكرماء، وعظيمًا من العظماء، وفق للمبالغة بالاستبشار بقدومي إليه مساء يوم السبت ۱۷ رجب ۱۳۷۱ هـ الموافق ١١/ ٤/ ١٩٥٢م فقد مهَّـد لي السبيل للاجتماع بتلاميذ مدرسة الفلاح الأهلية، وبمبناها الضخم الجديد الذي تكفَّل به المشايخ الكرام سالم وعبدالله أبناء أحمد سالم (العادة) باناعمة… وحدثتْ بيني وبين أهل القسم الرابع، مناقشات بصفة سبر غور لمعارفهم، فإذا هم نجباء يبشرون بمستقبل باهر لهم ولوطنهم)).
أما عبد الله الناخبي ناظر التعليم الأهلي في السلطنة القعيطية فكتب شهادته فيما يأتي: ((أما بعد، فلمَّا منّ الله عليَّ وتفضَّلَ بزيارة صيف، وهو بلد من بلاد الأحقاف، سكن فيه العلامة الكبير الشيخ محمد بن علي زاكن باحنان الكندي، وزُرنَاهُ ونزلْنا عِندَهُ، وزُرنَا مدرسته وأهلَ بلده، فوجدناهم على صلاحٍ وتقوى، ورأيْنا تلاميذه النجباء لا يُوزَنُ بهم الجبل من الذهب من خلوقهم وآدابهم، وفق الله بهم الخير العميم لصلاح الناشئة والبلاد، وأشكر الشيخ المشار إليه شكرًا جزيلًا)). وقد نشر الاحتفاء بالمدرسة في صحيفة الأيام العدنية في العدد (٦٤٣) في السنة الثالثة بتاريخ ١٩ ربيع أول سنة ١٣٨٠هـ الموافق ١٠ سبتمبر ١٩٦٠م تحت عنوان: ((هنيئًا لبلد صيف)).
أما بواكير التعليم الحكومي في المنطقة فقد بدأت منذ ستينيات القرن الماضي، ومن أوائل المدرِّسين من أبناء ساحل حضرموت الذين أسهموا في حركة التعليم الأستاذ سعيد سنجل ١٩٦٢م، وناصر جوبان ١٩٦٣م، وعوض الحضرمي ١٩٦٥م، وعوض سالم بوعسكر ١٩٦٦م، وأبوبكر عوض الحضرمي ١٩٦٦م، وسالم أحمد مسهور ١٩٦٧م، وسالم أحمد بلَّقدي ۱۹٦٨م، كما أسهم في التعليم من أبناء دوعن الأساتذة جمعان أحمد باعمر ١٩٦٨م، وعثمان بالعرج العمودي ١٩٦٨م، وأحمد عبيد محارق ١٩٦٨م، وسالم احمد العرابي الخنبشي ١٩٦٨م وغيرهم.
ثم تمَّ بناء مدرسة الشهداء الموحدة بصيف عام ١٩٦٩م الواقعة في وسط البلد، وافتُتِحَتْ رسميًّا عام ١٩٧٣م، وظلَّت منارة شامخة تخرَّج فيها الكثير من أبناء المنطقة، وفي السنوات الأخيرة تم إنشاء مبنى جديد للمدرسة على نفقة المرحوم سعيد بن محمد باعمر باناعمة (محيقن)، وافتُتِحَ في سبتمبر عام ٢٠٠٣م. وتم تحويل مبنى المدرسة السابق ليكون خاصًا بالطالبات في عام ٢٠٠٧م؛ إذ تمَّ فصلُ البنات عن البنين، وفي عام ٢٠١٠م زُوِّدَتْ مدرسة البنات بكادر من المعلّمات من ساحل حضرموت بتمويل من الشيخ عبدالله سالم باحمدان، وبعد افتتاح مجمَّع السيدة خديجة بمنطقة الجحي التحقت أوَّلُ دفعة من بنات صيف بالمجمع (التعليم الثانوي)، الذي ضمَّ عددًا من طالبات وادي دوعن، وفي عام ٢٠١٤ م تمَّ فتحُ مساق دبلوم معلمات الريف، فالتحقَتْ به طالباتٌ من صيف، وتخرَّجنَ منه في العام الدراسي ٢٠١٦ – ٢٠١٧م؛ ليصبح كادر التدريس بمدرسة الشهداء فرع البنات من معلمات من بنات منطقة صيف.
وفي تسعينيات القرن الماضي تم افتتاح أول ثانوية حكومية في وادي دوعن؛ لتخفف عن الطلاب الذهاب إلى حريضة والمكلا لدراسة المرحلة الثانوية، وكان لأسرة آل بامعروف وعلى رأسهم عميدها الشيخ أحمد بامحمد بامعروف العمودي دورٌ في افتتاح ثانوية المصموم بصيف في عام ۱۹۹۲م، وكان يشرف على إدارتها الأستاذ محسن عبد الحافظ العمودي – رحمه الله – حتى إحالته للتقاعد في عام ٢٠٠٩م.
أمَّا التعليم الديني في المساجد المتمثل في حلقات تدريس القرآن الكريم وعلومه فقد مضى موازيًا للتعليم الحكومي؛ إذ بدأ التعليم بمسجد الجامع الأستاذ احمد سعيد حميد في ثمانينيات القرن الماضي، ثم أقام الأستاذ محمد مبارك سالم مطران حلقات تحفيظ القرآن بمسجد علي في مطلع التسعينيات، وقد أنشئت أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة في أبريل عام ۱۹۹۷م، وكان يُدرِّس فيها القرآن الكريم وعلوم الشريعة الإسلامية، ثُمَّ ظهرت الحاجة بعد ذلك إلى تعليم الفتاة فأُنشِئَتْ مدرسة سُمَيَّة لتحفيظ القرآن الكريم في ٢٠ / شعبان/ ١٤٢٠هـ الموافق ۲۸/ ۱۱/ ۱۹۹۹م بدار الشاطري (بادغيش)، وقد افتتح بالمدرسة مركزٌ لمحو الأمية للنساء، ثم بعد ذلك نقلت إلى بيت علي باعمر باناعمة بجانب دكان المردوف باسلاسل.
معالم صيف:
تمتاز منطقة صيف ببعض المعالم التي تميزها واشتهرت بها، وتعد البيوت القديمة التي ظلت لسنوات طويلة قائمة ولا يزال البعض منها مأهولًا بالسُكَّان والآخر قد هجر، ومن معالم صيف البارزة:
دار القرن: وهي عبارة عن قصر شامخ يستقبل القادمين من جهة الشمال، يتربَّع على جبل صغير، يُسَمَّى قرن غشان، وإليه نسب هذا القصر وسُمِّي باسمه، ويعد أكبر مبنى سكني بالمنطقة، ويعود لأسرة آل العمودي أبناء محمد علي العمودي، وتم بناؤه بين 1965-1971م، وهو من تصميم المعلم صالح سالم بامهير وتنفيذه، والذي قام ببناء الطابقين الأول والثاني، ثم قام باستكمال البناء المعلم الدموني، في حين قام بأعمال الخشب من أبواب ونوافذ وأعمدة المعلم محفوظ باجحاو باطرفي وساعده المعلم عوض رجب بامدحج، وكثيرًا ما يقف عنده السُيَّاح الأجانب لالتقاط الصور له، ويشتمل هذا القصر على 24 غرفة، وهو مبنيٌّ من الطين والنُّورة، ومؤخَّرًا تم إعادة ترميمه وطلائه بالألوان الزاهية.
المصنعة: وهي مجموعة مبانٍ طينية، تقع على تلٍّ، وتبدو للعيان من جميع الجهات، وتعود لأسر آل العمودي. ولابن عبيد الله السقاف في كتابه معجم بلدان حضرموت إشارة إلى هذا المعلم بقوله: ((ولها – أعني صيفًا – قلعة صعبة المرتقى يسكنها الشيخ باعلي وهو شيخ شهم رحب الجناب واسع الصدر كريم الشيم من ذرية الشيخ علي بن سعيد بن عيسى العمودي)) وغيرها من المعالم.
وذكر الحداد في كتابه الشامل في حوادث سنة 937هـ قوله: ((وفي الثاني والعشرين من شهر شعبان خلع الشيخ عمر بن الشيخ أحمد العمودي نفسه من ولاية الحصون تحت نظره، ومنها صيف وبضه، وتولَّى عنه أخوه عثمان)). واليومَ أصبحت المصنعة قِبلةً للزائرين بعد إعادة ترميمها وصيانتها في 24 ربيع الأول 1438هـ الموافق 23 ديسمبر 2016م بعد تدخُّل المُلّاك من آل العمودي للحفاظ عليها؛ إذ يعود تاريخ بنائها إلى عام 1117هـ لتبقى شاهدة على تاريخ زاهر.
حصن العسكر: وهو حصن قديمٌ، مبني من الطين، يقع بالقرب من المعلم السابق دار القرن، وعلى الجبل نفسه، ويعود إلى زمن الدولة القعيطية، وكان بمثابة حصن للعسكر التابعين لتلك الدولة، وقد ذكره صاحب الشامل عندما بدأ بوصف وادي قيدون بعد خروجه من صيف متَّجِهًا صوب قيدون بقوله: ((فتمرُّ أوَّلًا بمجرى شعب الصيق، وفوقها حصن أحدثه القعيطي لعسكره، ثُمَّ تمرُّ بساقية الهرمة، وعن يسارك الجبل، وعن يمينك جروب الهرمة، وهي لأهل صيف…))، وهذه الجروب (وهي مساحة من الأرض تستخدم للزراعة) التي ذكرها الحداد في كتابه الشامل هي اليوم قد مرَّ بها خط الإسفلت منذ عام 2005م وقطع عن الكثير منها مياه سيول شعب الصيق، وبدأ الناس ينشئون المباني السكنية والتجارية على جانبي خط الإسفلت.
جامع صيف: لا يُعرَفُ تاريخُ بنائه، غير أنه توجد مخطوطة على غلاف مصحف تحدّد تاريخ الانتهاء من عمارة حمَّامات المسجد (وهي غرفة في مقدمة المسجد يوجد بها محراب يصلى فيها أيام البرد)، إذ يتضح أنَّه تمَّ الانتهاء من عمارتها في 15 شعبان 1276هـ الموافق 8 مارس 1860م، وذكر ابنُ عبيد اللاه السقاف في كتابه إدام القوت أنه ((جامع لا يوجد مثله بوادي دوعن في حسن العمارة))، وقد شهد في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين تجديدًا لعمارته؛ إذ تمَّ استبعاد جميع الأعمدة الخشبية القديمة (السواري) ووضع مكانها أعمدة من الحجارة، وتمَّ رفع سقف المسجد من دون إحداث توسعة للمسجد، وفي مطلع التسعينيات شهد المسجد توسعة جديدة وإزالة ما يسمى بالحمّام وإدخاله ضمن المسجد مع توسعة من الناحية الشمالية، ثُمَّ شهد المسجد توسعة أخرى عام 2019 وترميمه.
ويوجد بالمنطقة مساجد أخرى، منها مسجد الحوطة، ومسجد جحلان، ومسجد علي، ومسجد عُقبة، ومسجد الزهرة، ومسجد الرحمة، وغيرها من المساجد الصغيرة.
الزراعة:
تعد الزارعة من الأعمال التي يمارسها سكان منطقة صيف خلال موسم الأمطار والسيول شأنهم شأن بقية أبناء وادي دوعن، ويوجد بصيف ساقية الخيس التي تستقبل مياه السيول القادمة من وادي دوعن الأيمن والأيسر، ويبلغ طولها 2.5 اثنين ونصف الكيلو متر، وتروي مساحةً تقدَّر بحوالي 10000 مطيرة (المطيرة تساوي 14 ذراعًا في 7 أذرع)، وتتكون الساقية من شبكة ري داخلية مكوَّنة من الحرَّة، وهي فتحة أسفل الساقية، والبداد وهي جمع بُدّ (سواقٍ فرعية)، ومناكٍ تكون مهمَّتُها تصريف المياه الزائدة، ومساقٍ، وقد حدد مُلَّاك الأراضي (الموّالة) منذ زمن بعيد نظام العمل في الساقية، ومن أهم الموَّالة بساقية الخيس: آل باحمدان، وباناعمة، وبادحدح، وبانخر، والعمودي، وبادغيش.
المياه والكهرباء
كان الناس في صيف في السابق يستقون الماء لبيوتهم بواسطة القِرَب (جمع قربة)، والمعارص (جمع معرص، وهو سطلان يربطان بعصا يحملان على الكتف)، من الآبار والعيون، وكان أمرًا شاقًّا ومُتعِبًا ويأخذ جُهدًا ووقتًا، وكان جُلُّ الأهالي يلاقون مشقة في نقل الماء إلى بيوتهم على أكتافهم أو على ظهور الحمير من شعب خذوف أو من شعب الصيق أو من العين، إلى أن أقام الأهالي عَتِم (مجرى ماء من الحجارة) من منطقة خذوف إلى داخل صيف، ويعد هذا العتم والجابية أيضًا من معالم المنطقة؛ إذ يعود تاريخُها إلى أربعينيات القرن الميلادي الماضي عندما أسهم عدد من أهل الخير من أسرة آل العادة (باناعمة) في مد مجرى للماء (عتم)، وقد بني من الأحجار والنورة، ويمتدُّ من عين خذوف، ويأخذ طريقًا متعرّجًا حتَّى يَصُبَّ في الجابية، وهي صهريج ماء كبير، تم بناؤه أيضًا بالحجارة والجص في عام ١٣٦٧هـ الموافق لعام ١٩٤٨م، وتقع الجابية بالقُرب من مبنى المدرسة القديمة (مدرسة الفلاح)، وقد بنيت جوابٍ صغيرة داخل البلاد؛ لتقريب الماء للناس، وُزِّعَتْ حسب الكثافة السكانية للمنطقة.
وفي سبعينيات القرن الماضي تم بناء خزان كبير، يقع فوق الجابية، ومُدَّتْ منه شبكة أنابيب (مواصير) في عام ۱۹۷۱م لتصل إلى جميع البيوت. وكان الشيخ أحمد بامفلح قد أوصى قبيل وفاته بحفر بئر ماءٍ ارتوازية، وكان ثاني بئر يتمُّ حفرُه في المنطقة بعد البئر الأولى الارتوازية، التي تمَّ حفرُها على حساب الدولة، وهناك مصدر آخر للمياه التي تغذي البلدة وهو عيون خذوف والصيق، وفي عام ٢٠١٥ تمَّ تزويد مشروع الماء بألواح الطاقة الشمسية؛ لغرض تشغيل مضخات الآبار، وقد جاء هذا المشروع بسبب توقُّف محطة كهرباء دوعن وانعدام المحروقات، وتوسُّع المنطقة وزيادة عدد السكان.
وبالنسبة للكهرباء فقد عرفت صيف الكهرباء في ١٢/٢٠/ ۱۹۸۰م بعد أن قامت اللجنة الأهلية في البلاد ولجنة المهجر المكوَّنة من العم سعيد محمد العمودي، والشيخ عمر أحمد بادحدح والشيخ أحمد بن سعيد باحمدان والشيخ سعيد أحمد باناعمة، بالسعي لتوفير مولد كهرباء للبلاد، وأشرفت اللجنة الأهلية في صيف على مشروع ماء صيف وكهربائها وتولَّت إدارته، وكان نظام التشغيل من قبيل المغرب إلى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلًا، وتمَّ ربط صيف بكهرباء وادي دوعن عام 2004 م.
أبرز الشخصيات في منطقة صيف:
أنجبت منطقة صيف عددًا من الشخصيات في مختلف المجالات على مر السنين، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر بعض الشخصيات:
الشيخ/ سعيد بن سالم باحمدان: ولد الشيخ سعيد في بلدة صيف في ١٢٨٦هـ – ١٨٦٣ م وقد تعلم الفقه، وحفظ القرآن الكريم في تريم أمتهن حرفة الحراثة – إضافة الى مهنة التعليم – وأصبح حكماً قوياً فيها حتى لقب بـ ( العادة) تولى حكم صيف وأحباطها من قبل المقدم عمر أحمد باصرة حاكم دوعن من قبل السلطان القعيطي، غير ان باصرة عزله نتيجة الحكم الصادر ضده في قضية خلافه الزراعية مع آل بلحمر، وعين مكانه أربعة نفر هم : سعيد العمودي، وأحمد بروك بادغيش، وسعيد أحمد بادغيش، وسعيد عبد الله با حمدان، ولكن الأمور لم تسير كما كانت على عهد الشيخ سعيد، وقد حاول المقدم عمر إعادته فرفض.
كان للشيخ سعيد أيادٍ بيضاءُ في فعل الخير، وإصلاح ذات البين، وقد استمر على تلك السيرة العطرة حتى وفاته في عام ١٣٩٥ هـ – ١٩٧٥م.
العلامة المؤرخ/ محمد علي باحنان: ولد في تريم في عام ۱۳۱۲ هـ -۱۸۹۲م بين أحضان والدين صالحين، ولم يبلغ الثانية عشرة من سنه، حتى توفي والده، فنهضت به أمه، واعتنت بتربيته وتعليمه؛ إذ أدخلتْه مدرسة الشيخ الحسين بعينات، وهي حينئذ أشبَهُ بكُتَّاب، فقرأ على الشيخ/ عبد الرحيم باحمود القرآن الكريم، وبعد ظهور العلامة الحسن بن إسماعيل، وقيامه بالتدريس في عينات، دفعتْه أمُّه إليه، وقد كان الشيخ يشجع باحنَّان على العلم ومضاعفة الجهود حتى حفظ كثيرًا من المتون، وقرأ ألوانًا عدَّة من الكتب المطوَّلة والمختصرة. كما عملت أمُّه على حشد كثير من أقرانه للتعليم أناء الليل وأطراف النهار، من أجل شحذ همَّته، ولمَّا بلغ سِنَّ المراهقة سافر إلى تريم، وأخذ عن علمائها في الرباط، مثل العلامة عبد الله عمر الشاطري، وعبد الباري بن شيخ العيدروس، والعلامة علوي خرد وغيرهم.
قدم في آخر شهر صفر ١٣٣٤هـ – ١٩١٦م عينات العلَّامةُ أحمد بن حسن العطاس، فطلب باحنَّان من الشيخ، أن يسمح له بصحبته إلى دوعن وحريضة، فقبل بعد موافقة أمه.
توفي العطاس في رجب ١٣٣٤هـ – ١٩١٦م، بعد أن انتفع باحنان ونهل من معارف أستاذه، ولمَّا تأسَّستْ جمعيَّة الحق بتريم، وافتتحت مدرستها، وتلتْها جمعية نشر الفضائل، قدم عينات السيد/ أبو بكر المشهور، فزيَّن للشيخ باحنان إنشاء مدرسة، فتم ذلك في عام ١٣٣٦ هـ – ۱۹۱۸م جلس فيها باحنان للتدريس.
عندما خيَّم شبح المجاعة في عام ١٣٦٠هـ – ١٩٤٠م هاجر إلى دوعن، وقام بالتدريس في مدرسة نسرة حتى عام ١٣٦٣هـ – ١٩٤٣م، إضافة إلى معاونته للأستاذ/ سالم بن طالب في إدارة المدرسة، ثم انتقل إلى صيف، وهناك استقر، وانقطع للعلم والتعليم حتى عام ١٣٨٢ هـ – ١٩٦٢م عندما حجَّ ثانية، وفي هذه الحجة تمكن من طباعة كتابه (جواهر الأحقاف).
فاضت روحه إلى بارئها في عام ١٣٨٥هـ – ١٩٦٥م، وقد أشار الشيخ/ عمر بادحدح، إلى مدى عظيم تلك الخسارة، فرحمه الله رحمة واسعة.
من أبرز مؤلفاته كتاب التحفة السنية، شرح المختصر اللطيف (فقه) وهو جزءان، وكتاب اللؤلؤة الثمينة، ونظم سفينة النجاة، وكتاب المدد الفائض في علم الفرائض، وكتاب تقويم اللسان في علمي النحو والصرف لمرحلة التعليم الابتدائي والمتوسط، وكتاب العقد الثمين في سيرة سيد المرسلين، وكتاب القول الشاف في تاريخ الأحقاف في (۹) أجزاء انتخب منها (جواهر الأحقاف).
الشيخ سالم بن سعيد باحمدان:
المولود في قرية صيف، ونشأ فيها وترعرع، يتصل نسبه إلى جده بن دحدح الذي كان الوزير الأول للسلطان أبي طويرق مؤسس الدولة الكثيرية الأولى في حضرموت، ثم اختار لنفسه الهجرة مثله مثل أبناء حضرموت ممَّن سبقوه خاصة من أهل دوعن، فشدَّ الرِّحال صوب مكة المكرمة وهو يحمل بين جنبيه آمالًا وأحلامًا كبيرة وهمَّة عالية وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، وكان الشيخ سالم يعاود السفر بين قريته (صيف) وأرض غربته إلى أن استقر به المقام في مدينة الرياض، فزاول أعماله التجارية فيها، وقد وفَّقه الله في تلك الأعمال.
وشاء الله بأقداره أن تُحقَّقَ أمنية الشيخ سالم بأن يكون لابنه عبد الله شأن كبير؛ فقد تقلد قيادة أكبر بنك في الشرق الأوسط، وتولى منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب فيه، وقفز البنك قفزات كبيرة في عهده، فمن شابه أباه فما ظلم، وإن هذا الشبل من ذاك الأسد.
الشيخ أحمد بن سالم بامفلح:
من مواليد صيف عام 1329هـ – 1911 م، كان له دور رائد في التعليم في بلدة صيف؛ إذ افتتح مدرسة للأولاد في أحد بيوت القرية (بيت العادة، وكان يدرس بها القرآن والفقه والنحو ومبادئ الحساب، وقد تتلمذ على يديه الكثير من أبناء القرية)، تلقَّى تعليمه في مدرسة الفلاح بجُدَّة، وأكمل التعليم وتسلم شهادته بتفوق وامتياز، وبعد أن علا صيتُه طلبه محمد علي زينل، الذي كان ينفق على المدرسة، وهو تاجر لؤلؤ بالهند ليعمل معه في مكتبه بالهند، وهناك تمرَّس في التجارة وفنونها ليعود إلى صيف بعد خمس سنوات في الثلاثينيات من القرن الماضي ليفتتح المدرسة، وكان بعد العصر يلقي دروسًا في المسجد.
كان بامفلح شخصيةً مهمةً في منطقته، وله دور بارز في كثير من القضايا في المجتمع، وقد اقترح عليهم فكرة تشكيل مجلس بلدي فوافق الجميع على طلبه، وتم إرسال طلب للقائم بأعمال السلطنة القعيطية في دوعن بهذا المقترح. توفي في مدينة جدة في عام 1991م عن عمر قارب 83 عامًا.
الشيخ عمر أحمد السبيع بادحدح:
المولود في أجواء عام 1340هـ في حضرموت، وكانت مدرسته الحياة، وكان أول عمل مارسه بالأجر في أحد البيوت، وكان مردوده لا يزيد على 4 جنيهات في السنة، ثم تحوَّل إلى العمل في أحد الدكاكين بالأجرة نفسها، واكتسب الخبرة من خلال أعماله التجارية ومعرفة الناس والثقة بنفسه كرجل.
رأى في نفسه أنَّه قادر على تحمل المسؤولية والدخول في معترك الحياة في سن مبكرة جدًا، وواصل تدرجه في هذا العمل حتى فتح محلًّا تجاريًّا صغيرًا لبيع مختلف أنواع المواد الغذائية برأسمال 15 ألف ريال، ساعده في توفيرها الشيخان أحمد بن سعيد بقشان وعلي بن عمر باكرام، كان ذلك في عام 1367هـ حتى غدا من كبار التجار ورجال الأعمال في المملكة العربية السعودية.
وكان الشيخ عمر ممَّن أسَّسوا لجنة مساعدة السجناء المعسرين برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فواز بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة حينها.
والشيخ عمر له أيادٍ بيضاء في فعل الخير، وخدمة طلبة العلم في التدريس العام والجامعي والمبتعثين، وله نشاط كبير في إصلاح ذات البين، وبذل الصلح بين المختلفين في مجال التجارة.
وكان الشيخ عمر بادحدح يفرح بانتشار دعوة الإسلام وتعاون أهله على الخير، توفي – رحمه الله – يوم الأحد 16 محرم 1433هـ الموافق 11 ديسمبر 2011م، ووري جثمانه الطاهر فجر اليوم التالي بمقبرة الفيصلية بجدة.
الشاعر الشعبي صالح بن صويلح:
من مواليد 1901م تقريبًا، هاجر إلى السعودية صغيرًا، ثم عاد إلى صيف للزواج، ثم تزوج في المهجر، ويعد ثاني مدير للبنك الأهلي التجاري فرع الرياض، وهو من مؤسسي مدرسة الفلاح بصيف والداعمين لهيئة التدريس فيها، وكان من المقرَّبين من الملك عبدالعزيز وأبنائه سعود وخالد وفيصل وفهد وسلمان، الذين كانوا أمراء في حياته، توفي عام 1376هـ الموافق 1956م عن عمر ناهز 55 عامًا.
وكان يعد أحد شعراء صيف ومن روائع قصائده التي قال فيها:
هاجس معي عامد غبب سيلان**مبعد دخل جاوه ولا المالان**جز حياته راس قاره
يطلع ويندر لا حجل يفعان**شارح ويتميح كما الشرحان**للفائدة ولا خسارة
قال للذي هو يبدع القيعان**وان غاص جاب اللول والمرجان**من بحر مافيه النماره
ذكرت لي في دقم باغيلان**بمات قلعة دحوا الجيلان**كيف قد ضيع سيارة
أبوبكر بن عمر باناعمة:
ولد ونشأ في صيف، وكان الخامس والأصغر في إخوته، أشرفت أمه على تربيته هو وإخوته؛ إذ توفي أبوه وهو صغير فنشأ يتيمًا، تلقى تعليمه في كتاب صيف، وكان صاحب همَّة وعزيمة قوية، وكان طموحه أكبر من حقول القمح وبساتين النخيل التي كانت تمتلكها أسرته، ورغب في أن يشق طريقه بنفسه فهاجر إلى الحجاز في أواخر حكم الأشراف، وعمل فيها بجهد إذ كان يُعِينُ نفسَه وأهلَه، وبعد سنوات عدَّة من الاغتراب عاد إلى حضرموت، ولكن ظل هاجس الهجرة يُلِحُّ عليه فلمْ يحقّقْ بعد طموحه، فهاجر إلى الحبشة حيث طالت سنوات الغربة والجهد والتعب من أجل أن يبني نفسه ليعود مرة أخرى إلى وطنه ويستقر به المقام في مدينة المكلا عاصمة السلطنة القعيطية، التي كانت في أوج نشاطها التجاري، فمارس فيها عددًا من الأعمال التجارية، وكان وكيلًا لعدد من الشركات العالمية، وفي عام ١٩٦٢م تمكن من خلال الاقتراع المباشر من دخول المجلس البلدي (النُّوَّاب) في الدولة القعيطية، وكان ذلك أول مجلس نواب منتخب في السلطنة القعيطية.
له إسهامات خيرية وثقافية ورياضية عدَّة، مثل عضوية اللجنة التي أشرفت على بناء مسجد الشهداء في حي الديس، وكان أحد المؤسسين لنادي الشعب الرياضي بالمكلا، وكان أول رئيس للنادي؛ إذ عقد في منزله الاجتماع التأسيسي للنادي في أبريل ١٩٦٤م، وبعد عام ١٩٦٨م تغيرت الأحوال السياسية في حضرموت بعد تولي الجبهة القومية زمام أمور الحكم، وكان أحد المستهدفين إذ اعتُقِلَ مرَّاتٍ عدَّةً وأُفرِج عنه، فقد كان رجلًا نزيهًا بعيدًا عن الشبهات، ثُمَّ صودرت الكثير من ممتلكاته كغيره من التُجَّار، وفي ظل هذه الأوضاع هاجر كغيره إلى المملكة العربية السعودية لأجل العمل مرة أخرى، وهناك بدأ حياة عملية، توفي – رحمه الله – في 30/ 3/ 1404هـ الموافق ١/٤ / ١٩٨٤ م بمدينة جدة ودفن بمقبرة الأسد.
الطابع المعماري في صيف:
يقيم غالب أهل دوعن مبانيهم في سفوح الجبال، بحيث تكون مرتفعة عن مجرى السيول في الوادي، وعادةً ما يكون التوسع باتجاه الجبل؛ لتغطي تلك المساحة من الجبل الواقعة بين حافته الدنيا (السفح) وحافته العليا، وهذا الاختيار تمَّ من أجل تجنُّب خطر السيول، إضافة إلى أنه شكلٌ من أشكال التحصين والحماية ضد الهجمات التي تحدث بين حين وآخر في زمن الصراعات القبلية، وللحفاظ على الأراضي الصالحة للزراعة؛ للاستفادة منها لزراعة النخيل والحبوب.
ومنطقة صيف كغيرها من البلدان القديمة لم تقم على مخطط حضري ينظم مبانيها، ولكن كان البناء يتماشى مع الظروف الطبيعية للمكان؛ إذ إنَّ مجاري السيول أثرت كثيرًا في تشكيل المنطقة، وفي الوقت نفسه كانت مباني بلدة صيف تتخذ شكلًا شبه دائري، تلتفُّ حول محور رئيس لها هي مبنى المصنعة.
كما أن امتدادات الشوارع الرئيسة القديمة لصيف باتجاه الشرق – الغرب، جعلت أهالي صيف يحرصون على أن تكون واجهة مبانيهم إمَّا إلى الشرق وإمَّا إلى الجنوب، وتؤكد البحوث العلمية التأثير القوي لأشعة الشمس في خط العرض الذي تقع فيه منطقة جنوب الجزيرة العربية من أجل التقليل من سخونة المبنى أو مجموعة المباني الساخنة؛ فإنها يجب ان تمتد في اتجاه الشرق – الغرب بنسب ١: ١.٣ ويعود السبب في ذلك إلى أن الواجهة الشمالية والجنوبية ذات السخونة الأقل بكثير من الواجهات الشرقية الغربية بنسبة أربع إلى خمس مرات.
وقد اتسعت بلدة صيف وامتدت باتجاه الشمال والجنوب، ولكن ما يزال غالب الأهالي يتخذون الجهة الشرقية أو الجنوبية واجهة للبيوت، وقد تميَّزت واجهات المباني في منطقة صيف بتعدد الطراز المعماري، وتنوع الملامح؛ حيث إنها دمجت بين البساطة والجمال في الوقت نفسه، أمَّا ارتفاعات المباني فإنها تختلف من مبنى لآخر وغالب المباني الموجودة في صيف متقاربة من حيث الارتفاعات؛ إذ يتراوح ارتفاعها من دورين إلى خمسه أدوار، ويعد كل بيت مسكن لعائلة واحدة.
تفصيل المبنى
يميل حجم البيوت في صيف إلى الاتساع، فكل بيت يحتوي على ملحقات، وهي عبارة عن أحواش تسمَّى باللهجة المحلية أوصار مفردها (وصر)، وتقسَّم هذه الأحواش، فمنها ما يخصص للحيوانات من أغنام وحمير، ومنها ما يخصص لتجفيف المحاصيل الزراعية كالحبوب والتمور، ويقال لهذه المخازن (معاقيب) ومفردها (معقاب)، وقد توضع مطاحن الحبوب التي يسمونها (مراهي) ومفردها (مرهى) في أحد هذه المستودعات، حيث تثبَّت في الأرض، وتقوم النساء بطحن الحبوب فيها، كما يخصص جزء من مساحة المبنى للدرج، وتسمى باللهجة المحلية (رقد)، والتي ترتكز على عمود كبير مبني من الطوب الطيني (المدر)، يعتمد عليه كل المبنى في ارتفاعه وقوته، ويُعرَف محليًا “العروس”.
وفي بعض المنازل القديمة وغالبية المباني الحديثة تقام في الجزء الأسفل من المنزل الطابق الأرضي غرفة تحت أركان المنزل، وتُسمَّى (طاق)، هذه الغرفة تخصص عادة للضيوف من الرجال؛ لكي تعزلهم طيلة فترة الإقامة عن غرف بقيَّة المبنى، التي تخصص فيها الطوابق العليا للنساء، كما أنَّ لغالبية المباني مدخلَيْنِ: أحدهما أساسي ويسمى “سدَّة”، وآخر فرعي ويسمى (عرق)، والذي غالبًا ما يفتح على حوش للمبنى أو على جانب المبنى والممر الأرضي في المبنى يسمى “سقيفة”، وهو مما يلي المدخل الرئيس (السدة) مباشرة، أمَّا الممرَّات الداخلية في الطوابق العليا فتسمى محليًّا السطوح (جمع سطح) وهو الجزء الذي يقع بين الدرج ومداخل الغرف.
وفي الطابق الثاني في المباني القديمة غالبًا ما يتكون من غرف صغيرة تسمى “أوسطة” (جمع وسوط)، وهي أيضًا تعد مخازن للمواد الغذائية وبعض المستلزمات الأخرى. أمَّا الطوابق الأخرى (الثالث والرابع) فهي مخصصة للسكن، والمطبخ يكون في بعض البيوت في الطابق الأخير.
أمَّا طريقة البناء في صيف فمتميّزة؛ إذ يتكون الطابق من غرفٍ عدَّةٍ، ولكن كل غرفة أشبه بالشقة الكاملة، حيث تكون منعزلة عن بقية الغرف الأخرى بفضل وجود جدار ساتر يُبنَى على مدخل الغرفة يسمى (رقبة)، وغرف المنازل في صيف وعامة دوعن لها تصميم خاص يميّزها عن بقية الغرف في وادي حضرموت، فالغرفة بها ما يعرف بـ (المحار)، يخصص له فتحة في الغرفة، ويعمل لها باب خشبي تستخدم للتخزين، وفتحة أخرى يُبنَى نصفها السفلي ويسقف، ويعمل لها باب خشبي يغلق عليها، في حين يظل الجزء الأعلى منها مكشوفًا، ويوضع فيه الفرش والأغطية والمخدَّات، ويسمى (صورع). كما يوجد في الغرف ما يسمى (بالمغاسج) مفرده (مغسج)، وهي عيدان من الخشب، تُثبَّت في الجدار، و”السارية” عمود وسط الغرفة أو في مدخل الغرف، ويوضع فوقها بعض الفرش الذي لا يستخدم إلا عند قدوم الضيوف.
وتُزَيَّنُ غرف البيوت بنوافذ خشبية، نُحِتَتْ بنقوش متنوعة، بعضها بسيط وبعضها الآخر هندسي بديع، ويقال للنافذة (لِهج)، وتستر هذه النوافد “بالشجب” (وهي عيدان صغيرة، يتمُّ ربطُها بخيط من جانبيها؛ حتَّى تحجب النظر من الخارج)، كما يُعمَل فوق النوافذ “رفوف”، تستخدم لحفظ بعض المستلزمات، ويتم تغطية الجدران بالنورة قبل ظهور الطلاء، كما تزين الأبواب بمسامير تسمَّى نجومًا، وتزيَّن السواري الخشبية (الأعمدة) بنقشات منحوتة، في حين تُزَيَّن القواسم وأبواب المحرة والصوارع بالنقوش المنحوتة أو مسامير الزينة التي تطلى بالزئبق.
وقد اختلف نمط البناء في البيوت الحديثة عن ما كان عليها في البيوت القديمة؛ فقد ظهرت أشياء واختفت أشياء تماشيًا مع تطور نمط الحياة، فمثلًا أصبح الطابق الثاني بل وجزءٌ من الطابق الأول يستخدم كغرف للسكن، واختفت من الطابق الثاني الأوسطة.
المراجع:
- الحداد، علوي بن طاهر، الشامل في تاريخ حضرموت، تريم للدراسات والنشر، 2005م
- السقاف، عبد الرحمن بن عبيد الله، معجم بلدان حضرموت، مكتبة الإرشاد، صنعاء، 2002م
- باحمدان، محمد سالم، التعليم الأهلي في دوعن، 2008م
- صيف معالم وأعلام، تقديم صالح عمر باناعمة، 2019م
- مجلة شعاع الأمل، العدد 123 يوليو 2012
- دوعن الوادي الجميل، سالم بن سلمان، الطبعة الأولى 2006م




























