
أ.د. عبدالله سعيد بن جسار الجعيدي | الدمام
حين وطئتُ الدمام للمرة الأولى، كان في داخلي شعور يشبه اكتمال دائرة طال انتظارها، و بدا لي أنني أستطيع أن أقول، دون مبالغة: لقد عبرت المملكة من غربها إلى شرقها. كان موعدنا في مكتب الوجيه سالم أحمد بالحمر وسط المدينة؛ زيارة تعارفية في بدايتها، لكنها سرعان ما كشفت أن بعض اللقاءات لا تحتاج إلى مقدمات طويلة كي تأخذ مكانها في الذاكرة. كان انطباعي قبل اللقاء شيئًا، وما خرجت به منه شيئا آخر؛ فثمة أشخاص تسبقهم أسماؤهم، ثم تأتي اللقاءات لتؤكد ما سمعته عنهم أو تنفيه، أما سالم أحمد بالحمر، فكان حضوره من النوع الذي يتجاوز الاسم والانطباع المسبق. رجل ذكي، لماح، سريع الالتقاط، لكن ما يلفت فيه أكثر هو تلك البساطة التي لا تتكلف التواضع، ولا تحتاج إلى استعراض كي تفرض حضورها. بضع دقائق كانت كافية لأن تتراجع المسافة الرسمية، وأن تذوب الحواجز التي تصنعها اللقاءات الأولى عادة، فجأة، تشعر أنك أمام شخص تعرفه منذ سنوات، لا أمام رجل تلتقيه للمرة الأولى.
ولأن الحديث أخذنا إلى التاريخ وأهله، كان طبيعيًا أن يبحث مضيفنا عن مكان يليق بهذا الحديث؛ مكان لا يكون فيه الغداء مجرد طعام، ولا الضيافة مجرد تقليد، بل تجربة تكتمل فيها الحكاية. وهكذا كانت وجهتنا إلى مطعم القرية الشعبية في الدمام، لكنني سرعان ما اكتشفت أن وصفه بالمطعم ينتقص من حقيقة المكان؛ فهو أقرب إلى متحف حي، أو إلى ذاكرة معمارية مفتوحة أبوابها للزائر، مكان لا يكتفي بأن يعرض التراث، وإنما يحاول أن يعيد إليه شيئًا من روحه؛ أن ينتشله من سكون المتاحف ويمنحه فرصة أخرى للحياة. منذ اللحظة الأولى، بدا المكان كأنه يستدرجك إلى زمن آخر؛ الأبواب الخشبية القديمة، والنوافذ التي تحمل ملامح البيوت الأولى، والتفاصيل المعمارية التي تستحضر تنوع مناطق المملكة، كلها تتجاور في مشهد واحد، لا باعتبارها قطعًا للفرجة، وإنما باعتبارها شواهد على حياة كانت هنا ذات يوم. حتى الأثاث لم يكن منفصلًا عن هذه الفكرة؛ قطع خشبية قديمة أعيد تدويرها وتوظيفها، في إصرار جميل على ألا يتحول التاريخ إلى شيء ميت، وأن تظل الأشياء التي صنعتها أيدي الأجداد قادرة على أن تؤدي دورًا في حياة الأحفاد. وهنا تكمن روعة المكان، إنه لا يقول لك: “انظر، هذا هو الماضي”، بل يقول لك بطريقة أكثر هدوءًا وعمقًا: “اجلس قليلًا… ودع الماضي يقترب منك”.
وبينما كنا نتنقل بين تفاصيل المكان، بدأت الحدود بين المطعم والمتحف، وبين الحاضر والماضي، تتلاشى شيئًا فشيئًا. لم أعد أعرف إن كنت جالسًا على مائدة غداء في مدينة الدمام، أم أنني بطريقة ما أصبحت ضيفًا على زمن أقدم؛ زمن كانت فيه للأبواب حكايات، وللنوافذ ذاكرة، وللخشب رائحة البيوت وأصوات أهلها. كان الغداء في ظاهره موعدًا عابرًا، لكنه في جوهره كان رحلة أخرى داخل المكان نفسه، وهنا أدركت أن أجمل ما في السفر ليس دائمًا أن ترى ما لم تره من قبل، وإنما أن ترى المألوف بعين جديدة، وأن تكتشف أن المكان الذي تظنه مجرد محطة على خارطة الطريق قد يخفي تحت ظاهره طبقات كاملة من الحكايات. ولعل أجمل ما في تلك اللحظة أنني لم أعد قادرًا على تحديد موقعي بدقة: هل نحن في مطعم يحتفي بالتراث؟ أو في متحف استعان بالمائدة كي يستدرج زواره إلى التاريخ؟ أم أننا ببساطة أمام مكان أدرك أن أفضل طريقة لحفظ الذاكرة هي أن يجعلها قابلة للعيش؟
كانت الدمام في ذلك اليوم أكثر من مدينة جديدة في سجل رحلتي، وكانت المائدة أكثر من مأدبة كريمة، وكان المكان أكثر من مطعم… كان كل شيء يلتقي في لحظة واحدة: كرم الإنسان، وذاكرة المكان، وظلال التاريخ. ولذلك ظل ذلك الغداء عالقًا في ذاكرتي لا بسبب ما كان على المائدة، وإنما بسبب ما كان يحيط بها؛ فبعض الموائد تُنسى بعد أن تُرفع، أما تلك التي تُقام تحت ظلال التاريخ، فإنها تظل مفتوحة في الذاكرة طويلًا، كلما عدنا إليها وجدنا في تفاصيلها شيئًا جديدًا لم ننتبه إليه في المرة الأولى. وربما لهذا السبب تحديدًا، لم أشعر يومها أنني كنت أتناول الغداء في الدمام، بل شعرت أنني كنت أتناول الغداء مع التاريخ نفسه