“حضرموت الثقافية”: عن إشراقة يمنية في زمن الانطفاء … ضفة ثالثة (منبر ثقافي عربي لندني)

صدام الزيدي
2 مايو 2025
في أواخر عام 2016، انطلقت مجلة “حضرموت الثقافية”، عن مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، كمجلة فصلية ثقافية، صدر العدد الأول منها في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، لينتظم صدورها في لحظة كانت الصحف والملاحق والمجلات الثقافية اليمنية تغلق أبوابها بسبب تداعيات الصراع السياسي الذي أفرز مواقف متشنجة وانفلات غير مسبوق في تاريخ الدولة اليمنية الحديثة.
وبصدور العدد 35 (آذار/ مارس 2025) من المجلة، تواصل المجلة إحياء ومقاربة وتوثيق تاريخ حضرموت السياسي والتاريخي والديني والاقتصادي والزراعي والآثاري والعلمي والأدبي والفني، عبر تناولات وكتابات تعنى بإبراز حضرموت كواجهة ثقافية يمنية عريقة صدّرت الكثير من المؤلفين والأدباء والإبداعات والفنون والإشراقات للمشهد اليمني وللعالم.
وتهتم مجلة “حضرموت الثقافية” بالترجمة والحوار والدراسات النقدية والكتابات والاحتفاء بأمكنة وشخصيات ضمن ملفات وتبويبات منتظمة، كما تخصص كتابات للتعريف بدور الحضارمة في نشر الإسلام والتواصل الحضاري في عدد من البلدان حول العالم لا سيما بلدان شرق آسيا والقرن الأفريقي، مؤكدةً على أن حضرموت تظل حاضرة كإشعاع ثقافي وتاريخي وإنساني حتى في أصعب الأزمات الوطنية اليمنية، وإن كانت محافظة حضرموت بعيدة عن مناطق الاشتباك المسلح، إلا أنها لم تكن في مأمن من الأزمات والتداعيات التي ألقت بها الحرب اليمنية على شتى مناطق البلاد.
35 قمرًا
بمطالعة 35 عددًا من مجلة “حضرموت الثقافية”، التي يوفرها بصيغة إلكترونية الموقع الإلكتروني لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، نظرًا لأنه بات من الصعوبة بمكان انتشار الإصدارت والملاحق والمطبوعات الثقافية بين كثير من المحافظات اليمنية، والتي لم تعد تصدر أصلًا بالزخم الذي كانت عليه فيما قبل الحرب في 2015، باستثناء تبادل الكتب بين نقطة توزيع وأخرى، يتمكن القارئ والمتابع للحراك الثقافي اليمني، وأبناء حضرموت أنفسهم، كما وكل اليمنيين في الداخل والخارج، من الوقوف على تاريخ حضرموت المشرق في مجالات الإبداع والتنمية الإنسانية، وقبل ذلك تاريخ حضرموت السياسي والاجتماعي والعمراني والآثاري على امتداد حقب زمنية مترامية منذ ما قبل الإسلام فصاعدًا، حيث فتحت المجلة الباب على مصراعيه للكتاب والصحافيين والأدباء والباحثين والأكاديميين والنقاد والمؤرخين، للإسهام في مواكبة التاريخ الحضرمي قديمًا وحديثًا وللوقوف على شواهد الإنجاز الإبداعي والإنساني الراهن لحضرموت الإبداع والإشعاع الحضاري. وإن كانت هنالك ملاحظة مهمة على المجلة، فهي أنها تستقطب أقلامًا حضرمية بحتة للكتابة في الشأن الحضرمي (إلا فيما ندر)، إلا أن حالة الانغلاق هذه تكون مبررة بالنظر إلى أنها مجلة ثقافية شاملة تصدر عن مركز يعنى بدراسة تاريخ حضرموت وتوثيقه ونشره.
عن عبد الرزاق قرنح
منذ العدد الأول، خصصت المجلة زاوية للترجمة، لكن الأمر لم يتعد مادة ترجمية واحدة، أو اثنتين، وخلت كثير من الأعداد من نافذة الترجمة، كما أن المترجمين الذين توالى نشر مواد لهم، لا يزيدون على عدد أصابع اليد، إذ لوحظ الاعتماد على عدة تناولات ترجمية، عن الإنكليزية، للمترجم والأكاديمي خالد بن مخاشن، وأخرى لمسعود عمشوش، واستُهِلّ العدد الأول أيلول/ سبتمبر 2016 بمقالة للناقد خالد يسلم بلخشر بعنوان: “حكايتي مع عبد الرزاق قرنح”، وكنت أنجزت دردشة حوارية مع بلخشر، ضمن مادة نشرها منبر “ضفة ثالثة”، في أعقاب إعلان منح جائزة نوبل للآداب للزنجباري التنزاني البريطاني من أصول حضرمية، عبد الرزاق قرنح، وفي السياق أشار الناقد بلخشر إلى أسبقية مؤسسات أكاديمية وثقافية حضرمية في تناول أدب قرنح، حيث أشرف على أول رسالة ماجستير في جامعة يمنية (وعربية) عن روايات قرنح، أنجزتها الباحثة الحضرمية، ألفت وزير عبده حسين، بعنوان: “ديناميكية هوية الشتات في روايتي عبد الرزاق قرنح: (الهدية الأخيرة)، و(قلب الحصى)”، نوقشت في رحاب جامعة حضرموت ـ كلية الآداب، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. والأطروحة أشرف عليها بلخشر، الذي سبق له نشر أكثر من بحثين عن تجربة عبد الرزاق قرنح الروائية، إضافة إلى مقاله بالعربية في العدد الأول من مجلة “حضرموت الثقافية”.
وفي العدد نفسه، ترجم محمد سالم باقطن، مقالًا لضابط سياسي بريطاني، يوجه فيه تحية إلى أبوبكر بن شيخ الكاف، أحد صناع السلام في حضرموت. ويعود رئيس التحرير عبد القادر باعيسى بمقال مقتضب عن الروائي العالمي قرنح، تفاعلًا مع تتويجه بجائزة نوبل للآداب في عام 2021، ذاهبًا إلى القول إن عبد الرزاق قُرنح “ما زال يأكل المانجو الأفريقية الضخمة، ولا يتذكرها إلا كدراجة هوائية مهملة أهداها إليه أبوه في طفولته ليذكره بحلم العودة إلى الوطن الأول”، في سياق تنويهه إلى أننا “سنتهادى ونتهاوى جميعًا على تلك الجغرافيا الأليمة المتنوعة في روايات قرنح التي سنقرؤها أخيرًا، فواهم من يظن أن الرصيف الناعم طريق سويّ، وواهم من يظن أن أقوى الكلام يولد في المدن”.
ولاحقًا تكتب إيمان العولقي عن روايتين لعبد الرزاق قرنح، هما أول ما صدر له بالعربية بعد فوزه بنوبل: “ما بعد الموت” بترجمة نوف الميموني، و”ذاكرة الرحيل” بترجمة عبير عبد الواحد، عن دار “أثر” للنشر. وتتطرق العولقي إلى روح أفريقيا في روايات قرنح ومواضيع تتعلق بـ”ما بعد الكولونيالية والديكولونيالية”.
وفي المجمل، تناولت ترجمات المجلة: عدن بين فريا ستارك ومحمد علي لقمان (ترجمة مستمزجة من كتب المستشرقة فريا ستارك ومن مذكرات محمد علي لقمان)؛ محاولة لفهم السياق التاريخي لعصر العرب في حضرموت (ترجمة لورقة عمل للمستشرق أي. جي. كيل، منشورة ضمن مخرجات ندوة الدراسات العربية 1995، أوكسفورد)؛ حضرموت في المصادر الكلاسيكية اليونانية والرومانية؛ إله القمر في العملة الحضرمية (ترجمة لمقالة المستشرق جون ولكر، 1952، منشورة في مجلة الدراسات الأفريقية والشرقية- جامعة لندن)؛ وصف لبعض النقوش التي تم العثور عليها في الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية (ترجمة لمقالة كتبها ج. جي. هولتون و ج. سميث منشورة في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وأيرلندا، سنة 1837)؛ رحلة إلى حضرموت (بترجمة بن مخاشن، لكاتبها: أدو لوف بارون ريدي، نقلها الكابتن: جي. بي. هينز، ضمن منشورات الجامعة الجغرافية الملكية بلندن 1844)؛ عن كتاب “شتاء في جنوب شبه الجزيرة العربية” (لفريا ستارك، بترجمة عمشوش)؛ نشوء الهيئات السياسية في الجنوب: فصل من كتاب “الصراع على جنوب اليمن” (لمؤلفه جوزيف كوستنر، بترجمة: نجيب سعيد باوزير)؛
“حكايات من أرض الرمال” لكاتبها جيم أليس، المساعد العسكري للمستشار البريطاني المقيم في محمية عدن الشرقية (1951)؛ محاضرات إنجرامز عن حضرموت (بترجمة: نجيب سعيد باوزير ونورة نجيب باوزير)؛ محميات عدن الشرقية (بترجمة: عمشوش)؛ ملاحظات عن بعض عمليات الاستيعاب والابتكار في لغة حضرموت وثقافتها خلال تاريخها القديم، لكاتبتها أليسيا بريوليتا، بترجمة: بن مخاشن؛ سلام إنجرامز في حضرموت، بترجمة: عبد الله الفلق؛ السلام في حضرموت، لكاتبه: دبليو. إتش. إنجرامز. أو. بي. إي، بترجمة: نجيب سعيد باوزير ونورة نجيب باوزير؛ “فاطمة” مسرحية عربية إندونيسية مثيرة للجدل، لهوب دي يونج، بترجمة: سعيد الجريري؛ عن كتاب “الخصي وطريق الرقيق” للمؤلف هنري دي موفريد، بترجمة: عمشوش؛ حضرموت جنوب الجزيرة العربية: القبيلة والمجتمع في ظل التمدن، للمبتعث السوفياتي سيرجي نيكولايفيتش سيريبروف، بترجمة: مراد محمد باعلوي؛ فصول متسلسلة تصاعديًا في عدة أعداد، عن كتاب المستشرق هانس هيلفريتش “أرضٌ بلا ظلال”، بترجمة بن مخاشن عن ترجمة قام بها كينث كيركننز بالإنكليزية عن الألمانية، لكتاب طبع في الولايات المتحدة في 1936، ثم في مدينة لايبزغ بعنوان: شيكاغو الصحراء، وأيضًا أرض بلا ظلال، ويوثق الكتاب رحلة استكشافية قام بها هيلفريتس للمكلا ومنها إلى أنحاء من حضرموت، بعد أن زار مصر وفلسطين وعدة بلدان عربية.
وفي باب الحوارات، استهلت المجلة عددها الأول والعدد الذي يليه، بحوار موسع مع السلطان غالب بن عوض بن صالح القعيطي، أجراه رئيس تحريرها، حسين صالح الفردي، الذي سيسلم رئاسة التحرير منذ العدد الثالث، إلى الأديب والناقد الدكتور عبد القادر علي باعيسى، المستمر رئيسًا للتحرير حتى الآن. ثم خفت وهج الحوارات وصولًا إلى العدد الخامس حيث طالع القراء حوارًا مع التربوي عبد اللاه هاشم، ثم حوارات توالت مع الإعلامية والمسرحية أنيسة خميس، وروبيرت بيرترام سيرجانت، المستشرق الأسكتلندي (1915- 1993)، وهو حوار مستعاد مع مستشرق يحمل دكتوراه عن تاريخ المصنوعات النسيجية في العالم الإسلامي، ترك مؤلفات منها: صنعاء المدينة العربية الإسلامية (لندن، 1983)؛ الصيد في جنوب الجزيرة العربية (1976)؛ نثر وشعر من حضرموت (لندن، 1951)؛ التقاليد وحكم الشريعة في مجتمعات جنوب الجزيرة العربية (لندن، 1991)، وفي عام 1947 سافر ومعه عائلته إلى اليمن، عدن فحضرموت، ليعمل باحثًا (زميلًا) في الجيش البريطاني- قسم البحوث الخاصة بالمستعمرات، وكان أجرى الحوار معه أستاذ الأدب والترجمة بجامعة عدن، أبو بكر محسن الحامد. وبعد غياب طفيف للحوارات، عادت المجلة لتحاور الباحث في التراث الشعبي الحضرمي، عبد الله صالح حداد، والمصورة السعودية المحترفة ذات الأصول الحضرمية، سوزان باعقيل، والكاتب والناقد صالح علي العطاس، وناسخ القرآن الكريم بخط اليد، محمد جمل الليل، والتربوي سالم سعيد باريدي، والقاص عمر العمودي، وفائز صالح بن سميدع، والروائي صالح باعامر، وفرج بخيت سالم بن سعدون، ثم حوار مستعاد مع التربوي والأديب والمؤرخ، عبد الرحمن عبد الكريم الملاحي، والموسيقار عبد القادر جمعة خان، والأديب والناقد عبد الله حسين البار، والشاعر والملحن صالح عبد الرحمن المفلحي، والشاعر والملحن عمر أبي بكر العيدروس، والشاعر السياسي خالد محمد عبد العزيز.
كما حاورت المجلة رئيس مجلس إدارة مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، الشيخ محمد سالم بن علي جابر، لإلقاء ضوء على واحد من المؤتمرات العلمية للمركز الذي خصص لدراسة تاريخ حضرموت السياسي والاجتماعي.
ملفات
وأنجزت المجلة ملفات صحافية تعاين وتستذكر وترصد وتقارب ملامح من حياة الحضارمة وإشراقات تاريخ حضرموت، حيث انطلقت من مدينة المكلا، حيث مقر المجلة ومركز حضرموت للدراسات، بدءًا بملف عن: المكلا ومدرسة محمد سالم باشريف الأهلية لتعليم الإنكليزية (أول مبادرة أهلية لتعليم الإنكليزية في حضرموت)، ثم ملف عن مملكة حضرموت القديمة، سلط الضوء على: التجار الحضارمة في الأرخبيل الإيجي؛ التصوير الجداري في مملكة حضرموت القديمة؛ ظاهرة دفن الجِمال في حضرموت قبل الإسلام؛ معتقدات وطقوس دينية حضرمية قبل الإسلام، وملف عن الشاعر حسين محمد البار، وملف عن “السلاح والتحصينات العسكرية في حضرموت”، خصص لاستذكار سلاح ناري غيّر موازين القوى في حضرموت كان يطلق عليه: “أبو فتيلة”، وقراءة ثقافية في بعض دلالات الشعر العامّي الحضرميّ: السلاح والقيم؛ السلاح والغزَل، وعن عمارة القرف والطين كتحصينات عسكرية في هضبة ووادي حضرموت، والألفاظ الخاصة بالجنبية (الخنجر) الحضرمية، وملف حمل عنوان: أدب المرأة في حضرموت (لم يتناول بالدراسة والمقاربة الأدب النسائي وإنما جمع صفحات نصوص أدبية لأقلام نسائية حضرمية)، وملف عن “الأدب المشقاصي” وهي تسمية تحمل خصوصية حضرمية وتتمحور حول الشعر (والأدب) المحكيّ والمتداول شفاهيًا، وملف عن: “البحر في الموروث الحضرمي”: البحر في الأغاني والأهازيج الحضرمية؛ البحر وأحواله في مدونة ربابنة حضرموت؛ قصص غياب البحارة في الموروث “المشقاصي” المحكي. وتم تخصيص ملف لرصد حصيلة منجزات مركز حضرموت للدراسات في عدد آذار/ مارس 2020، “من سنوات التأسيس إلى سنوات التوثب والانطلاق”، عبر تغطية لأعمال المؤتمر العلمي الرابع للمركز: “منهجية الحركة العلمية وأبعادها المستقبلية”، وانعقد المؤتمر تحت عنوان: “التاريخ والمؤرخون الحضارمة في القرن الثالث عشر الهجري- التاسع عشر الميلادي”. وملف عن “العمارة الحضرمية: مجد الطين ومقاومة الاندثار”. وملف تناول “أوراق مكلّاوية”، سلسلة مقالات الدكتور عبد الله سعيد الجعيدي. وملف عن كتاب: “قضايا تاريخية من حضرموت: من التاريخ السري للاستعمار البريطاني، التزوير واستلاب الهوية”.
أمكنة وشخصيات
أطلت كتابات بين فترة وأخرى، تستطلع المكان في حضرموت، ضمن زاوية “أمكنة” انطلاقًا من منطقة “لجرات” التي تتوسط واي دوعن، أشهر الأودية الحضرمية الذي ينتج أغلى العسل عالميًا، ومنطقة “قرن ماجد”، و”قويرة المحضار”، و”بلدة بضة”، و”وادي بدش”، و”قرية حنور” المخفية، ورحلة على ضفاف الأودية من الساحل إلى داخل حضرموت، و”رباط باعشن” في دوعن، ومن بلاد الخرشع إلى بلاد الماء.
واحتفت المجلة بشخصيات حضرمية تعد من الأعلام التي تركت أثرًا من بينهم رواد في التعليم والصحافة والسياسة وعلم الفلك والتنمية المحلية والابداع عمومًا. أما نوافذ الدراسات والنقد والأضواء فكانت غنية بمواد تثري نقاشًا ومقاربات بديعة تعاين نصًا حضرميًا مدهشًا في سفر القصيدة والغناء والحكاية والعمارة والتراث والتشكيل، وجميعها يلتقي في البحث والتنقيب والقراءة والمقاربة والرصد والتوثيق لتاريخ حضرموت، التي كان لها نصيبها من الشتات والانكسار، حتى على صعيد النشر والدوريات الثقافية، ومن هنا تأتي مجلة “حضرموت الثقافية”، منارةً يشعلها حضارمة عاشقون لتاريخهم وللكتابة وللبحث، يحلّقون عاليًا في أقاصي سماء اليمن الشرقية، يصنعون أملًا في الزمن القاسي للقلب الحزين.